الصين والتحول الآيديولوجي الغريب!

الصين والتحول الآيديولوجي الغريب!

الجمعة - 23 شهر ربيع الأول 1443 هـ - 29 أكتوبر 2021 مـ رقم العدد [15676]
أمير طاهري
صحافيّ وكاتب ايرانيّ مثقّف لديه اهتمامات واسعة بشؤون الشّرق الاوسط والسّياسات الدّوليّة

إن الأنظمة السياسية القائمة على الآيديولوجيا تواجه دوماً تحدياً كبيراً مع إدراكها أن الأحداث الحقيقية قد جعلت آيديولوجيتها عتيقة.
قد يحدث هذا في لحظات مختلفة من حياة نظام قائم على الآيديولوجيا.
قرر الحزب النازي في ألمانيا بعد اكتساحه السلطة مباشرة الخروج بمزاعم اشتراكية من خطابه، عبر عمليات الإعدام الموسعة خارج نطاق القضاء المعروفة باسم عملية «ليلة السكاكين الطويلة» أو «الطائر الطنان»، ونشر عبادة شخصية هتلر بوصفها عقيدة.
وفي الاتحاد السوفياتي حاول جيل من الزعماء الشيوعيين الذين مثّلهم ميخائيل غورباتشوف العودة إلى الجذور الاشتراكية الديمقراطية لحزبهم.
وقد انتهت كلتا المحاولتين إلى الفشل وانهيار الأنظمة القائمة على الآيديولوجيا: ألمانيا النازية من خلال الهزيمة في الحرب، والاتحاد السوفياتي عبر الانهيار الممنهج.
وآخر نظام قائم على الآيديولوجيا، والمولود أيضاً في القرن الماضي، لمواجهة التحدي، هو جمهورية الصين الشعبية في ظل الحزب الشيوعي.
لقد واجهت ثلاثة أجيال من الزعماء الشيوعيين، بدايةً من هوا كو فنغ، ومروراً بدينغ شياو بينغ، والآن شي جينبينغ، هذا التحدي، وحاولت أن تتجنبه قدر الإمكان. ذلك أن ما يقرب من أربعة عقود من النمو الاقتصادي، والتي أصبحت ممكنة بفضل تبني الرأسمالية الخاضعة لسيطرة الدولة، قد جعلت هذه المراوغة ممكنة حتى الآن.
وما يحدث الآن هو أن الجيل الحالي من الزعماء في عهد الرئيس شي بدأ يدرك أن المراوغة لم تعد ممكنة.
لقد أصبح الاقتصاد الصيني خاضعاً لقواعد الرأسمالية الكلاسيكية. وهذا يعني فترات رواج وكساد دورية لا تتزامن مع الاحتياجات السياسية لنظام قائم على الآيديولوجيا. وهذا يعني أيضاً نشوء طبقة متوسطة كبيرة من المحتم أن تشكك عاجلاً أو آجلاً في احتكار السلطة من حزب واحد، حتى وإن تباهى ذلك الحزب بقاعدة شعبية تبلغ نحو 80 مليون عضو.
فالحزب الشيوعي الصيني ليس لديه ماضٍ ديمقراطي اشتراكي قد يتحول إلى مأوى آيديولوجي بديل. كما لا يمكنه تبني طائفة جديدة من الشخصيات حول الرئيس شي لمنافسة عبادة ماو تسي تونغ في ذروة عهده.
تدرك القيادة الحالية للحزب أن الخطاب الماركسي الكلاسيكي، القائم على الصراع الطبقي بين البروليتاريا والبرجوازية، لن يبدو جاداً عندما تتظاهر البرجوازية الجديدة بأنها تمثل البروليتاريا. وهذا هو السبب في أن الإشارة إلى ماركس وإنغلز ولينين وعبارات مثل الماركسية هي مصطلحات نادرة الوجود في خطاب الحزب. وتعد القرارات الأخيرة الصادرة عن المكتب السياسي للحزب «بتعزيز الاشتراكية على نحو أفضل»، كأنها تشير بوضوح إلى التحول نحو نسخة شعبوية من القومية.
وهذا يعني أن جيل الرئيس شي يحاول تحويل الحزب إلى ذلك النوع من الآلة السياسية التي خلقها فلاديمير بوتين بعد فترة الفوضى التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي. لقد كان الاتحاد السوفياتي مُعتلاً دوماً بالنزعة الآيديولوجية ولم يكن قومياً. وبالتالي، ما كانت لوصفة بوتين أن تنجح إلا بعد مغادرة الدول غير الروسية الإمبراطورية البائدة، ما سمح للروس بإعادة تأكيد مركزهم كأمة واحدة.
ومن المتوقع أن يأتي التحول الآيديولوجي الذي يتطلع إليه شي في الجلسة الكاملة القادمة للجنة المركزية للحزب الشيوعي المقرر عقدها في الفترة من 8 إلى 11 نوفمبر (تشرين الثاني). ويجمع هذا الحدث السنوي أكثر من 400 من القادة العسكريين والسياسيين وقادة مؤسسات الدولة الذين يحكمون البلاد. ويأمل شي أن تقر الجلسة أيضاً خطته للبقاء في السلطة لخمس سنوات تالية، أو حتى عشر سنوات أخرى، لإكمال التحول الآيديولوجي من نسخة ماو من الشيوعية (الديكتاتورية الديمقراطية الشعبية كما وصفها) إلى الخطاب الشعبوي القومي.
في إطار جهوده الرامية إلى تطوير خطاب قومي - شعبوي، حل جيل الرئيس شي محل عام 1949 عندما تم تأسيس الجمهورية الشعبية من قبل ماو تسي تونغ عام 1911 عندما وُلدت الجمهورية الأولى في عهد سون ياتسن. ولم يكن من قبيل المصادفة أن تحل الصور العملاقة التي رسمها سون ياتسن في آخر مؤتمر للحزب محل صور ماو.
بيد أن محاولة تحويل سون ياتسن إلى أيقونة شعبوية قومية ليست بالمهمة السهلة. كان الطبيب سون الذي تعلم في الولايات المتحدة، من أتباع المذهب المسيحي (النسخة البروتستانتية) ومن دعاة التغريب، ولو أنها دعوة ذات لون محلي واضح. كانت زوجته سون تشين لينغ ابنة أحد أغنى رجال الصين، الذي تحول إلى المسيحية أيضاً، وشقيقة زوجة شيانغ كاي شيك، الزعيم القومي وكبير منافسي ماو على حكم الصين. عُينت سون تشين لينغ نائبة لرئيس الجمهورية الشعبية، في عهد ماو، عندما لعب الحزب الشيوعي ورقة «الجبهة الموحدة» من خلال التظاهر بأنه يتقاسم السلطة مع عدد من الأحزاب الأصغر. كما حاول ماو أن يحافظ على ما يشبه التنوع العرقي الذي ترمز له النجوم الخمس على علم جمهوريته الجديدة.
إن التحول المتوقع من شي إلى خطاب شعبوي قومي كامل قد يعني التخلص من مثل هذه الزعامات الماوية وتعزيز عنصر الهان العرقي، الذي يمثل نحو 87% من السكان، بوصفه النسخة المثالية من «الرجل الصيني» والأمة المهيمنة. وتستخدم بكين خططاً مختلفة للإقلال من الهويات العرقية الأخرى. ومن بين هذه التحديات تقسيم المجموعات العرقية الأكبر حجماً إلى مجتمعات أصغر حجماً. ولهذا السبب تشير الإحصاءات الرسمية إلى وجود 56 مجموعة عرقية مختلفة بدلاً من المجموعات الخمس الأوسع المقبولة لدى معظم العلماء.
وفي بعض الحالات البارزة، تستخدم بكين تدابير قمعية لتقليص الهويات العرقية وإزالتها في الوقت المناسب. ومن بين الحالات البارزة في الوقت الحالي خطة «إعادة التثقيف»، أو بعبارة أخرى نقل طائفة الأويغور في تركستان الشرقية (شينجيانغ) إلى معسكرات خاصة، أو نقل نسائهم اللائي يحملن الأطفال إلى أجزاء من البلاد تهيمن عليها طائفة الهان. وفي حالة التبت، يأتي التحول العرقي القسري عبر سيطرة الدولة على العقيدة والمؤسسات الدينية، في حين أن الورقة التي يتم اللعب بها في «منشوريا» و«منغوليا» الداخلية عبارة عن زيجات مختلطة وتحولات سكانية تبدو أشبه ما تكون بالتطهير العرقي.
الواقع، أن التحول الآيديولوجي الشعبوي القومي الذي يسعى شي إلى تحقيقه يخلّف نتيجة أخرى حتمية: تصوير الصين كقوة ساحقة. وقد تقدم بوتين الطريق بضم شبه جزيرة القرم، في حين عدّ رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، وهو زعيم شعبوي قومي آخر، مسجد «أجودهيا» تذكاراً حربياً خاصاً. وفي حالة الصين شهدنا بالفعل عدداً من التحركات المماثلة، وأبرزها التخلي عن مخطط «دولة واحدة ونظامان» في هونغ كونغ وماكاو، وتعهد شي في مؤتمر الحزب الأخير باستعادة السيطرة على تايوان.
من المرجح أن تؤسس الجلسة الكاملة للجنة المركزية المقبلة «خريطة طريق» أكثر وضوحاً للوفاء بهذا التعهد. وهذا يتطلب حتماً تأكيداً أكبر على الحشد العسكري لبكين، والذي بدوره يمكن أن يشعل سباق تسلح جديد مع الولايات المتحدة وحلفائها.
قبل جيل واحد، كان يُنظر إلى تحول الصين لنسخة غريبة من الرأسمالية على أنه عامل من عوامل الاستقرار في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. ولكن اليوم، وفي ظل سعي الصين إلى إحداث تحول آيديولوجي تاريخي، فربما تعيد صياغة نفسها بوصفها دولة مثيرة للإزعاج أو القلق، كما يقول الفرنسيون، فيما يتصل بالوضع الراهن.
لقد أظهرت تجربة بوتين أن المتسبب في القلق يتمتع بميزة أولية، لكنه سرعان ما سيجد أن ما حققه من مكاسب في السياسة الداخلية يمكن أن يقابله ثمن باهظ للغاية في العلاقات العدائية مع العالم الخارجي.
فهل تأخذ الجلسة العامة القادمة كل ذلك في الاعتبار؟ علينا أن ننتظر ونرى.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو