سعيد رمضان في تحليل استخباراتي أميركي

سعيد رمضان في تحليل استخباراتي أميركي

الأحد - 18 شهر ربيع الأول 1443 هـ - 24 أكتوبر 2021 مـ رقم العدد [15671]
علي العميم
كاتب وصحافي سعودي

أخلص بعد نقضي لمعلومات عبد العظيم حماد عن مؤتمر «الثقافة الإسلامية في علاقتها بالعالم المعاصر»، الذي سمّاه مرجعه هيرمان آيلتس بـ«مؤتمر برنستون»، وهي المعلومات التي بنى عليها نظريته التآمرية، إلى أنه لم يطلع على الكتاب الذي تُرجمت فيه أبحاث هذا المؤتمر إلى اللغة العربية، رغم أن هناك طبعةً متأخرةً للكتاب صادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 2012، وأنه لا يعرف شيئاً عن سياقه الأميركي الاستشراقي ولا عن سياقه العربي والإسلامي التحديثي.
فهو، اعتماداً على هيرمان آيلتس، ألصق المؤتمر بـ«الإخوان المسلمين»، لمجرد أن الإخواني سعيد رمضان كان من ضمن المدعوين إليه.
ومع أن عبد العظيم حماد، كما قلتُ في مقال «تخاريف يسارية تآمرية»، يستند في صوغ نظريته التآمرية إلى السردية التاريخية عن علاقة الإخوان المسلمين بالاستخبارات الأميركية التي رواها إيان جونسون في كتابه «مسجد في ميونيخ»، فإنه لم يعتمد على شاهده الذي هو أيضاً ألصق المؤتمر بالإخوان المسلمين، رغم أهمية شاهده من أكثر من جانب، ومنها أنه يجيب عن سؤالين، هما: كيف دُعي سعيد رمضان إلى المؤتمر؟ ولماذا دُعي؟
يقول إيان جونسون: «وفي يوليو (تموز) حين تم اختيار معظم المشاركين في المؤتمر، خوطبت السفارة الأميركية في القاهرة حول ما إذا كان سعيد رمضان بمقدوره حضور ذلك المؤتمر، إذ كان رمضان راغباً في زيارة بعض التجمعات الإسلامية في الولايات المتحدة الأميركية. هذا وقد بعثت السفارة بالطلب إلى واشنطن مرفقاً به نسخة من سيرته الذاتية ومسيرته الوظيفية، بعد تهذيبها... ولتوصي السفارة بحضور رمضان».
وبالاستناد إلى عرض إيان جونسون أجزاء من تحليل وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية أجرته بعد انقضاء المؤتمر، سنعرف ما الجهة التي خاطبت السفارة الأميركية في القاهرة من أجل توجيه دعوة إلى سعيد رمضان، ليتمكن من حضور المؤتمر.
يقول إيان جونسون في التحليل إن «رمضان قد دعي تحت إلحاح من السفارة المصرية في الولايات المتحدة».
ومن هذين الاقتباسين نصل إلى المعلومات التالية:
الأولى، في الأصل لم يكن سعيد رمضان ممن اختارهم المشرفون على المؤتمر ليقدم بحثاً فيه أو ليكون من بين حضوره، لأنه ليست له بحوث تؤهله لأن يُدعى إليه.
الثانية، أنَّ السفارة المصرية في واشنطن هي التي «ألحَّت» على المشرفين على المؤتمر لتقديم دعوة له، واستعانت في إلحاحها هذا (ولنتذكَّر هنا شرح عادل إمام لتصريف فعل «ألحَّت» في مسرحية «شاهد ما شافش حاجة»: ألحّت تلحّ إلحاحاً) بالسفارة الأميركية في القاهرة. ولنلحظ أنها، وهي «تلِّح إلحاحاً» على دعوة سعيد رمضان إلى المؤتمر، لم تدَّعِ أنه مؤهل علمياً أو ثقافياً، وإنما استخدمت ذريعة لا علاقة لها بالمؤتمر، وهي أنه يرغب في زيارة بعض التجمعات الإسلامية في الولايات المتحدة الأميركية!
ولنبتعد عن التجريد في الحديث عن السفارة المصرية في أميركا وقتذاك، فسأحدد لعبد العظيم حماد اسم السفير المصري الذي كان «يلِّح إلحاحاً» على دعوة سعيد رمضان إلى المؤتمر.
السفير في ذلك الوقت كان أحمد حسين. وأحمد حسين هو أول سفير عينه جمال عبد الناصر ليكون ممثلاً لحكومة الثورة هناك. وأحمد حسين وحرمه عزيزة شكري (كما مر بنا في المقال السابق) كانا مشاركين ببحثين في المؤتمر.
هل عرفتم الآن لماذا لم يعتمد عبد العظيم حماد على شاهد إيان جونسون في إلصاق المؤتمر بـ«الإخوان المسلمين»؟!
إنه لم يعتمد عليه، كما وضح لكم، لأن إيان جونسون ذكر من بين ما ذكر، أن سعيد رمضان دُعي تحت إلحاح السفارة المصرية في أميركا.
ولأهمية هذا الشاهد، سأستكمل الاستشهاد بما قاله إيان جونسون فيه.
يقول إيان جونسون في عرضه لبعض أجزاء من تحليل وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية: «ظهر رمضان كمشاغب ومحرض سياسي... ذلك الرجل الذي مثّل العنصر الأكثر صعوبة في التعامل خلال وقائع المؤتمر، نظراً لاهتمامه بالضغوط السياسية لا المشكلات الثقافية». كذا فوفقاً للتحليل، نأى رمضان بنفسه عن الخوض في ثرثرات جانبية، وابتعد عن الزج بنفسه في سفاسف الأمور. فخلال تجمع بإحدى أمسيات المؤتمر، سُئل رمضان ما إذا كان يتوجب عدم تشجيع الشبيبة المصرية على الانخراط في العمل الاجتماعي، فكان رده أن الأمر الوحيد الذي يلقى اهتماماً كبيراً لدى تلك الشبيبة ينحصر في طرد المحتل البريطاني عن البلاد.
واستأنف محرر التحليل (الذي جاء في صورة تقرير) بتقييمه الشخصي لسعيد رمضان، حيث قال: «لقد شعرت أن رمضان يتسم برجعية سياسية، حيث بدأ أقرب ما يكون لأن يُنعت بكونه كتائبياً أو فصائلياً... أو لعله فاشستي التوجه». ولم يكن رمضان يبدو إسلامياً رجعياً بمثل ما تعلق الأمر بالشيوخ الثلاثة الذي كانوا حضوراً بالمؤتمر. أجل، إن رمضان قد بدأ فاشستياً يهتم بحشد الجماهير والأفراد بغية استجلاب القوة والنفوذ. كذا فلم يكن رمضان يبرز أي أفكار (أيّاً ما كانت) عدا تلك الخاصة بجماعة الإخوان المسلمين».
الكلام أعلاه، وهو منقول من ترجمة أحمد جمال أبو الليل للكتاب، لا يخلو من غوامض؛ فما المقصود بـ«الثرثرات الجانبية» و«سفاسف الأمور» في السياق الذي وردتا فيه، وما المقصود بـ«الرجعية السياسية»؟!
وما المقصود بجملة «لم يكن رمضان يبدو إسلامياً رجعياً بمثل ما تعلق الأمر بالشيوخ الثلاثة»؟!
سأجتهد في كشف هذه الغوامض، وسأجتهد في شرح تعبيرات أخرى هي أقل منها غموضاً يتبدّى لي أنها ليست واضحة كما يجب للقارئ.
«الثرثرات الجانبية» و«سفاسف الأمور» إذا ما ربطناها بالجملة التي تلتهما مباشرة، وهو السؤال الذي وُجّه إليه وإجابته عنه، وربطناهما بالسياق الذي وردتا فيه، يعني بهما كاتب التحليل الاستخباراتي أن التفكير النظري في المشكلات الثقافية (والثقافة في هذا السياق وفي عنوان المؤتمر مستعملة بمعناها العريض الواسع) هي من منظور سعيد رمضان انشغال بما لا يفيد على صعيد العمل السياسي الحركي.
لأنه من الناحية النظرية، بحكم التربية العقلية التي تلقاها في مدرسة الإخوان المسلمين، لا يرى أن هناك «مشكلات» و«إشكالات» و«معضلات» ثقافية أو فكرية، بل يرى أن ما هو مطروح عند المثقفين (واستخدم هذا التعبير هنا بحمولته العلمانية الجذرية والمخففة) حول الثقافة الإسلامية ما هو إلا «انحرافات» ثقافية أو فكرية عن الطريق القويم. ومرشده النظري في هذا الفهم هو الشعار الذي سكّه إمامه حسن البنا لـ«الإخوان المسلمين» بكلمات خمس، هي: «الله غايتنا، والرسول قدوتنا، والقرآن دستورنا، والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا».
فكاتب التحليل كان في خاتمة تحليله يشير إلى هذا الشعار وسواه من شعارات تبسيطية أخرى سكّها حسن البنا في «رسالة التعاليم». وهي التي سماها الأفكار الخاصة بجماعة «الإخوان المسلمين». وأفكارهم الإسلامية السياسية والآيديولوجية الخاصة بهم كانت مشهورة عند «الأجانب» المعنيين بهم حتى على مستوى صحافي، لكثرة ما يرددونها ترديداً آلياً في محفل ليس من محافلهم، وأمام أسئلة وقضايا تُطرَح عليهم لم يسبق لهم أن سمعوا ولا فكروا بها. وهكذا كان مؤتمر «الثقافة الإسلامية في علاقتها بالعالم المعاصر».
وهذا ما نلمسه في قوله عن سعيد رمضان إنه «لم يكن يبرز أي أفكار»، وذلك لأنه ليس بمثقف متأمل حر، وإنما هو ليس أكثر من داعية سياسي ديني يتلو بخطابة بليغة مردّدات الإخوان المسلمين الدينية ومحفوظاتهم السياسية والآيديولوجية.
يقصد كاتب التحليل الاستخباراتي بـ«الرجعية السياسية» التي وسم سعيد رمضان بها، إذا ما ربطناها بوصفين وصفه بهما قبل إيراده هذا التعبير، وهما: «مشاغب ومحرّض سياسي»، ومهتم بـ«الضغوط السياسية»، وربطناهما بإجابة سعيد رمضان عن السؤال الذي وُجه له، وهي أن الأمر الوحيد الذي يلقى اهتماماً كبيراً لدى الشبيبة المصرية ينحصر في طرد «المحتل البريطاني» عن البلاد، وربطناهما أيضاً مع نعته له بـ«الكتائبي» أو «الفصائلي»، و«فاشستي» التوجه، يقصد بها أنه لا يرى طريقاً للتغيير السياسي من وضعية الاحتلال إلى وضعية التحرر منه سوى العمل السري المسلح، الذي يقوم على تفجيرات إرهابية في مواقع ثكنات المحتل، وفي عقر مصالحه، وعلى اغتيالات لسياسييه وعسكرييه، وعلى شن حرب عصابات على جيشه النظامي، وذلك بواسطة كتائب أو فصائل مسلحة. علماً بأن الفصيل المسلح بوصفه وحدة عسكرية هو أصغر حجماً من الكتيبة المسلحة.
وزيادة في الشرح أنه لا يرى سوى طريق الكفاح المسلح، وأنه يزدري طريق المفاوضات السياسية لنيل الاستقلال السياسي التام. ولأنه يرى هذا الرأي، فلقد نعته بأنه فاشي الفكر!
ونستنتج مما كتبه كاتب التحليل الاستخباراتي (هذا إن كان سعيد رمضان صادقاً فيما سمعه كاتب التحليل منه) أن سعيد رمضان كان يطلب من الاستخبارات الأميركية مد يد العون للشروع في ذلك العمل، استناداً إلى أن الحكومة الأميركية لجمت الحكومة البريطانية من أن يقوم جيشها المرابط في قناة السويس بإجهاض عسكري لـ«الحركة المباركة» (حسب التسمية الأولى لثورة 23 يوليو)، التي قادت الضباط الأحرار لتسلم مقاليد الحكم في مصر.
ومما يكشف الحمق في الطلب السالف، هو اعتبار كاتب التحليل الاستخباراتي الاحتلال البريطاني لمصر مجرد «ضغوطات سياسية»!
وهذه المراوغة المبالَغ بها في تلطيف عملية الاحتلال، ترجع إلى أن بريطانيا هي الحليف الأول (ولعلها الأوحد) للولايات المتحدة الأميركية على أكثر من صعيد ومن مستوى، منذ عام 1940.
لكن هناك مشكلة عويصة في قبول ما قاله التقرير الذي استند إليه شرحي لغوامضه، نظراً إلى أنه يناقض حقيقة في تاريخ الإخوان المسلمين في العهد الملكي وفي عشية ثورة 23 يوليو، وهي أنهم كانوا مهادنين للإنجليز ومتعاونين معهم. وهذه حقيقة تعززها وثائق مصرية ووثائق بريطانية.
لن أرجع إلى بداية إبداء «الإخوان المسلمين» للسفارة البريطانية استعدادهم التعاون معها في العهد الملكي، وبسرد تاريخ هذه العلاقة وأسبابها، واستعراض موقفهم السلبي والمُخَذّل من الكفاح المسلح، وسأقفز إلى عام 1953، وأختار مشهداً من مشاهد الاجتماعات بين السفارة البريطانية و«الإخوان المسلمين» يخص سعيد رمضان بغية الاختصار.
في الشهر الذي ألحَّت السفارة المصرية في واشنطن على السفارة الأميركية في القاهرة على دعوة سعيد رمضان لحضور مؤتمر «الثقافة الإسلامية في علاقتها بالعالم المعاصر، اجتمع سعيد رمضان وعبد الحافظ الصيفي بوصفهما ممثلين لـ«الإخوان المسلمين» بالمستشار الشرقي للسفارة البريطانية والملحق العسكري تريفور إيفانز.
يقول رؤف عباس في بحث له عنوانه «الإخوان المسلمون والإنجليز»: «عرض سعيد رمضان في هذا الاجتماع نقطتين: أحداهما تتعلق بما تتعرض له السيادة المصرية من مساس عندما تكون مصر هدفاً للهجوم بسبب وجود القاعدة على أراضيها، والثانية تتعلق بإقامة علاقة استراتيجية مع بريطانيا، حيث أعلن سعيد رمضان للجانب البريطاني أن (الإخوان) يفضلون التفاهم مع الإنجليز، ولا يريدون التفاهم مع الروس أو الأميركان، وانتقد الصيفي أعضاء مجلس قيادة الثورة لتعاونهم مع الأميركان».
السؤال الذي وُجّه إلى رمضان بالصيغة التي ورد فيها، سؤال استنكرت أن يصدر في بلد كأميركا لا تحظر على الشباب حرية العمل الاجتماعي، ثم إن السؤال وإجابته لا يصلحان للتمثيل على نأيه بنفسه عن الخوض في ثرثرات جانبية، والابتعاد عن الزج بنفسه في سفاسف الأمور.
الشيوخ الثلاثة الذين قارن كاتب التحليل الاستراتيجي سعيد رمضان بهم، هم السوري مصطفى الزرقا، والأردني عبد الله غوشة، والعراقي منير القاضي، وهؤلاء في أبحاثهم التي قدموها في المؤتمر لم يكونوا رجعيين إسلاميين، ولا سعيد رمضان هو تقدمي مقارنة بهم. فهل يقصد كاتب التحليل بالرجعية الإسلامية تحاشيهم ملاطفة النساء واحتساء المشروبات الروحية، وهما أمران لا يجد سعيد رمضان (كما هو مشهور عنه) بأساً في فعلهما؟!
كنتُ قبل أن أكتب هذه السطور أبحث عن كتاب إيان جونسون، «مسجد في ميونيخ»، بنسخته الإنجليزية، واستعنتُ في سبيل ذلك بأصدقاء، لأنني لم أكن مطمئناً إلى صحة الترجمة، لكننا فشلنا في إنزاله من الإنترنت. لأن إنزاله يحتاج إلى توفر عضوية في الموقع الذي هو موجود فيه. فقلت في نفسي: ربما ليس العيب في مترجم الكتاب أحمد جمال أبو الليل، وإنما في نص كاتب التحليل الاستخباراتي؛ فهو الذي كتبه بطريقة غامضة ومخلخة، فتصديت لشرح نصه.
وبعد أن كتبت المقال تمكن أحد ممن استعنت بهم من إنزال الكتاب، وترجم لي نص تحليل الاستخبارات الأميركية. وهذه هي ترجمته:
«تبين أن رمضان لم يكن ليصبح حليفاً مرناً. ففي تحليل تقييمي لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية بعد المؤتمر، كان الانطباع عنه أنه كان محرضاً سياسياً، وقد تمت دعوته بناء على إلحاح من السفارة المصرية.
كان أكثر الحاضرين تعنتاً، حيث كان اهتمامه منصبّاً على الضغط السياسي لا على المشكلات الثقافية. وبناء على التقرير، فقد رفض الخوض في أحاديث المجاملات.
في إحدى الحفلات المسائية، سُئِل عما إذا كان ينبغي تشجيع الشبيبة المصرية على الانخراط في النشاط المجتمعي، فكان جوابه: إن الشيء الوحيد الذي يهم الشبيبة المصرية هو إجلاء البريطانيين». استمر كاتب التقرير في تقديم تقييم شخصي عن رمضان، قائلاً: «شعرت أن رمضان كان رجعي السياسية، من الصنف الكتائبي أو الفاشي، أكثر من كونه رجعياً دينياً، كما هو حال المشايخ الثلاثة الذين حضروا المؤتمر».
وأضاف قائلاً: «يبدو أن رمضان فاشي هدفه حشد الأفراد في مجموعات من أجل السلطة، ولم يبد آراء كثيرة عدا تلك التي لدى (الإخوان المسلمين)».
وبعد أن قرأتُ هذه الترجمة غضبتُ من أحمد جمال أبو الليل، ولا أزال غاضباً منه، لأنه بترجمته غير الدقيقة، دفعني إلى شطح في التأويل وإسراف في الشرح.
وهذا الشطح في التأويل لا ينفي صحة المعلومات والآراء الواردة فيه عن سعيد رمضان عن «الإخوان المسلمين». وللحديث بقية.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو