المشي على المسامير!

المشي على المسامير!

السبت - 11 صفر 1443 هـ - 18 سبتمبر 2021 مـ رقم العدد [15635]
محمد الرميحي
مؤلّف وباحث وأستاذ في علم الاجتماع بجامعة الكويت.

ربما أقرب عنوان لكتاب الأستاذ جهاد الزين الأخير والمعنون «حرائق في ثقافتنا السياسية» الصادر مؤخراً من «الدار العربية للعلوم» هو «المشي على المسامير»، جاءت في النص واخترت أن أبدأ بها.
الزين كاتب صحافي لبناني مميز، كتبت هنا عن كتابه السابق «المهنة الآثمة». الكتاب الجديد ربما هو شمعة أخرى أكثر إضاءة يضيفها الكاتب لتشريح أوجاعنا العربية. الميزة أن الكتاب خصص لنشر عدد من مراجعات الكتب التي نشرها الزميل في الصحف (59) مراجعة، سواء من الإنجليزية أو الفرنسية، وبعض التعليقات التي لها علاقة بصلب الكتاب، وهي بحد ذاتها إضافة موضوعية للإطلالة على كيفية تفكير الآخرين في الموضوعات التي في الغالب تخصنا. لكن اللافت في المقدمة الثرية والواسعة التي وضع لها عنواناً فرعياً «تحقيق جنائي في الثقافة السياسية»، واشتملت على (37) صفحة. ربما لو كانت منفردة لأضفناها إلى الرسائل القصيرة التي انتشرت في بداية القرن الماضي من مثقفين عرب كبار. المقدمة هي تشريح للثقافة السياسية العربية المعاصرة والوقوف على أهم تجلياتها، ملخصة في النقاط التالية.
أولاً: كيف نفسر الظاهرة السياسية في ثقافتنا العربية المعاصرة، يقدم مصطلحاً جديداً سماه «التاريخ غير الخلدوني»، بمعنى أن ابن خلدون حاول أن يفسر تاريخ تطور وتغير المجتمعات من خلال الصراع بين «أهل الوبر» و«أهل المدر» قد يكون ذلك في مراحل طويلة من التاريخ العربي في تبادل السلطة وصعود الدول وأفولها. يرى الكاتب، أن التاريخ «غير الخلدوني» بدأ في منطقتنا منذ قدوم الاستعمار الغربي، أي من القرن التاسع عشر ووصل إلى قمته بعد الحرب العالمية الأولى واستمر في التأثير إلى يومنا هذا، بمعنى أن تغير الدول ورسم الخرائط جاء بفرض من الخارج وليس من الداخل، وبُذرت فتنة القلق في المنطقة بسبب ذلك التدخل، ورُسمت حدود وقطعت في بعضها أوصال اللحمة الاجتماعية الواحدة. بكلماته أن «الشرق الأوسط الحديث قد قام على اجتياح التفوق الحضاري على التخلف الحضاري» وترك في إثره دولاً متعددة ومضطربة.
ثانياً: الأمر الثاني الذي يلاحظه الكاتب في الظواهر السياسية العربية المعاصر، ما سماه «العزلة»، ويدلل عليها بأدلة، فيقول «صدام حسين بعد غزو الكويت (اضطر إلى الاعتماد على شخص واحد من خدمه الشخصيين لتوصيل رسائل الاتصال بينه وبين مساعديه) حتى أصبح الخادم الشخصي (أقوى شخصية في الدولة بعد صدام)»، وينقل له أحد المقربين الشخصيين لصدام (وذكر اسمه) لم يكن صدام حسين قادراً على ارتداء ساعة يد، حيث اعتقد أنه يمكن أن تلتقطها الأقمار الصناعية وتشير إلى مكانه. وينتقل إلى التجربة المصرية في موضوع «العزلة» فقد كان حسني مبارك يعيش حياة طبيعية، فلم يكن فهم «عزلته» في قصوره، ولكن لم يتوفر لديه الحس السليم، وما يتداوله الشارع المصري بقلق ويعترض عليه، وهو «التوريث»؛ لقد كانت عاطفة الأبوة أقوى من أن يقف أمامها أحد من خاصته، فالتحقوا بجوقة المبررين والذين لا يرون أي حيف في «التوريث»، خاصة بعد أن نجح حافظ الأسد في توريث «الجملوكية» السورية! «نتيجة إيمان قديم عند الطائفة بتناسخ الأرواح»!
مصر مختلفة وبنية الجيش المصري لا ترى الحكمة في التوريث، لأنها هي القائمة على تدبير شؤون البلاد منذ عام 1952، ولم يكن لا عبد الناصر أو السادات قد فكّرا في موضوع التوريث خارج الجيش المصري. بجانب أن تصرف الابن السياسي لم يكن حصيفاً، فقد كان على سبيل المثال في مدرجات لعبة كرة القدم التي جرت بين الجزائر ومصر، وحدث شغب بدا أنه يرغب في الاستفادة منه شعبياً. مبارك ومن حوله لم ينفوا بشكل واضح وقطعي موضوع التوريث؛ مما زاد الشكوك أنه امتنع لثلاثة عقود عن تسمية نائب له. ذلك ما يرى الكاتب أنه نوع من العزلة وهي نقص في الحس السياسي، مع أمثلة أخرى.
ثالثاً: الموضوع الثالث التي تناوله الكتاب في مقدمته بعمق يمكن تلخيصه في شعوره القوى فيما سماه «تفوق المحرم على السياسي» ويقدم لنا نصاً قوياً أنقله للقارئ، يقول «لست نادماً على القول إن السلطة التحريمية لأي رجل دين مسلم صغير أو قليل الأهمية في أي زاوية من زوايا الأرياف من أقاصي باكستان وإندونيسيا إلى أقاصي المغرب والعراق، تفوق سلطته كل ما حصل عليه جمال عبد الناصر وصدام حسين وحافظ الأسد ومعمر القذافي وسوهارتو... ومعهم صلاح الدين... من سلطات سياسية مجتمعين»، لا شك أن هذا النص قوي جداً، لكنه يفسر ذلك «أن الأحزاب الأصولية الإسلامية تملك سلطة ثقافية (زاجرة) في المجتمع ينصاع لها بسهولة متخذ القرار».
رابعاً: استطراداً من النقطة السابقة يعرج المؤلف على ظاهرة «اغتيال أو محاولة اغتيال المثقفين» الذين لا يملكون إلا أقلامهم، من فرج فودة، إلى نجيب محفوظ، إلى حسين مروة، وناجي العلي ولقمان سليم، وسلسلة أخرى من المبدعين، يبرر ذلك أن «المنتمين إلى السلام الحركي» معادون للحداثة والفن، حيث «لم تنتج الحركة اسماً واحداً كبيراً في الأدب والمسرح الفنون منذ قرن إلى اليوم»، فهناك ضحالة ثقافية تحمل سماجة وتكراراً وطقوساً وهرطقات.
خامساً: يرى الكاتب أن الظاهرة التي تستحق أن تدرس هي تفوق أو غلبة منظمات ما دون الدولة على الدولة، وظاهرة الخروج على القانون، ويقدم نقداً لبلده لبنان كمثال صارخ على ذلك، ولكنه ليس الوحيد، فهذا موجود في العراق وسوريا واليمن وليبيا، وأي نقد يقدم هنا ينبري له كثيرون «لتبرئة الذات»، وتحميل المشكلة على الآخر الأجنبي أو الشريحة الأخرى من المجتمع.
يدعو الكاتب إلى «مراجعة شجاعة» في ظاهرة ما سُمي «الربع العربي» والتي أنتجت موجة جديدة إلى الوراء، وشهدت «موت الإصلاح»، على حد تعبيره. أنتهي بالقول، إن الكتاب راهن جزئياً على التجربة التونسية، والذي حدث أن حركة 25 يوليو (تموز) لم يتسنَ له الكتابة عنها، ولا لحقها بنقده للتجربة التركية، حيث التشابه كبير!
آخر الكلام:
ما تقدم هو ملخص قد لا يفي من دون قراءة الكتاب، والذي أهداه بشيء من السخرية... «إلى جهلي الذي لا علاج له»!


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو