لنفترض أن الرئيس بايدن قد حضر إلى الكونغرس لإعلان أن إنهاء الحرب في أفغانستان ليس سوى البداية.
في السنوات الأخيرة، استخدمت الولايات المتحدة القوة على الأرض أو نفذت ضربات جوية في تسع دول على الأقل؛ ليس فقط في أفغانستان، وإنما في العراق، وكينيا، وليبيا، ومالي، وباكستان، والصومال، وسوريا، واليمن. وهذه الحروب تستمر جزئياً لأن شخصاً واحداً يواصل شنها. لقد تنازل الكونغرس عن واجبه الدستوري في تحديد ما إذا كان من الواجب على الولايات المتحدة أن تحارب وأين ينبغي أن تحارب.
لقد ورث بايدن هذا الوضع، ولكنه لا يحتاج إلى إطالة أمد الحروب الجارية أو المراوغات القانونية التي تسوّغها. وكان بوسعه إبلاغ الكونغرس بهذا: أمامكم ستة أشهر لإصدار إعلان رسمي بالحروب التي تريدون استمرارها، وإلا فإن القوات (والطائرات والمسيّرات) سوف تعود للوطن.
ولو وجه الرئيس بايدن هذا الإنذار، فإنه بذلك سيدخل حقبة جديدة من السياسة الخارجية الأميركية. لا شك أن الرئيس سوف يهاجم للتهرب من مسؤوليته. إلا أن مسؤولية إعلان الحرب بشكل صحيح تقع على عاتق الكونغرس، وفي حال استمر الكونغرس في تمرير ذلك القرار، فإن الرئيس بايدن أو خليفته أو الجمهور الذي صوّت لصالحه يجب أن يصر على ضرورة قيامه بتنفيذ التزاماته، وإلا فإن فرداً واحداً سوف يستمر في توجيه أضخم جيش شهده العالم على الإطلاق، في حين أن 333 مليون أميركي يحاربون، ويدفعون الضرائب، ويشاهدون في الأغلب حروبنا وهي تتكشف عن حقائقها.
وإن بدت هذه الفكرة ثورية، فإن الثورة الحقيقية جاءت بتوقف الكونغرس عن إعلان الحرب بالكامل. بالنسبة لواضعي الدستور، جاءت الفقرة التي تمنح الكونغرس سلطة «إعلان الحرب» ضمن المبتكرات الرئيسية للدستور. ولقد اعتبرها الرئيس الأسبق جيمس ماديسون الجزء الأكثر حكمة من الوثيقة، لأنه تصور أن السلطة التنفيذية كانت «الفرع الأكثر اهتماماً بالحرب، والأكثر ميلاً إليها».
سعى الأميركيون البارزون ذات يوم إلى رفع سقف الدستور لمستوى أعلى. ففي أعقاب الحرب العالمية الأولى، كان نائب إنديانا، لويس لودلو، راغباً في وضع صلاحيات الحرب في أيدي الشعب، فقد اقترح تعديلاً دستورياً جذرياً يتطلب من البلاد بأسرها التصويت على إعلان الحرب أو عدم إعلانها. ولسنوات، أيد أكثر من 70 في المائة من الجمهور هذا الإجراء، لكن مجلس النواب رفضه بفارق ضئيل في عام 1938.
وفي أعقاب الهجوم على بيرل هاربر، أعلن الكونغرس الحرب. ولم يفعل ذلك مرة أخرى. وعلى مدى العقود الثمانية التالية، سار البلد في مسار مختلف تماماً عن المسار الذي تصوره النائب لودلو.
ففي إطار محاولاتهم لضبط الأمن في العالم، نجح الرؤساء في التحايل على القيود التي فرضها الكونغرس لاعتراض سبيلهم وكبح جماحهم. ونتيجة لهذا، عندما يلقي الخبراء باللائمة على الفوضى في أفغانستان، فإنهم يناقشون أي الرؤساء هم الأكثر مسؤولية؛ هل هم أولئك الذين بدأوا الحرب ومددوها، أم أولئك الذين سعوا إلى إنهائها. إن مثل هذه الإشارة بأصابع الاتهام تعزز أحد الأسباب، ليس فقط لهذه الكارثة الخاصة، بل وأيضاً للصراعات الكثيرة التي تعصف بالبلاد منذ الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، ألا وهو إذعان الكونغرس عمداً إلى الرئاسة الإمبريالية.
وفي عام 2001 أصدر الكونغرس تفويضاً باستخدام القوة العسكرية، وهو إعلان مصطنع يسمح للرئيس باستخدام القوة ضد أي كيان (يحدده الرئيس) لارتباطه بهؤلاء المتورطين في هجمات الحادي عشر من سبتمبر. صوتت نائبة كاليفورنيا باربرا لي منفردة ضد القرار. وتوقعت أن تدفع هذه الحرب الولايات المتحدة إلى «حرب مفتوحة بلا استراتيجية خروج ولا هدف مركز».. وقد أثبتت صحة توقعاتها.
يتعين على الكونغرس اعتماد معايير جديدة، بناء على المعايير القديمة. وعندما أعلن الكونغرس الحرب رسمياً، كما فعل 11 مرة في التاريخ، سمى البلدان التي كان يباشر الأعمال العدائية ضدها. وكانت هذه الممارسة قيمة لأنها تركت الولايات المتحدة في سلام مع بقية العالم، وسوف يكون لزاماً على الكونغرس أن يصدر إعلاناً آخر لتوسيع نطاق هذه الحروب بحيث تشمل خصوماً جدداً. ولا يتضمن التفويض الصادر في عام 2001 مثل هذا التحديد. فقد دعا الرؤساء عملياً إلى القيام بما قاموا به: تبرير الحروب ضد مجموعة مذهلة من الجماعات - قد لا نعرف بعضها نظراً لأن القائمة الكاملة تبقى سرية. (في عام 2002، أقر الكونغرس الأميركي تفويضاً ثانياً باستخدام القوة ضد العراق، وهو الأمر الذي استندت إليه إدارة ترمب العام الماضي لتبرير اغتيال جنرال في دولة مختلفة تماماً، هو قاسم سليماني الإيراني).
وإذا كان للكونغرس أن يكون فعالاً في إعلان الحرب، فينبغي له أن يحدد ليس فقط العدو بل الهدف العسكري والنطاق الجغرافي للصراع. وبعد فترة زمنية محددة، يتعين على الكونغرس إعلان الحرب مرة أخرى أو ترك الحرب تنتهى.
وفي هذا الصيف تقدم ثلاثة من أعضاء مجلس الشيوخ باقتراح مماثل، قدمه السيناتور الديمقراطي كريس ميرفي والسيناتور الجمهوري مايك لي والسيناتور المستقل بيرني ساندرز، يحمل عنوان «قانون صلاحيات الأمن الوطني»، ومن شأنه أن يحدد بدقة التدخلات الجديدة، وتفويضات الانقضاء بعد عامين، والإزالة التلقائية لتمويل الحملات غير القانونية. وإذا ذهبنا لما هو أبعد من مجرد إلغاء التفويض الذي تم تمريره بعد هجمات 11 سبتمبر، فإن إطار العمل الجديد سوف يغير الطريقة التي نذهب بها للحرب، ونأمل أن يمنع الصراعات غير الضرورية بالكلية.
والإجراءات القانونية ليست بديلاً عن القرارات الذكية والبعثات الفعالة. ولكن مطالبة الكونغرس باختيار الحروب التي نخوضها من شأنها أن تزيد من احتمالات التوصل إلى نتائج إيجابية. إن الرئاسة في حالتنا هذه تحدد الحرب، والحرب تحدد هيئة الرئاسة. فقد أرسل ليندون جونسون 548 ألف جندي إلى فيتنام رغم تشككه في احتمالات فوزهم، وذلك لاعتقاده بأنه سوف يلام شخصياً إذا وقف إلى جانب الشيوعيين حال توليهم السلطة. وكل عضو من الأعضاء الــ535 في الكونغرس لديه القليل من المكاسب بالمجد العسكري، والأقل ليخسره إذا ظهرت حوادث غير مواتية ولكن لا يمكن وقفها في الخارج. والكونغرس وحده يمكنه فرض حدود زمنية على الصراعات من خلال قراراته، وإرغام البلاد على إعادة تقييم حروبها قبل أن تصبح بلا نهاية.
إن الكونغرس الخامل منذ فترة طويلة لن يستقيم ظهره من تلقاء نفسه. ومن الواضح أن أعضاءه يفضلون التهرب من واجباتهم ما دام الرؤساء والناخبون لا يعترضون إلا بالكاد. لذلك فإن بقية النظام السياسي هو الذي يجب أن تعمل لجعل الكونغرس يضطلع بعمله - من خلال رفض شن الحروب التي لن يعلنها الكونغرس، أو من خلال معاقبة النواب الذين لن يفرضوا الأصوات الأساسية.
بعد مرور عقدين من الزمان منذ الحادي عشر من سبتمبر، سوف يفضل العديد من الأميركيين وضع حد لدور الشرطة العالمية. ولا ينبغي لهم الاعتماد على ضبط النفس الذي يتمتع به قائدهم الأعلى، سواء كان دونالد ترمب أو جوزيف بايدن أو من سيأتي بعده. فالكونغرس يستطيع، بل ويتعين عليه، أن يقرر ما إذا كنا سنخوض الحرب من عدمه. وإذا حدث هذا فربما يؤدي إلى بعض السلام.
9:8 دقيقه
TT
أميركا... الحسم في الحرب بين الرئيس والكونغرس
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
