TT

المخضرم المنسي!

تطلق كلمة «مُخَضْرَم» على من أدرك عهدين، أو كان واسع الخبرة والثقافة، بحسب معجم المعاني. وهناك جيش هائل من المخضرمين المنسيين الذين يعيشون بيننا لم تعد مؤسساتهم تلتفت إليهم وكأنهم منتج انتهت صلاحيته!! ولا يدرك أهمية هؤلاء إلا أولئك الذين استفادوا من خبراتهم في تدعيم اتخاذ القرار وفي تخريج أجيال ينهلون من علم المخضرمين «المتميزين». وليس كل مخضرم متميزا؛ فهناك مخضرمون عاصروا جيلين، لكنهم مثل «شاهد ما شفشي حاجة» أو كأنهم أحد أفراد الجمهور. وهناك مخضرمون كانوا طوال مسيرتهم الوظيفية عناصر فاعلة على خشبة مسرح الحياة وفي مجالاتهم.. هؤلاء هم الذين نقصدهم.
وفي العالم الغربي يتحول المخضرم المميز إلى مرشد أو خبير (mentor) ، وهو شخص ضليع في مجال معين تقصده الأجيال لينورهم بخبرته ومعرفته. وهي ثقافة لا نكاد نراها منتشرة في بيئاتنا العربية بما يكفي. كما أن هؤلاء المخضرمين عادة ما تعد لهم أندية تحتضنهم.
والحق يقال، إن هناك تجارب عربية متنوعة للاستفادة من المخضرمين العرب؛ ففي عدد من الدول العربية تجد أن سن التقاعد في بعض المهن الطبية والتعليمية العليا تكون أعلى من غيرها، وقد تصل إلى سبعين عاما، وذلك في مسعى للاستفادة من خبراتهم المتراكمة للأجيال الصاعدة. مثل المنتخب الوطني الذي لا يتمتع بصف ثان مؤهل، فتصبح لديه فجوة كبيرة لا يردمها إلا الاستعانة بمدرب مخضرم. وهذا هو العرف العالمي، فمعظم المدربين كانوا في الأصل لاعبين عاصروا جيلين، ولما برزت قدراتهم منحوا فرصة قيادة دفة السفينة.
وعندنا في الكويت هناك تقليد دستوري رفيع يحرص أمير البلاد على ممارسته قبل اختيار رئيس الوزراء، وذلك بمشاورات يجريها مع رؤساء مجلس الأمة السابقين ومعظمهم من المخضرمين في السياسة، ليختار بعدها رئيس الحكومة الجديدة.
صحيح أن للمخضرمين الأكفاء دورا في تنوير المجتمع ويمكن أن يلجأ إليهم في حالات الحاجة لسد نقص وظائف معينة مثل القضاء أو التعليم أو الطب أو الشرطة أو الجيش.. وغيرها، لكن علاقتنا بهم يجب ألا تقتصر على عصرهم من دون مقابل.. فهؤلاء يتوقع من الدولة وحتى المؤسسات الخاصة أن تمنحهم امتيازات اجتماعية تسير أمورهم الحياتية وتمنحهم أولوية في المعاملات وتشعرهم أن ذلك «عربون مودة وشكر» من مؤسسات المجتمع نظير جهودهم المعطاءة.
إن المخضرمين في المجتمع هم من عاصروا جيلين، وهم ثمراته اليانعة، ويصعب أن تقوم الأجيال المقبلة بدورها على أكمل وجه من دون أن تقطف شيئا من ثمار هؤلاء المخلصين الذين رفعوا اسم بلادهم ومؤسساتهم عاليا.