غريغ بنسنجر
TT

وهم خصوصية «أبل» أضحى صعب التصديق

حتى مستخدمو هواتف «آيفون» الذين ليس لديهم ما يخفونه يمكن أن يفزعوا لسماع أن شركة «أبل» ستقوم بمسح صورهم ومعرفة ما إذا كانت تتطابق مع قواعد الصور غير القانونية المعروفة.
وصف خبراء الخصوصية الفكرة بأنها باب خلفي محتمل للحكومات لطلب إجراء مسح ضوئي لصور أو ملفات أخرى، ويقال إن بعض موظفي شركة «أبل» يرفضون الفكرة.
إنه لمؤشر واضح على أن الأمور تسير في الاتجاه الخاطئ عندما يجري انتقاد مبادرة شركتك المناهضة لاستغلال الأطفال في المواد الإباحية. أحد الأسباب الرئيسية لفشل دفاع شركة «أبل» هو أن برنامج مسح الصور يؤكد مخاوف الكثير من المستخدمين بالفعل: فالبيانات الشخصية، حتى الأكثر حساسية، هي فعلياً خارج سيطرة المستخدمين، ويمكن الوصول إليها بمجرد نقرة مفتاح.
تقول شركة «أبل» مراراً وتكراراً إن الخصوصية هي السمة الأساسية لأجهزة «أيفون» الخاصة بها، ولكن كما يوضح المسح الضوئي للصور، فإن هذا صحيح فقط إلى أن تغير الشركة رأيها بشأن سياساتها.
يعد هاتف «أيفون» جامعاً شرهاً لمعلومات المستخدم، حيث ترسل الأجهزة هزة بيانات الموقع، بالإضافة إلى معلومات بدءاً من استخدام «واي فاي» واستخدام الإنترنت وانتهاء باستخدام خوادم «أبل»، حتى عندما نعتقد أن الأجهزة نائمة. يفتح هذا النوع من البيانات المجال أمام مالكي «أيفون» للتتبع الدقيق بشكل مقلق من أطراف ثالثة، بما في ذلك مكان وجودهم، وميولهم السياسية، والوظيفة والوضع العائلي، والعرق، وصافي الثروة.
هناك قلق متزايد بشأن مبادرة المسح الضوئي للصور وهو أن الدول قد تجبر شركة «أبل» على استخدام التكنولوجيا لتحقيق أهدافها الخاصة، وهو ما تقول شركة «أبل» إنها ستقاومه. لكن من خلال طرف ثالث، جعلت «أبل» بيانات المستخدمين الصينيين في متناول الحكومة الصينية، حسب صحيفة «ذا تايمز»، وهي خفة يد تسمح للشركة بالقول إنها لا تقوم بتسليم المعلومات بشكل مباشر. وهذا يجعل من الصعب تصديق أن شركة «أبل» قد لا تتصرف بطريقة مماثلة عندما تتطلب مصالحها التجارية ذلك -حتى في المنزل في الولايات المتحدة، حيث تلبي شركات التكنولوجيا طلبات البيانات الشخصية السرية يومياً.
ليس مشروع المواد الإباحية الذي يستغل الأطفال فقط هو الذي يجب أن يتوقف مؤقتاً على المستخدمين. فقد تلقت «أبل» إشادة، بما في ذلك منّي شخصياً، لطرحها خياراً في وقت سابق من العام الجاري لمنع التطبيقات من تتبع نشاط المستخدمين في أثناء تصفحهم للويب على الأجهزة المحمولة. ولكن تم تمكين التتبع في المقام الأول من خلال شيء ابتكرته شركة «أبل» يسمى «مُعرف المعلنين»، والذي قام بتشغيل خرطوم الحريق للبيانات الشخصية المتاحة للمسوقين لغرض الإعلانات المستهدفة. إذا كانت «أبل» ترى أن التتبع هو لعنة على الخصوصية، فلماذا لا تقوم بتعطيل المُعرف نفسه، أو تعطيل التتبع كإعداد افتراضي؟
في هذا الصدد، قال باتريك جاكسون، كبير مسؤولي التكنولوجيا في شركة الخصوصية «ديسكونكت»، إن خيار عدم التتبع لم يحلّ مشكلة الخصوصية في الواقع. فقد تم تصميمه لجعل المستخدمين يشعرون بأنه يمكنهم الضغط على زر وإصلاحه. واستطرد جاكسون قائلا إن المعلنين وغيرهم لا يزال بإمكانهم استخدام عملية تُعرف بالبصمات -والتي تعتمد على أشياء مثل طراز الهاتف وإصدار نظام التشغيل ودقة الشاشة- لتحديد المستخدمين ومواصلة متابعة علامات التبويب الخاصة بهم.
تقوم شركة «أبل» أيضاً ببناء نشاطها الإعلاني عبر الإنترنت، والذي قالت «هيئة مراقبة الخصوصية الفرنسية» إن أجزاء منه قد تتعارض مع القوانين الأوروبية.
يتمتع برنامج «أندرويد» للجوال من «غوغل» أيضاً بشهية كبيرة للبيانات ولكنه قد يكون أقل عرضة للهجمات واسعة النطاق من «أيفون»، مثل الهاتف الذي تم الكشف عنه مؤخراً والذي يؤثر على عشرات الآلاف من الهواتف التي قيل إنها استُهدفت بواسطة برنامج «بيغاسوس» التابع لمجموعة (NSO Group)، وهذا لأن «أندرويد» يعمل على كثير من أنواع الهواتف المختلفة، ولكل منها إصدارات مختلفة قليلاً من البرنامج، حسب زوك أفراهام، المدير التنفيذي لشركة الأمن السيبراني «ZecOps». وحسبما ورد، قام برنامج «بيغاسوس» بجمع جميع أنواع المعلومات الشخصية، مثل رسائل البريد الإلكتروني، ورسائل البريد الصوتي، وكلمات المرور، وجهات الاتصال، وسجلات المكالمات، ومنشورات الوسائط الاجتماعية، وسجل تصفح الويب والصور، كذلك إمكانية تنشيط كاميرا هاتف المستخدم والميكروفون عن بُعد، وفقاً لما أوردته وسائل إعلامية.
بالطبع، لن يكون أي برنامج محصناً من أي نوع من أنواع الاختراق، ولكن عندما تنص سياسة التسويق على أن «ما يحدث على جهاز أيفون الخاص بك يظل في نطاق جهازك»، فإن سقف الطموحات لا بد أن يعلو.
تتمتع «أبل» أيضاً بإمكانية الوصول إلى الرسائل النصية التي تقول إنها مشفرة بطريقة أخرى عندما يتم نسخها احتياطياً في «آي كلاود»، وهو حل بديل يبدو أنه ضروري للمساعدة في تطبيق القانون. ولكن بالنسبة إلى معظم المستهلكين، فإن هذا يمثل تمييزاً دون اختلاف -حيث يتم إنشاء الصور والرسائل النصية بشكل أساسي ويمكن الوصول إليها على الهواتف التي تخبرنا «أبل» بأن حمايتها واجب مقدس.
يمكن أن تتقدم «أبل» بشكل كبير على منافسيها من خلال دعم إعداد واحد على مستوى المتصفح، يُعرف باسم « Global Privacy Control» لمنع الشركات من بيع بياناتك للآخرين. سيحل ذلك محل حظر مثل هذه الإجراءات للمواقع واحداً تلو الآخر (يتم دعم هذه المبادرة من مجموعة من مؤسسات الخصوصية والإعلام، بما في ذلك «ذا نيويورك تايمز»، بالإضافة إلى المدعي العام في كاليفورنيا).
تود شركات التكنولوجيا أن يعتقد المستخدمون أنهم يمتلكون مفاتيح خصوصيتهم. ولكن نظراً لأننا محبوسون في أنظمة «أبل»، و«غوغل»، فإن بياناتنا آمنة مثل سياساتها. أود أن أثق بأن كبرى شركات التكنولوجيا لديها النيات الأفضل، ولكن عندما يتعين عليها القول بصوت عالٍ إن خصوصيتنا أمر بالغ الأهمية، فمن المؤكد أن ذلك صعب التصديق.
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»