روزا بروكس
TT

الكفاءة أمر حاسم... لكن هل أصبحت محل تساؤل؟

في الشهر الماضي، تسبب المتغير دلتا في ارتفاع عدد حالات الإصابة الجديدة بفيروس كورونا بعشرات الآلاف، وأعاد الاستجابة الأميركية للوباء إلى حالة من الفوضى، وعرّض الانتعاش الاقتصادي الهش في البلاد للخطر.
في ضوء هذا، قد تعتقد أن الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء، يمكن على الأقل أن يتفقوا على شيء واحد، أن المجتمع الديمقراطي الذي يعمل بشكل جيد يتطلب في أقل تقدير موظفين عموميين أكفاء بما يكفي للتصدي للتحديات الكثيرة التي نواجهها.
لكن اليوم أصبحت فكرة الكفاءة ذاتها محل تساؤل. وينظر على نحو متزايد على جانبي الطيف السياسي إلى ادعاءات الكفاءة والمفاهيم المرتبطة بها؛ الخبرة، والسلطة، والمعرفة وخبرة الممارسة بينهم، على أنها محاولات سرية لتعزيز أجندات سياسية ذات مصالح ذاتية.
إن وجود مفهوم مشترك للكفاءة أمر ضروري للديمقراطية. إن كنا نريد أن ننقذ «الكفاءة» من الوقوع في مزبلة التاريخ، فلا بد أن نفهم السبب الذي يجعل كثيراً من الأميركيين لا يثقون بمزاعم الكفاءة. ولإعادة بناء ثقة الجمهور في الكفاءة، نحن بحاجة إلى فهم المصطلح بأوسع وأقوى معانيه، إذ لا يشتمل على المهارة والفعالية فحسب، بل يتضمن أيضاً الحكمة والتواضع والتعاطف.
على تيار اليمين، ينبع الهجوم على الكفاءة جزئياً من انعدام الثقة الشعبوي والقومي عميق الجذور بـ«أهل النخبة»، و«العلمانيين»، و«أنصار العالمية»، الذين ينظر إليهم باعتبارهم يبيعون الأميركيين العاديين في مقابل الربح على نحو تهكمي، اقرأ: (البيض والريفيون). وكثيراً ما تترجم هذه الآراء إلى شكوك يمينية واسعة النطاق في جميع ادعاءات الكفاءة والمعرفة والخبرة. على سبيل المثال؛ يقول العلماء إن هناك أدلة على حدوث كارثة بسبب الاحتباس الحراري الذي يسببه الإنسان. تلك المنتجات المفرطة في التعلم لنخبة الجامعات الليبرالية تريد فقط أخذ الوظائف من الأميركيين الكادحين في العمل من خلال تدمير صناعة الوقود الأحفوري.
وعلى تيار اليسار، كثيراً ما يشكك بعض التقدميين بالقدر نفسه في ادعاءات الكفاءة والمعرفة والخبرة، التي يميلون إلى النظر إليها باعتبارها جهوداً مكشوفة للحفاظ على هياكل السلطة القائمة غير العادلة (الامتياز) التي تقلل من قيمة أو تستبعد الملونين والنساء والمهاجرين والفقراء. والواقع أن النسخة الأكثر اعتدالاً من هذا تتلخص في انعدام الثقة بـ«الجدارة»، وألا تعمل الاختبارات المعيارية مثل اختبار سات (اختبار أساسي للالتحاق بالجامعات الأميركية) فقط على إبقاء الأطفال المحرومين خارج كليات النخبة، على سبيل المثال، حتى حين تدعي أنها مقاييس محايدة للمعرفة والمهارات.
من السهل رسم الأمثلة المتطرفة لانعدام الثقة الموجود على جانبي الطيف السياسي. ومن الأمثلة على ذلك أن بعض الناس من جناح اليمين يرون أن المسؤولين في وزارة العدل والقضاة من ذوي الخبرة، الذين لم يجدوا أي دليل على التزوير الساحق في انتخابات عام 2020 كانوا جزءاً من مؤامرة واسعة النطاق تدور رحاها في الدولة العميقة، بالنسبة لبعض الأشخاص على اليسار، وهناك ادعاء بأن الرياضيات والمنطق وغيرها من حقول المعرفة هي نفسها «عنصرية» كما هي مفهومة أو متعلمة أو مطبقة.
لكن على الرغم من انحدارهم العرضي إلى نوع من جنون الشكوك العدمية، فإن أولئك الذين يشككون في مزاعم الكفاءة والخبرة والسلطة يقدمون بعض النقاط الصحيحة. وفي بعض الأحيان تُستخدم التأكيدات على الكفاءة، المفهومة بالكاد، كحجاب دخاني لتحويل انتباهنا بعيداً عن القضايا الأكثر عمقاً المتعلقة بالعدالة والأخلاق.
النخب - كل من أنصار «الدول العميقة» الليبرالية التي تغضب الجمهوريين، وداعمي «الامتياز» الأبيض أو الذكوري الذين يثيرون غضب الديمقراطيين التقدميين - غالباً ما تستخدم مزاعم الكفاءة لإلهائنا عن التركيز على السلوكيات التعسفية أو الفاسدة. فكر في الحاكم أندرو كومو، الذي استخدم سمعته في الكفاءة، التي صُقلت خلال الأشهر الأولى من تفشي وباء كورونا، في تجاهل والاستخفاف بأولئك الذين انتقدوا تنمره وتحرشاته المتسلسلة بالموظفات. ويتفوق أهل النخبة من المشارب السياسية كافة أيضاً في إيجاد السبل الخلاقة اللازمة للتأكيد على أن السياسات الحزبية، أو التي تخدم مصالح ذاتية، هي مفيدة عالمياً في واقع الأمر.
في أبسط الصور، هذا ما يفعله كل البشر، ننقسم إلى مجموعات، ونقدم حججاً مفصلة تبرر القواعد، والهياكل الاجتماعية والمؤسسات التي تعود بالنفع بشكل غير متناسب على مجموعتنا، ثم نصرّ على أن تعكس هذه معايير محايدة بدلاً من التحيز. ولا عجب أن كثيراً من الأميركيين لا يثقون بمزاعم الكفاءة.
وعندما يتعلق الأمر بالكفاءة، كل شيء سيكون على ما يرام. خذ على سبيل المثال انهيار الجزء الأكبر من المدينة في منطقة سيرفسايد بولاية فلوريدا في شهر يونيو (حزيران) الماضي، ما أودى بحياة ما يقرب من 100 شخص. عندما يتعلق الأمر بتصميم المباني، والإنشاءات، والتفتيش، والصيانة، فإن الكفاءة ليست مجرد خرافة تخدم ذاتها. فإما أنه استخدم ما يكفي من الفولاذ في أساسات الشقة، أو لم يفعل؛ فإما أن الإصلاحات المطلوبة تم تحديدها وتنفيذها، أو أنها لم تكن كذلك. في حالة سيرفسايد، كان هناك كثير من عدم الكفاءة، وكانت النتيجة كارثة.
والديمقراطية أيضاً غير مستدامة من دون كفاءة على كل المستويات. فنحن في حاجة إلى مواطنين يفهمون النظام السياسي وقادرين على تقييم الحجج المتنافسة، ونحتاج إلى زعماء قادرين على تطوير وتنفيذ سياسات حكيمة. وبشكل ملموس، نحن بحاجة أيضاً إلى آلات تصويت تعمل، ونظام تصويت يضمن أن فرز الأصوات المعلن يعكس الأصوات التي تم الإدلاء بها، وموظفين مختصين في الانتخابات يعملون في ذلك النظام ويقيمون النزاهة المهنية على الحزب، وقضاة قادرين على تقييم مماثل، من دون تحيز حزبي، ما إذا كانت عملية التصويت عادلة ودقيقة.
وأي مفهوم للكفاءة لا يشتمل إلا على المهارة والفعالية لا بد أن يكون مفهوماً فقيراً، فهو قادر بسهولة على تمكين ذلك النوع من السلوكيات والسياسات التي لا يثق بها كثير من الأميركيين. ذلك أن الأشخاص المهرة والفعالين من الممكن أن يكونوا مهملين، وقصيري النظر، وأنانيين، ومنحازين، وفاسدين، أو ساديين، ولنتأمل هنا موسوليني وقدرته المزعومة على «تشغيل القطارات في الوقت المحدد».
* خدمة «نيويورك تايمز»