ألم تتلقَ اللقاح... هل تود أن تقتل أحداً؟

ألم تتلقَ اللقاح... هل تود أن تقتل أحداً؟

الثلاثاء - 2 محرم 1443 هـ - 10 أغسطس 2021 مـ رقم العدد [15596]

يمكن أن تتسبب المعلومات المغلوطة أو المضللة، حتى مجرد الارتباك العلمي، في كثير من المشكلات حين يتبين أن مصدرها مراكز مكافحة الأمراض. وقد كان هذا ما حدث بالفعل عندما تسربت وثيقة من مراكز مكافحة الأمراض ساعدت في توصيل رسالة مغلوطة تشير إلى أن الأشخاص الذين تلقوا اللقاح ينشرون المتحور «دلتا» الجديد مثلهم مثل من لم يتلقوا اللقاح.
سرعان ما أصبحت هذه الرسالة بمثابة ذخيرة للمشككين في اللقاح، وتم استخدامها ضد أناس مثل آرت كريغ، اختصاصي أمراض روماتيزمية، ومن مؤسسي التكنولوجيا الحيوية، الذي لطالما كان متحمساً للترويج للقاحات، بل ازدادت حماسته لذلك بعد وفاة والده، الذي كان في الـ90 من عمره وتلقى اللقاح في 30 يوليو (تموز)، إثر إصابته بفيروس «كوفيد 19».
يتعامل كريغ بحكم تخصصه مع أمراض المناعة الذاتية والجهاز المناعي، وتتخصص شركته «تشيكميت فارماسوتيكالز» في منتج اكتشفه، يسمى «سي بي جي دي إن إيه»، يمكن استخدامه في إنتاج اللقاحات، وقد تحدثت معه عدة مرات أثناء الوباء لفهم التفاصيل الأساسية لعلم اللقاح. وقد أعلن كريغ نبأ وفاة والده من خلال موقع «تويتر»، وذلك ليحثّ الناس على تلقي اللقاح لحماية الآخرين من خلال كبح جماح الفيروس والحد من انتشاره. ويعتقد كريغ أنه كان من الممكن ألا يُتوفى والده، الذي تلقى اللقاح، لو تقبل عدد أكبر من الناس لفكرة اللقاح!
وتوالت التعليقات على تغريدته، وكانت أكثرها داعمة وإيجابية بحسب ما أخبرني، لكنه أضاف قائلاً: «قال لي كثير من الناس إن الأشخاص الذين تلقوا اللقاح ينشرون العدوى بالقدر نفسه، وإن عليه معرفة الحقائق». ويبدو أن مصدر الحقائق هذه المرة هو مراكز مكافحة الأمراض، لا موقع إلكتروني يعمل في إطار نظرية المؤامرة.
ما هي الحقائق إذاً؟ هناك إجماع علمي على أن اللقاحات تحدّ من انتشار المرض، والحالات المرضية التي لا تظهر أعراضها، ما يجعل العالم أكثر أماناً بالنسبة إلى الفئات المعرضة للإصابة بالأمراض أكثر من غيرها بسبب التقدم في العمر أو الإصابة بمشكلات صحية. وذكر كريغ أن والده كان يقيم في دار لرعاية المسنين في وسط ولاية بنسلفانيا، وتلقى لقاح «فايزر» في بداية العام الحالي، أي بمجرد توفيره للأشخاص الذين يندرجون تحت فئته العمرية، لكنه كان يعاني من مشكلة في المناعة تسمى «اعتلال غامائي وحيدة النسيلة»، وهو مرض زاد من احتمالات إصابته بالفيروس، وذلك إلى جانب تقدمه في العمر. وكان والد كريغ يمكث في المنزل أكثر الوقت، لكن في يوليو حدثت سلسلة من الأحداث المتلاحقة، بدأت بسقوطه، وأعقبتها رحلة إلى غرفة العناية المركزة خلال فترة كان عدد حالات الإصابة بفيروس «كوفيد» في المنطقة مرتفعاً. وكان المستشفى مكتظاً، ما جعل والده ينتظر 5 ساعات إلى أن تم فحصه على حد قول كريغ؛ وتم تشخيص إصابته بفيروس «كوفيد 19» بعد ذلك بأسبوع.
ولا يرى كريغ أن والده التقط عدوى الفيروس من شخص لم يتلقَ اللقاح، رغم اعتقاده أن نسبة احتمالات حدوث ذلك تبلغ 20 إلى 1. الأمر الأهم من ذلك هو أن احتمالات إصابة والده بالعدوى كانت لتصبح أقل كثيراً، وكان المستشفى ليصبح أقل ازدحاماً إذا كان عدد الأشخاص الذين تلقوا اللقاح أكبر. وأوضح قائلاً: «النقطة المحورية والأساسية هنا هي أنه إذا تلقى المرء اللقاح سيكون احتمال إصابته بالعدوى أقل، وبالتالي سيقل احتمال نقله للعدوى لآخرين».
وتعد هذه الرسالة مختلفة تماماً عن الرسالة التي نشرتها وسائل الإعلام الإخبارية استناداً إلى بيان مراكز مكافحة الأمراض الأسبوع الماضي. لكن لا يعني هذا أن المحتوى يمثل إجماعاً أو توافقاً أو أي نوع من الرسائل التي تقصد المراكز إذاعتها ونشرها. ربما يعتقد عامة الناس خطأ أن المادة التي تم تسريبها أصيلة وتعبر عن حقيقة لأنه لم يكن من المفترض نشرها، لكن لا يعد ذلك صحيحاً بالضرورة من منظور العلم.
وجاء في الوثيقة أن متحور «دلتا» معدٍ مثل مرض جدري الماء، وهو مرض ربما لا يكون مألوفاً بالنسبة إلى الشباب الأميركيين. ويُقال أيضاً أن الأشخاص، الذين تلقوا اللقاح وأصيبوا بالفيروس، تكون لديهم أحمال فيروسية كبيرة مثل الأشخاص الذين لم يتلقوا اللقاح. ولا يعني ذلك بالضرورة أنه من المرجح نقلهم للمرض بالدرجة نفسها التي يمكن للأشخاص، الذين لم يتلقوا اللقاح، نقلها، لكن هذا يعد مؤشراً مثيراً للقلق. وكانت البيانات مستندة إلى تحليل تم إجراؤه بعد انتشار كبير للوباء عقب عطلة يوم الاستقلال في 4 يوليو في بروفينستاون بولاية ماساتشوستس.
كان الطقس خلال تلك العطلة جافاً وعاصفاً، ما جعل الناس يفضلون الاجتماع داخل المنازل على الوجود على الشواطئ. وتُعرف بروفينستاون بأنها مكان لتجمع المثليين جنسياً، وكما أشارت صحيفة «نيويوركر»، معدل الإصابة بمرض نقص المناعة في تلك المنطقة أعلى كثيراً من المتوسط على مستوى البلاد، لذا من المرجح أن يحد هذا الوضع من فعالية اللقاحات.
ويختلف العلماء حول كيفية تأويل قياسات الحمل الفيروسي، لكن يتفق كثير منهم على أن من يتلقى اللقاح يكون أقل عرضة للإصابة بالفيروس. ويقول بعض الخبراء، مثل مونيكا غاندي، اختصاصية الأمراض المعدية في جامعة كاليفورنيا بسان فرانسيسكو، إن تزايد عدد الحالات، التي تظل إيجابية بعد تلقيها اللقاح بمدة، يعود إلى أن نتائج تشخيص فيروس «كوفيد» تظل إيجابية حتى إذا كان كل ما يوجد في جسم الإنسان هو فيروس غير نشط متبقٍ بعد هزيمة جهاز المناعة له بتحفيز من اللقاح. وتعتقد مونيكا أن النتائج الإيجابية لاختبارات تم إجراؤها لأشخاص تلقوا اللقاح ولم تظهر عليهم أعراض لا تعني إصابتهم فعلياً بالفيروس.
الرسالة التي يمكن استخلاصها من انتشار الفيروس في مدينة بروفينستاون هي أن على الناس ارتداء الأقنعة الطبية الواقية في الأماكن العامة، فربما يساعد ذلك البعض، لكن الرسالة الأهم واضحة وصادقة، فقد التقط والد كريغ الفيروس على الأرجح أثناء وجوده في غرفة الانتظار حيث يكون ارتداء الأقنعة الطبية الواقية إجبارياً ولازماً. يحد تلقي اللقاح من انتشار الفيروس، ويخفض احتمالات وفاة أشخاص مثل والد كريغ، وتلك الرسالة ليست متسقة فحسب، بل تتأكد صحتها أيضاً بمرور الوقت منذ بداية توفير اللقاحات. وعلى عكس الرأي «المسرّب» لشخص ما في مراكز مكافحة الأمراض، لم تتغير الحرب بالكامل.
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو