الرؤية من المطار

الرؤية من المطار

الاثنين - 24 ذو الحجة 1442 هـ - 02 أغسطس 2021 مـ رقم العدد [15588]
سمير عطا الله
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.

مكرر، لغرض التوكيد: قبل سنوات، كان الحديث مع الشيخ محمد بن راشد حول الدول التي تصرف على تطور شعوبها، وتلك التي لا تعرف معنى التطور ولا معنى الشعوب. وقال الشيخ محمد يومها: أنا أعرف مدى محبة الحاكم لشعبه من مطار البلد. يكفي الانطباع الأول.
تذكرت هذا الكلام في مطار جدة في المغادرة، لا في الوصول. وتذكرت المطارات التي عرفتها عبر السنين: شيكاغو، نيويورك، هيثرو، مدريد، باريس، مونتريال، وسنغافورة. لا شيء مثل مطار الملك عبد العزيز. لا شيء مثل هذه التحفة العمرانية التي لا نهاية لها، مثل تصاميمها الجميلة، مثل حركتها الهائلة. ومثل أضوائها وتنظيمها. وإذا كان الهدف من بناء مطار الملك عبد العزيز ألا يكون شيء مثله في العالم، فلا شيء مثله في العالم.
أين الملك المؤسس، يشهد كيف تكرم ذكراه وكيف يوفي شعبه، وأينه يتأمل أي تحفة شيدت في هذه الفلاة الصحراوية. كان المهاجرون العائدون من أميركا يروون لنا الحكايات المثيرة عن تقدم الناس: طرق من ستة خطوط، ثلاثة في كل اتجاه، وسيارات بالآلاف. والطرق إلى مطار الملك عبد العزيز، ستة خطوط في كل اتجاه ومتفرعاتها. وثمة ورش أخرى في منتصف الطريق، وعلى جانبيها. أنت في المستقبل.
أما آن لنا أن نكف عن الاندهاش؟ لا. فأنت هنا أمام تجربة من تجارب العصور. و«المعجزة فوق الرمال» لا تتوقف لأن التوقف سقوط.
لكن ثمة نقصاً معيباً في مطار جدة، مثل سائر مطارات العالم: لقد اختفت المكتبة، قسراً. لا صحف ولا مجلات ولا كتب، بأمر السيد تيدروس أدهانوم غيبرييسوس، مدير منظمة الصحة العالمية. وحتى على الطائرة لم تعد متوافرة صحفك المفضلة. هناك بدلاً منها آخر الأفلام والرسوم المتحركة، وتوم وجيري ومطارداتهما التي لا تنتهي مذ كنت طفلاً في الزمان وسالف العصر والأوان.
كم يبدو الزمن الغابر بعيداً، في معرض الحداثة هذا. بعيداً وجميلاً. والنقاش هنا بين الأصدقاء الذين لا شفاء لهم من هوى الشعر، هو حول رحم الشعر، الذين قالوا إنه العراق، يجهلون فوق جهل الجاهلين. تفضل جنابك عدد معي ومن أولها: امرؤ القيس، عنترة ويا دار عبلة بالحواء تكلمي، وطرفة برقة تهمد، والحارث بن حلزة، وزهير بن أبي سلمى وسأمه. يا أخي تفضل اسأم وحدك. نحن، هنا، الحمد لله. تفضل إلى بريدة اليوم وأخبرنا ما الذي يسومك السأم. شرف سافر معنا إلى باريس ولن تجد الوقت لأن تسأم: شهادة لقاح. وشهادة مسحة. وشهادة على شهادة المسحة. وتعرية أمام التفتيش لأن الآلة تصفر من دون سبب لمواليد برج الجوزاء، وبدل أن تغضب يغضب عليك موظف التفتيش. يمرر الآلة على جسدك، وجسدك يصفر بلا سبب أو موجب، سوى أنك من برج الجوزاء: حزامك. حذاؤك. سروالك، ما الذي يصفر فيك؟ «لست أدري/ وطريقي ما طريقي، أطويل أم قصير؟ أأنا السائر أم الدرب يسير؟ أم كلانا وأقف والدهر يسير»!


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة