عادي... كله عادي

عادي... كله عادي

الأحد - 23 ذو الحجة 1442 هـ - 01 أغسطس 2021 مـ رقم العدد [15587]
سمير عطا الله
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.

بدأت سُمية الجبرتي العمل صحافية في القسم المحلي من «أراب نيوز». وبعد سنوات أصبحت رئيسة للتحرير، ثم استقالت لتتفرغ للعمل عضواً في مجلس الشورى. والدتها، من قبلها، دكتوراه من أميركا في الرياضيات التطبيقية، ووالدها، أنور، دكتور في العلوم البترولية. عندما يريد السعوديون إظهار التواضع في مسألة ما، يقولون، «عادي»، «كله عادي». والعادي الآن أن يتقدم لقب دكتورة في علم ما، أسماء 25 سيدة من أعضاء مجلس الشورى. وتقريباً جميع أسماء أعضائه الرجال.
الحقيقة أنه في الصورة السعودية الجديدة، لا شيء «عادياً». لا نسبة المتقدمين في الدراسات العليا، ولا نسبة المناصب العلمية والاقتصادية التي أصبح أمراً عادياً أن تشغلها سيدات المملكة. لكن سوف يظل هناك «دائماً مفاجأة ما».
مثل ماذا؟ لقد أصبحت مديرة بنوك، ومسؤولة في أسواق المال تدير المليارات، وقائدة طائرات، فماذا بعد؟ اقرأ العدد 72 من مجلة «جدة» التي تصدرها محافظة المدينة. وسوف تطالعك مقابلة مع هنادي فكيرة. وفي المقابلة تتحدث عن رياضة جديدة تزدهر في البلاد: الغوص في أعماق البحر الأحمر بحثاً عن كنوزه وسلواه ودنياه.
«عادي»؟ لا. مو عادي، أبداً. أي ليس في مقاييس ما هو معهود. ثمة إطار جديد للحياة، يتسع لكل ما هو «عادي» فيها. قدرة النساء ليست في أن تقود المرأة السيارة بأطفالها إلى المدرسة، بل أن تشارك في وضع المشاريع الكبرى وأشكال التنمية، وأن تساعد نفسها وعائلتها في العمل، سواء كانت الوظيفة صغيرة أم كبيرة.
ولكل مقدرته وطاقته ومؤهلاته، وبالتالي فرصته. ما لا يزال يفاجئنا، نحن، الزائرين بين حين وآخر، لم يعد يفاجئ أحداً من أهل البلاد. إنه أمر عادي، يتوقعه الناس في الرؤية الجديدة نحو مجتمع منتج واقتصاد محصن ضد عثرات الزمان وتغيرات الأيام، كما نشاهد في هذا العالم الهش. مرة تقصفه الجوائح، ومرة الأوبئة، ومرة الزلازل الاقتصادية من كل نوع!
القدامى، أمثالنا، يجب أن يقروا بأنهم لا ينتمون إلى العالم الذي قام من حولهم بلا استئذان. كل ما كان خيالاً أصبح حقيقة يرونها كل يوم في طريقهم إلى العمل. مجلس الشورى هو، على نحو ما، مجلس التخطيط والرقابة في آن. مجمع علمي من 150 اختصاصاً عالياً، بما فيه الاختصاص العسكري. لا يمكن أن تواجه تحديات المستقبل بأدوات الماضي ولا في سرعته. والمستقبل هنا، واليوم، وليس غداً.
كل يوم إضافي أمضيه في جدة، أكتشف كم أنا من الماضي. وأشعر بفرح الأطفال إذا ما تقدم مني فتى، أو شاب، معرباً عن تحية ما، فما أهمية الكاتب إن ظل هو أيضاً متفرجاً على مرور القطار السريع بدل أن يلحق به وهو منطلق. هكذا كنا نفعل عندما كنا نتأخر، عمداً، عن القطار الكهربائي لكي نعتلي درجته وهو يبدأ الطريق البطيء إلى المحطة التالية، وأجراسه ترن في جنون مثل أجراس سيارات الإطفاء في أفلام شارلي شابلن... الصامتة.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو