قرار العدل الجائر

قرار العدل الجائر

الأربعاء - 19 ذو الحجة 1442 هـ - 28 يوليو 2021 مـ رقم العدد [15583]
حمد الماجد
عضو الجمعيّة الوطنيّة لحقوق الإنسان وعضو مجلس إدارة مركز الملك عبدالله العالمي لحوار الأديان والحضارات - فيينا

مشكلة أوروبا أن أي دولة فيها إذا عطست تشدداً ويمينية، أصيبت بقية دولها بالزكام؛ عطست فرنسا بقرارها الشهير بحظر النقاب فأصيب عدد كبير من الدول بزكام الحظر، منها بلجيكا وسويسرا والنمسا وإسبانيا وألمانيا (الأخيرتان حظرتا النقاب في مقاطعات محدودة)، والمتوقع أن ينتشر الحظر في كل دول الغرب، مسألة وقت ليس إلا، بل إن عطسة الحظر الأوروبية تطاير رذاذها نحو دول عربية وأفريقية وآسيوية بعضها دول مسلمة مثل تشاد والسنغال، والأخيرة بالذات حظرت المنتقبات من دخول المؤسسات الحكومية لدواعٍ أمنية بعد اعتداءات وتفجيرات نفذتها جماعات إرهابية مستغلة النقاب.
لم يكن قلق الأقليات المسلمة من حظر النقاب، فلبس النقاب نادر جداً، وعليه فالمتضررات ندرة، وإنما القلق على الخوف من تمادي اليمين المتطرف ليحظر حتى الحجاب، وهذا ما ظهرت بوادره مؤخراً، حين أصدرت محكمة العدل الأوروبية مؤخراً حكماً يخوّل أصحاب العمل الحق في منع العاملات المسلمات لديهم من ارتداء الحجاب. صدر هذا الحكم المثير للجدل إثر دعوى قضائية قدمتها مؤخراً ألمانيتان مسلمتان، كانتا قد أُوقفتا عن العمل، بعد ارتدائهما الحجاب، وقالت المحكمة إن «منع ارتداء أي شيء يمثل تعبيراً عن معتقدات سياسية، أو فلسفية، أو دينية، في أماكن العمل، قد يبرره حاجة صاحب العمل، إلى تقديم صورة محايدة للعملاء، أو الحيلولة دون أي مشاحنات اجتماعية».
تبرير الحيف والظلم والعنصرية موجود في معظم دول العالم الثالث وحتى في المجتمعات الغربية التي لديها مؤسسات عدلية راسخة، فالمحاكم الأوروبية التي حمت حقوق المسلمات في القرن الماضي ومطلع القرن الحالي في أن يرتدين ما يروق لهن وحمتهن من العنصريين، هي ذات المحاكم التي بدأت مؤخراً، تحت تأثير نفوذ اليمين الغربي العنصري المتشدد، تضيق بقطعة قماش تغطي الرأس، وربما لن تتوقف عملية الحظر العنصرية المتشددة، وقد يأتي زمان يصدر فيه قانون غربي يلزم المسلمات بنزع الحجاب، والمبررات متوافرة في أدراج رموز اليمين المتشدد، وإلا من كان يتصور أن سويسرا، واحة الحريات الغربية وملاذ الأموال الأجنبية الآمن، تضيق حتى بمنارة المسجد، فأقرت قانوناً متخلفاً يحظر بناء مئذنة المسجد.
المؤلم والمؤسف أن هناك تناسباً طردياً بين تنامي نفوذ اليمين المتطرف وتأثيره على سن قوانين فيها تضييق على حريات الأقليات المسلمة وبين تزايد عدد الحوادث والهجمات الإرهابية التي يرتكبها مسلمون في الدول الغربية... هذه الهجمات المجنونة أضعفت مواقف الأحزاب السياسية الغربية المعتدلة التي تناصر حقوق الأقليات المسلمة، بل وأثرت على السواد الأعظم من الجاليات المسلمة التي تتسم بالاعتدال ولا تنتمي لتيارات متشددة.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة