من السابق لأوانه انتظار معززات «كوفيد ـ 19»

من السابق لأوانه انتظار معززات «كوفيد ـ 19»

الاثنين - 17 ذو الحجة 1442 هـ - 26 يوليو 2021 مـ رقم العدد [15581]

عاد الناس للشعور بالقلق من فيروس «كورونا» مجدداً، وهو ما جعل مسؤولي الصحة العامة يشعرون بالضغط للتوصية بالحقن المعززة للقضاء على الفيروس. ساهمت شركة «فايزر» بالإعلان في وقت سابق من الشهر الجاري عن أنها ستطلب قريباً من الحكومة الإذن بجرعة ثالثة من لقاحها المكون من جرعتين لتوفير حماية إضافية.
لم يقتنع مسؤولو الصحة بذلك لأسباب طبية جوهرية، حيث جمع العلماء بيانات أظهرت أن الأشخاص المصابين يحتفظون ببعض المناعة لمدة تصل إلى عام بعد ذلك، خاصة إذا حصلوا على جرعة واحدة على الأقل من اللقاح.
ولكن العلم أكثر من مجرد بيانات، إذ تتقدم الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا أيضاً من خلال النظريات التي تصف الطريقة التي تعمل بها الأشياء وتؤدي إلى تنبؤات قابلة للاختبار. لذلك يمكن للعلماء استقاء المعرفة من خلال فهمهم الأساسي لجهاز المناعة، وكذلك خبرة اللقاحات الأخرى.
هذا هو السبب في أن بعض الخبراء يتوقعون ألا تتلاشى لقاحات «كوفيد - 19» لسنوات قادمة وأنه في الوقت الحالي يجب على شركات الأدوية أن تمتنع عن ترويج المعززات. وقد يتغير ذلك إذا بدأت المستشفيات بالامتلاء بالمرضى المحصنين، وهو أمر يمكن أن يحدث نظرياً إذا ظهر متحور جديد مقاوم للقاحات. لكن في الوقت الحالي، هناك الكثير من الأسباب للاعتقاد بأن اللقاحات سوف تصمد أمام كل ما جلبه الوباء للعالم حتى الآن.
قبل بضعة أشهر، انتشرت قصص مخيفة حول «ضعف المناعة»، مما يشير إلى أن الوباء سيستمر إلى الأبد لأن أجهزة المناعة لن تعمل حتى لدى أولئك الذين جرى تطعيمهم أو أصيبوا في وقت سابق، لكن علماء المناعة وخبراء الأمراض المعدية اعترضوا وزعموا أن هذا الادعاء مضلل. وقد أوضحت مونيكا غاندي، طبيبة الأمراض المعدية بجامعة كاليفورنيا في سان فرنسيسكو، الأمر ببساطة قائلة إن «مجرى الدم البشري سوف يتحلل ويصبح سميكاً حال بقي محملاً بشكل دائم بالأجسام المضادة لجميع الالتهابات التي سبق للناس تحصينهم ضدها في أي أوقات سابقة».
لذلك يلجأ جهاز المناعة إلى خدعة حيث تُخلق خلايا «B» و«T»، التي تشفّر ذكريات العامل المعدي. فإذا تم اكتشاف العامل الممرض مرة أخرى، فإن آلية الذاكرة تقفز إلى العمل وتضخ أجساماً مضادة جديدة وتقتل الخلايا المصابة. ويمكن أن تختبئ هذه الخلايا «B» و«T» في نخاع العظام والغدد الليمفاوية، مما يوفر مناعة لعشرات الأمراض حتى من دون وجود الأجسام المضادة.
وقالت مونيكا إنه لمعرفة ما إذا كانت لقاحات «كوفيد - 19» تتسبب في إصابة أشخاص مصابين بهذه الخلايا B وT، أجرى العلماء دراسات وافق فيها المتطوعون على الخضوع لعمليات سحب عينات من نخاع العظام والعقد الليمفاوية.. وأظهرت النتيجة أن الخلايا كانت موجودة، وهذا ليس مفاجئا - فهذه الخلايا هي التي توفر الحماية لعدة سنوات من معظم اللقاحات القياسية.
لا يزال الأشخاص الذين تعرضوا لفيروس «كورونا» الذي تسبب في تفشي مرض «سارس» عام 2003 يحملون هذه الخلايا الواقية، حيث أظهرت دراسة أجريت في عام 2008 أن الأشخاص الذين نجوا من إنفلونزا عام 1918 وهم أطفال صغار احتفظوا بمناعتهم بعد 90 عاماً.
تقول مونيكا إنه لا توجد أي لقاحات بشرية تحتاج إلى التعزيز كل عام. ولا يتم إعطاء لقاحات الإنفلونزا لأن المناعة تتلاشى، لكن لأن كل عام يجلب سلالة مختلفة من الفيروس، وليس مجرد متحور من نفس النوع، مما يتطلب مجموعة مختلفة من الخلايا المكافحة للأمراض.
هناك خطر من الناحية النظرية من أن SARS - CoV - 2، الفيروس المسبب لـ«كوفيد - 19» قد يتحور بما يكفي لتجنب اللقاحات، رغم أن هذا الفيروس لا يتحور بنفس سرعة فيروسات الإنفلونزا. لكن هذا غير محتمل حسب مونيكا التي قالت إن الطفرات الطفيفة لا تلتف حول المناعة لأن هناك قدراً معيناً من المرونة في الخلايا «B» و«T» حيث يمكنها التعرف على الاختلافات الصغيرة ومن ثم إنتاج الأجسام المضادة لتناسب مجموعة متنوعة من المتغيرات.
جاء هذا الزعم مدعوماً بالعديد من الدراسات حول استجابة خلايا «T» في مواجهة متحورات SARS - CoV - 2. في الوقت الحالي، فإن السلالة الأكثر قابلية للانتقال هي «دلتا»، التي أصبحت سائدة في جميع أنحاء العالم، وتظهر الدراسات أن اللقاحات أو المناعة من العدوى السابقة تعمل ضدها.
واستطردت مونيكا قائلة إن هذه الحماية ليست موضع تقدير على نطاق واسع نظراً لوجود الكثير من الالتباس حول الإصابات الشديدة. فمن المحتمل أن يحمل الأشخاص الملقحون الذين يتعرضون للفيروس بعض الجزيئات في أنوفهم بينما يستعد جهاز المناعة لمكافحتها. لذا حتى لو كان اللقاح يعمل تماماً كما هو مفترض، فقد يكون اختبار الشخص إيجابياً، مما يعني فشل اللقاح، وهو خطأ بالتأكيد. وقالت: رغم أن بعض الناس قد دقوا ناقوس الخطر بشأن البيانات الواردة من إسرائيل والتي تشير إلى أن اللقاحات فعالة بنسبة 64 في المائة فقط ضد الإصابة بنوع «دلتا»، فإن الأرقام كانت صغيرة جداً بحيث لا يمكن استخلاص استنتاجات قوية منها، ولا تزال الحماية من المرض الشديد تراوح نسبة 94 في المائة.
وفي ذات السياق، قال فينيت ميناشيري، عالم المناعة والميكروبيولوجي في جامعة تكساس، إن الناس شعروا بقلق بشأن أحد المتحورات الذي ظهر في وقت سابق في جنوب أفريقيا، والذي يسمى الآن «بيتا»، إذ بدا أن لديه قدرة أكثر تهديداً على تفادي اللقاحات. لكنه يختفي من العالم لأنه لا يستطيع التنافس مع «ألفا» الشديد الانتقال والآن فيروس «دلتا».
مع تطعيم المزيد من الأشخاص، يمكن أن يضع ذلك ضغطاً تطورياً مختلفاً على الفيروس لتفادي اللقاحات. لكن الدراسات حتى الآن تُظهر أنه من غير المرجح نسبياً أن يلتقط الأشخاص الملقحون الفيروس أو أن ينقلوه. لكن مع انتشار اللقاحات على نطاق واسع، سيكون للفيروس فرص أقل للتعثر أمام هذا المزيج الجيني الذي سيكون تذكرة يانصيب رابحة له، وخاسرة للبشر بعد أن يتأقلم الفيروس مع اللقاح الجديد. لا توجد ضمانات في الوقت الحالي، لكن توجد طرق لزيادة الاحتمالات لصالحنا.
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو