أميركا: معارضة اللقاحات والكمامات الواقية

أميركا: معارضة اللقاحات والكمامات الواقية

الأحد - 8 ذو الحجة 1442 هـ - 18 يوليو 2021 مـ رقم العدد [15573]

يبدو من غير المنطقي أن يُعرّض المسؤولون المنتخبون ناخبيهم للمخاطر. ولكن هناك منطق سياسي في هذا السياق.
لماذا ينقلب بعض السياسيين الجمهوريين فجأة ضد لقاحات فيروس «كورونا» - وفي حالة واحدة على الأقل، يبدو أنهم ينقلبون ضد التطعيم بصورة عامة؟ ولا يبدو هذا منطقياً، إذ إن ناخبيهم هم الذين سوف يعانون إذا بقيت معدلات التطعيم منخفضة. في واقع الأمر، هذا هو ما يحدث الآن بالضبط، حيث إن المزيد من الولايات الجمهورية لديها أدنى معدلات التطعيم، وتشهد موجات جديدة من حالات الإصابة بالفيروس. كيف يمكن لذلك أن يفيد على أي حال؟
يعتقد البعض أنها محاولة بسيطة لتدمير البلاد سيما مع سيطرة الحزب الديمقراطي على البيت الأبيض. وأنا أشكك في هذا الجواب، ليس لأنني أثق ثقة كبيرة بأخلاقيات أي مجموعة من السياسيين، ولكن لأن الجانب الأكبر، أي الأشخاص الذين يعارضون التطعيم هم نفس الأشخاص الذين قاموا بمعارضة إجراءات السلامة العامة قبل اللقاحات - وقبل أن يكون جوزيف بايدن رئيساً للبلاد.
لديّ أربع إجابات؛ الأولى بسيطة: تستضيف وسائل الإعلام الموالية للجمهوريين العديد من الشخصيات المعارضة للقاحات والتطعيم، كما يرغب الساسة الجمهوريون في الظهور على شبكة فوكس نيوز وغيرها من منافذ التلفزيون والإذاعة المتحالفة مع الجمهوريين.
والإجابة الثانية بسيطة أيضاً: يقول الرئيس بايدن إن اللقاحات جيدة، لذلك سوف يقول بعض الجمهوريين عكس ذلك تماماً.
وللإجابة الثالثة، طالعوا ما يقوله الصحافي الأميركي آدم سيروير في كتابه الجديد بعنوان «القسوة هي الهدف».
أما إجابتي الرابعة فهي أكثر تعقيداً بقليل؛ إذ يتعلق الأمر بمجريات وفعاليات الحزب الجمهوري الداخلية - مع لعبة المحافظين الحقيقيين.
يسير الأمر على هذا النحو: تسعى مجموعة هامشية من الحزب إلى تمييز نفسها عن التيار السائد. ولكي تفعل ذلك، فقد شرعوا في إثبات أنهم المحافظون الحقيقيون وكل شخص آخر جمهوري لا يحمل سوى الأمنيات الواهمة في أفضل تقدير، أو هو ليبرالي متعاون في أسوأ تقدير. غير أن التيار السائد في الحزب الآن قد أصبح محافظاً إلى الحد الذي يجعل من المستحيل اتخاذ أي خطوات سهلة تتضمن دفع أي أفضلية سياسية أو سواها. لاحظوا أن الديمقراطيين مختلفون في هذا السياق، حتى مع أن التيار السائد لديهم قد صار ليبرالياً تماماً. وما زالت هناك الكثير من التحركات السياسية المتاحة لدى السيناتور بيرني ساندرز في مجلس الشيوخ أو النائبة الديمقراطية ألكساندريا أوكاسيو - كورتيز في مجلس النواب، لتمييزهم عن بقية مجموعاتهم الانتخابية. ولا يبدو أن المساحة المتاحة أمام الجمهوريين المهمشين أقل من المطلوب لإيجاد أرضية مناسبة فحسب، وإنما الحقيقة أن قلة منهم على استعداد للمشاركة في العمل من أجل التوصل إلى اختلافات سياسية حقيقية.
هناك مشكلة أخرى بالنسبة للمجموعة الهامشية، وهي أن السياسيين الجمهوريين المحافظين من التيار السائد يشعرون بالارتياب من فشل الاختبارات، ويصورون أنفسهم كمعتدلين أو أسوأ من ذلك، ثم يواجهون الهزيمة في الانتخابات التمهيدية. ومرة أخرى، ولأسباب متنوعة، فالأمر مختلف على الجانب الديمقراطي، حيث إن عدداً لا بأس به من الليبراليين الرئيسيين سعداء بوجود شخص ما هناك يجعلهم يبدون معتدلين.
إن ما يتوفر لأولئك الذين يرغبون في تمييز أنفسهم عن التيار السائد من المحافظين ليس إلا الترهات والنعرات الفارغة. فإما أن تأتي بشيء مجنون بالقدر الكافي، أو بشيء هدام بالقدر الكافي (بما في ذلك تدمير الذات)، وربما لا يتبعهم في ذلك السواد الأعظم من الحزب، الأمر الذي يسمح لهم «بالفوز» بلعبة المحافظين الحقيقيين. كان هذا يحدث منذ فترة، مع الاستقطاب الحزبي الذي جعل الحزب أكثر تحفظاً، وعصف أولاً بالجمهوريين الليبراليين ثم بالمعتدلين، وفي نهاية المطاف بأي شخص آخر غير المحافظين، مما يجبر المهمشين على إيجاد المزيد والمزيد من السبل المريبة لإثبات أنهم على حق.
النقطة الأساسية هنا هي أنه لا توجد حركة مضادة متاحة لبقية الحزب. وبوسع رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي أو زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ تشاك شومر أن يعلنا معارضتهما لمثل هذه السياسات لأنها ليبرالية وليست اشتراكية. لا يوجد أي تحرك مواز لقادة الكونغرس الجمهوريين، سواء من طرف النائب كيفن مكارثي في مجلس النواب أو السيناتور ميتش ماكونيل في مجلس الشيوخ. وهذا لا يعني أن التيار الرئيسي للمحافظين دائماً ما يتسق مع ذلك المسار، ولكن ضمن معايير الحزب لا يُسمح لهم بدعوة أي شخص محافظاً للغاية، ناهيكم عن أي صفات أكثر سلبية.
لا أستطيع إثبات أن هذه الدينامية المختلة للغاية هي ما يجعل التعليقات المضادة للقاحات شائعة جداً بين الجمهوريين حالياً، وربما هي ليست القصة بأكملها. ولكنها تتناسب مع المستجدات الراهنة. وهي تتوافق مع معارضة اللقاحات، والكمامات الواقية، وتدابير الصحة العامة الأخرى. كما تتناسب كذلك مع تخفيض التأمين الموسع ضد البطالة في الولايات الجمهورية، حيث كان الحكام يخشون تحدي المحافظين الحقيقيين الذين دعوا إلى ذلك. وهي تتوافق تماماً مع تعظيم دونالد ترمب.


* بالاتفاق مع «بلومبرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو