دليل الجماعة الدينية إلى تقويض الدولة

دليل الجماعة الدينية إلى تقويض الدولة

الاثنين - 19 ذو القعدة 1442 هـ - 28 يونيو 2021 مـ رقم العدد [15553]

شهدت مصر مؤخراً محاكمة لخلية إرهابية استلزمت استدعاء شيخ إلى الشهادة. كل من تابع الشهادة أدرك أن الشيخ لا يقول ما نعلمه من دروسه التي رأيناها بالصوت والصورة. وبعد يومين أغلق قناته على يوتيوب. التفسير المنطقي أنه خشي «الإدانة القانونية». يعلم أن بعض ما يدعو إليه تحت اسم «الدين» يجرّمه «القانون». هذه الجملة الأخيرة مفتاح أساسي في فهم المشكلة السياسية الدينية في منطقتنا.
بعد وفاة النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، مباشرة، احتج مسلمون بالنص القرآني «خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصلِ عليهم إن صلاتك سكن لهم»، معتبرين أن الخطاب موجه إلى النبي بالخصوص، بدليل الأفعال المعطوفة على الفعل الأول. فالنبي وحده هو المخاطب بـ«وصلِ عليهم إن صلاتك سكن لهم». وبالتالي فهو وحده المخاطب بالفعل «خذ من أموالهم صدقة»، فامتنعوا عن تأدية الزكاة للسلطة السياسية.
لكن هل كان هذا جوهر الخلاف فعلاً؟
السلطة السياسية - ممثلة في الخليفة الأول أبي بكر الصديق - قالت لهم: «لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه». حسم الأمر. الجدل الفقهي حول الموضوع من تراث المتأخرين. الأمر ببساطة أن السلطة السياسية أقرت قاعدة حاول الفقهاء إخفاءها. القاعدة أن: المصدر الوحيد للتشريع السياسي هو السلطة السياسية. يختلف شكل وهيكل وبناء وطريقة عمل السلطة السياسية، تتوسع بأشكال الديمقراطية أو تضيق. هذه مسألة أخرى زمنية. لكنها تبقى المصدر الوحيد للتشريع السياسي.
وهذه أيضاً حتمية لا قيام للدولة إلا بها، حيث السياسة، على خلاف العبادات، تخضع للتغيير بتغير الزمن، وبتغير الجغرافيا، وبتغير طبيعة المحكومين، وبتغير المعرفة البشرية، وبتغير التكنولوجيا وأدوات الحياة.
بالتالي، إن أردت أن تقوّض كياناً سياسياً من جذوره، وتنخر أعمدته، نازعه على سلطة التشريع. وهذا ما أدركته حركات الدين السياسي على مر التاريخ. لكن الفجاجة كانت أكثر في العصر الحديث، حيث الدولة الحديثة ابتعدت أكثر وأكثر عن الدولة الدينية، فصار أوجب عليها ألا تسمح بهذه الازدواجية.
مفهوم غرض الدين السياسي من الإصرار على سلب الدولة سلطة التشريع. لكن هل أدركت الدولة الحديثة في منطقتنا هذا الخطر؟ أترك لكم الإجابة.
إنما أعلم أن حركات الدين السياسي نجحت في تحويل كل مواطن إلى سلطة تشريعية في حد ذاته، وفي حد بيته، وفي حد شارعه ومكان عمله، في المواصلات، وداخل المولات، وأحياناً داخل بيوت الآخرين أيضاً. يستمد تشريعه «السياسي» من أئمة تلك الجماعات، في مختلف مستوياتها التنظيمية، وأدوارها الاجتماعية، بل إن المؤسسات الدينية الرسمية نفسها، ربما بحسن نية، أو ربما حفاظاً على سلطتها، رسّخت ذلك التشرذم التشريعي، فكانت أداة ضد تماسك الدولة، بعلم أو بغير علم.
تشريعه السياسي لا يعني فقط آراءه السياسية، بل يعني: كيف يتعامل مع المواطنين الآخرين على مدار اليوم؟ كيف يتعامل الرجل مع النساء؟ وكيف يتعامل مع أصحاب الديانات الأخرى؟ هذا سياسة لأن المواطنة عماد من أعمدة الدولة الحديثة، والتفرقة بين المواطنين تحدٍّ لها وللقانون المعلن فيها. صارت تلك السلطة المناوئة قادرة على حجز الدولة عن تنمية السياحة، بتحويل المواطنين إلى أعداء للضيوف. وصارت قادرة على منع الدولة من إقامة تحالفات خارجية قوية، لأنها امتلكت سلطة التشريع بشأن من تحالف ومن تعادي. صارت قادرة على شن حروب داخلية صغيرة في خلاف حول بناء دار عبادة، أو حول زيجة. صارت قادرة على تنصيب نفسها شرطة بديلة تطارد مواطنات لم يخالفن قانون الدولة فيما يرتدين وما لا يرتدين.
تفاقمت المشكلة حين ظنت الدولة أن الحل يكمن في منافسة الجماعات الدينية على إثبات التزامها بسلطة التشريع البديل، بدل أن تقول لهم: «لو خالفتم قانوناً واحداً تبنيته، في بناية أو في شارع، لحاسبتكم عليه».
وهذا - بالمناسبة - ليس بدعاً من القول، رغم كل محاولات تضخيم الجدل حوله، حيث القانون ينتصر للتشريع السياسي والاجتماعي المتغير في كثير من أوجه حياتنا، ويتقبله أكثر مجتمعاتنا محافظة، رغم أنها في الحقيقة تخالف نصاً صحيحاً صريحاً. ولدينا أمثلة واضحة.
الاقتصاد المعاصر لم يجعل للعبودية مكاناً. ماكينة إنتاج العبودية - إن جاز التعبير - توقفت. جرّم العالم خطف البشر واستعبادهم، جرّم استعباد الأسرى، جرّم سبي نساء الأعداء. وتقبلنا ذلك، فصار القانون المعاصر في المجتمعات الإسلامية أيضاً يجرّم الاستعباد. ولا نرى غضاضة هنا في مخالفة القانون للنص الديني، بل السواد الأعظم من المسلمين ينفر ممن يتحدث عن سبي النساء، أو الاستعباد.
من هنا يجب أن نخرج سريعاً من نقطة مظلمة في تاريخنا الحديث، حين يعتدي شخص على مواطن آخر، أياً ما كانت صفته، حين ينضم شخص إلى تنظيم إرهابي، أو حتى حين يمنح شخص نفسه سلطة على غيره من المواطنين، ثم يستدعي شيخاً إلى المحكمة ليشهد إلى جانب الجاني، مرسخاً أن التشريع الديني له السبق على قانون البلد، فهذه ثغرة قادرة على تفتيت أي كيان سياسي إلى عدد لا نهائي من الكيانات، بعدد مواطنيه. والأساس هنا أن نبحث في سجل هذا الشاهد، وننظر إلى ما يدعو إليه أو يحرّض عليه. فإن كان فيه ما يخالف القانون نحاسبه بالقانون على جريمته. تماماً كما يطالب بأن يحميه القانون من الاعتداء عليه حين يذهب إلى بلاد غريبة. اعقلها، فكّر فيها بعقلك، ثم توكل.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو