يبدو أن لقاء «فيلا لاغرانج»، في سويسرا مؤخراً، الذي جمع الرئيس الأميركي بايدن ونظيره الروسي بوتين، لم يصلح ما أفسده الدهر، والدليل حالة الاستعداد للمواجهة الحتمية القادمة لا ريب، الأمر الذي دعا وزير الدفاع الروسي، سيرغي شويغو، لأن يصرح ضمن مداخلته في مؤتمر موسكو للأمن الدولي في دورته التاسعة، بأن العالم ينزلق إلى نزاع أخطر من الحرب الباردة، كما أن الوضع في أوروبا قابل للانفجار.
المتطلع إلى الساحة الأوروبية يمكنه أن يدرك حجم المخاوف المثيرة للقلق، لا سيما من قبل حجم الترسانة الصاروخية في أوروبا، ونزوع بعض الدول الأوروبية للتصعيد تجاه روسيا.
الشيء المثير هو أن العسكريين الأوروبيين يعلمون تمام العلم الثمن الفادح للحرب، ومع ذلك تدفع التطورات الجارية هناك، للاعتقاد بأن الجنرالات يخططون للحرب وليس للسلام.
خذ إليك ما يحدث في ألمانيا على سبيل المثال، التي تبدو وكأنها تتجهز لملاقاة الجيوش الروسية، ولم تعد تعمد إلى تفعيل الدبلوماسية.
تمضي ألمانيا قدماً في برنامج إعادة تسلح بدلاً من تعظيم سياسات الحوار والجوار، وتهدف إلى أن تضحى أكبر قوة عسكرية في القارة الأوروبية في غضون سنوات قليلة، ويبلغ حجم الإنفاق العسكري الألماني نحو 85 مليار يورو، وهو ما يتجاوز حجم الإنفاق العسكري الروسي بشكل كبير.
عطفاً على ما تقدم، فإن إحياء الميثاق الأطلسي من جديد بين بريطانيا والولايات المتحدة، وخطط نشر حائط صواريخ الناتو بالقرب من روسيا، جميعها تشي بأمر واحد وهو المنزلق المحتمل في أي وقت.
لم تختلف تصريحات الرئيس بوتين عن رؤية وزير دفاعه، ففي كلمته أيضاً في المؤتمر عينه، أشار إلى أن بعض الأطراف تواصل محاولات تمرير مصالحها بالقوة، وتعزيز أمنها على حساب أمن الأخرين.
لا يقف الرئيس الروسي متفرجاً والناتو يقترب الهوينا من حدوده، بل يمضي بعيداً حيث جزر الكوريل الروسية في المحيط الهادي جنوب شرقي روسيا، ليقوم بمناورات هي الأولى من نوعها للروس في مياه المحيط الذي يشكل الدرع الواقي جغرافياً لأميركا من الغرب.
هدف الروس من المناورات هو التدريب على تدمير مجموعات حاملات الطائرات المعادية، وقصف أهداف برية عدة بواسطة الصواريخ المجنحة.
أزعج الروس الأميركيين حكماً؛ الأمر الذي دفع البنتاغون لإرسال حاملة طائرات ومجموعة من سفن المرافقة إلى منطقة المناورات، في حين أخذت وسائل الإعلام الأميركية تشيع أن السفن الحربية الروسية تتدرب على استهداف العدو المفترض على بعد 300 إلى 500 ميل بحري من جزر هاواي.
الأميركيون والناتو بدورهم ليسوا ملائكة، أو فعلة في كرم اليوتوبيا وصناع المدينة الفاضلة، ذلك أن دورهم في مزالق الهاوية معلن وغير خفي... هل أتاك حديث مناورات «نسيم البحر»، التي ستجري بها المقادير في منطقة البحر الأسود، أي على مرمى حجر من روسيا الاتحادية، في الفترة ما بين 28 يونيو (حزيران) الجاري وحتى 10 يوليو (تموز) المقبل؟
هذه المناورة التي تقوم بها البحرية الأميركية هي الأولى من نوعها وستشارك فيها نحو 32 سفينة، و40 طائرة، و18 فريق كوماندوز، ولا تقتصر المساهمة على دول الناتو، بل ستشارك عشرات الدول غير الأعضاء في الحلف، بصفة مراقب.
ما الذي ترمي إليه مناورة «نسيم البحر»؟
تشمل من بين أمور كثيرة التدريب على الحرب البرمائية، وحرب المناورات البرية، وعمليات الغطس، وعمليات الاعتراض البحري، والدفاع الجوي، وتكامل العمليات الخاصة، والحرب ضد الغواصات، وعمليات البحث والإنقاذ.
كيف يمكن أن يكون الانزلاق إلى المواجهة الكونية، إن لم تكن على هذا النسق؛ ما دفع السفارة الروسية في واشنطن لنشر تغريدة جاء فيها «لا يتوافق الحجم والطبيعة العدوانية الواضحة لهذه المناورات بتاتاً، مع المهام الأمنية الحقيقية في منطقة البحر الأسود»، ولاحقاً أكد الروس أن حجم التدريبات يزيد من خطر وقوع حوادث غير مقصودة، ودعوا الولايات المتحدة وحلفاءها للتخلي عن هذه المناورات.
ولعل ما يخيف بالأكثر في حديث المنزلق، هو إدراك الروس أن في المناورات الأميركية – الأوكرانية هذه في البحر الأسود، فرصة ذهبية لتهريب وتسريب أسلحة متقدمة للقوات المسلحة الأوكرانية وكتائب القوميين في دونباس، هناك حيث شرارة الحرب العالمية الثالثة رابضة خلف الباب.
هل يمكن الحديث عن العالم المنزلق، من غير التوقف ولو بإشارة عاجلة إلى موقع وموضع الصين؟
مؤخراً، وفي زيارة لها لجزيرة «غوام» غرب المحيط الهادي، والتي تعتبر أكبر حاملة طائرات أميركية على الأرض، صرحت وزيرة الدفاع الألمانية، إنغريت كارينباور، بالقول «نحن نقاتل جنباً إلى جنب من أجل الديمقراطية والحرية والنظام القائم على القواعد في أوروبا، العدو هو روسيا، وهنا بالأحرى الصين».
هنا بالأحرى، أي في غوام، الجزيرة الأميركية المعسكرة، التي تعد رأس الحربة في مواجهة الصين، تستعد واشنطن لموقعتها القادمة مع بكين في البحار حول العالم، ولا يغيب عن استخبارات البحرية الأميركية إشكالية الغواصات الهادئة التي تطورها الصين، وما يمكن أن تحدثه من خسائر فادحة في بحرية الولايات المتحدة.
ما الذي يستدعي تصريح رئيس هيئة الأركان الروسية، فاليري غراسيموف، بأن «بلاده تحتفظ بالحق في استخدام الأسلحة النووية للرد على أي عدوان عسكري»؟
الخلاصة... الناتو لن يتخلى عن سياسة ردع موسكو في فضاء ما بعد الاتحاد السوفياتي، وهو ما يدركه الرئيس بوتين ويتهيأ لمواجهته، ما يعني أن النموذج الصدامي ماض بمقدرات جبرية، إلا ما رحم ربك.
8:22 دقيقه
TT
من الهادي إلى الأسود... عالم منزلق
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
