السعودية.. وتجار الغضب

السعودية.. وتجار الغضب

الأحد - 10 ذو القعدة 1442 هـ - 20 يونيو 2021 مـ رقم العدد [15545]
طارق الحميد
إعلامي و كاتب سعودي ورئيس تحرير سابق لصحيفة «الشرق الأوسط»

من يتأمل المشهد السعودي يلمح بوضوح حملة ترويج مستمرة للغضب، من قبل من أسميهم «تجار الغضب»، عبر وسائل التواصل، والأكثر وضوحا وخطورة «الوتساب». أمر يلحظه المتخصص. ومما تعلمته، بهذه الصنعة، خشية العقل الجمعي!
القصة أن في السعودية حملة شبه يومية منظمة لتصعيد «ترند»، بلغة تويتر، اعتراضا على أمر ما، أو «على أي شيء»، تارة كتاب، وأخرى «تغريدة»، ناهيك من محاولات الاغتيال المعنوي.
ويتضح ذلك بحالة أي حدث اجتماعي تكون ردود الفعل فيه متباينه ليس لحق النقد، وإنما لعدم التخصص والمعرفة المفصلة، وأبسط مثال موضوع مكبرات الصوت بالمساجد، وهي مسألة ليست بالجديدة، وإنما من ثلاثة عقود، وعطلت بسبب التحشيد، والتعطيل المبطن، الذي يحاول البعض إعادته للسعودية الآن عبر هذه الحملات.
وهذه الحملات لا تعكس وجهة نظر حقيقية بقدر ما أنها عمل حركي منظم الهدف منه إدارة الغضب، وتصعيده، وبحال لم تؤت الحملات أكلها، فإنها بمثابة التمارين التعبوية اليومية لتجويد العمل الحركي الخفي بالسعودية، ومن خارجها، على أمل الوصول للهدف.
ويخطئ من يقلل من خطورة حملات ترويج الغضب هذه. ولاستيعاب خطورتها علينا تأمل مثالين هنا، الأول من فيلم وثائقي لفهم «الشعبوية» في الغرب، ومعرفة أدواتهم في تحريك الرأي العام.
في الفيلم الوثائقي «ذا برينك»، أو «الحافة»، وهو من أهم الوثائقيات التي تشرح ذلك من خلال رصد عميق لمنظر الشعبوية ستيف بانون، المدير السابق لموقع «بريتبارت نيوز» الإخباري اليميني المتشدد، والذي شغل منصب كبير المستشارين الاستراتيجيين لترامب.
في الفيلم يسأل ستيف بانون، على خلفية حضور جماهيري كبير لندواته، ومؤتمراته: «ما الذي يشترك فيه كل هؤلاء الأشخاص والجماعات والأحزاب السياسية؟ ما الذي يحفزهم؟» فيقول بانون: «الكراهية هي الدافع». مضيفا: «الغضب يحفز».
والمثل الثاني، بالنسبة لمنطقتنا، ما كتبه سيد قطب، كبير تجار الغضب، بمقاله «مدارس للسخط» في مجلة الرسالة العدد 651 بتاريخ 30 سبتمبر (أيلول) 1946، وأشار لها الزميل عبد الله بن بجاد بمقال مفصل بهذه الصحيفة.
يقول قطب بمقاله: «لو وُكل إليّ الأمر لأنشأت ضعف هذه المدارس التي تنشئها الدولة لأعلم فيها الشعب شيئا واحدا هو السخط. لو وكل إليّ الأمر لأنشأت مدرسة للسخط على هذا الجيل من رجال السياسة... ومدرسة للسخط على أولئك الكتّاب والصحافيين الذين يقال عنهم إنهم قادة الرأي في البلاد... ومدرسة للسخط على أولئك الوزراء».
وهذا ما يحاول البعض فعله بالسعودية الآن بشكل يومي عبر وسائل التواصل، وخصوصا «الوتساب»، ومن خلال حملة منظمة تستهدف صغار السن، وجماهير غير متخصصة بفرز مصداقية الأخبار، والخطورة أنهم، أي غير المتخصصين، يقومون بإعادة إرسال تلك الرسائل عبر جروبات «الوتساب» الذي قيد قبل فترة خاصية إعادة النشر المفتوح للحد من الأخبار المزيفة، وجهود الشعبويين بالغرب.
يحدث كل ذلك من قبل «تجار الغضب»، وعن عمد والهدف التأليب، وكذلك استمرار التمارين التعبوية، وللقول إن هناك رأيا عاما مختلفا، والحقيقة أن غلبة الحركيين، الكوادر المنظمين، أعلى من أصوات الأغلبية الصامتة حتى إن كانت واعية أو حذرة.
ولذا وجب الحذر.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة