تُهاجر... تَهجُر أيضاً

تُهاجر... تَهجُر أيضاً

الأربعاء - 28 شوال 1442 هـ - 09 يونيو 2021 مـ رقم العدد [15534]
سمير عطا الله
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.

أقرأ دائماً عن الطيور لأنها عالم غريب يحيط بنا. لا نعرف عنه شيئاً. وأيضاً من أجل أن أحسن التصرف مع بعض الضيوف اللطفاء الذين يثابرون على زيارة الحديقة. زيارات خفيفة، سريعة، ودائماً ملحنة ومغناة. وفي أحيان كثيرة لغايات واضحة: تناول الفطور أو الغداء على شجرة «أكيدنيا» أو رمان، أو بعض الحبوب المنزلية. وقد ألفت العصافير أمان الحديقة، فصارت تبني أعشاشها في أغصان الشجر، حاملة القش، على الأرجح، من حقل قريب.
لا يأتينا سوى ثلاثة إلى أربعة أنواع من هذا الخلق المفرح، ولا نعرفها بأسمائها، بل بأصواتها. الصغير منها، ألحان ألحان وألوان ألوان. والكبير منها مكفهر ملهي بالبحث عن زاد وبذور. غير أن العلماء أحصوا حتى الآن 11000 نوع من الطيور، كثير منها أكثر ذكاء من الإنسان. ومعظمها طيور مهاجرة، تلاحق الشمس والدفء في الشتاء، ولها ذاكرة عجيبة في معرفة الأمكنة التي خزنت فيها بذورها، وتذكر «محطاتها» البرية في الذهاب وفي الإياب.
أنواع كثيرة من الطيور أصبحت تتحاشى التحليق في أجواء لبنان، حيث يخرج عليها اللبنانيون برشاشات الكلاشينكوف للتمتع بقتلها، مع أن لحمها لا يؤكل. وكنت أعتقد أنها عادة لبنانية حصرياً، لكنني قرأت أنها توحش عالمي، خصوصاً في حوض المتوسط، وخصوصاً مصر ولبنان ومالطا وقبرص. كل عام يذهب ضحية هذه الهواية السادية 500 مليون طير.
تعرف الطيور خرائط عالمها أكثر من الإنسان. وتسافر من ولاية ألاسكا الباردة إلى نيوزيلندا، بلاد جاسيندا أردرن، قاطعة 7 آلاف ميل، من دون خطأ واحد. وتبذل في ذلك جهداً جسدياً و«عقلياً» لا حدود له. وليس صحيحاً أبداً المثل القائل إن «عقله صغير مثل عقل عصفور».
بعض الطير يصطاد السمك تماماً مثلما يفعل الإنسان. يرمي في النهر قطعة صغيرة من الخبز ولا تلبث هذه أن تنتفخ فتندفع السمكة نحوها، ويتولى هو الانقضاض عليها. السنارة هنا هي المنقار، وهو ليس أقل سرعة.
كان لي أيام الصبا (البعيدة جداً الآن) صديق في القرية تعرض لحادث طبي شل إحدى ساقيه. ورغم علته، درب نفسه على الحياة بساق واحدة وجعل الثانية عصاه. وفي جملة قدراته كان الذهاب إلى الصيد.
ذات يوم التقط حجلاً صغيراً عاد به إلى البيت وأخذ يدربه كما تدرب السعادين والدببة: نم على ظهرك، نم على جنبك، اقفز، اتجه شمالاً، جنوباً، وما إلى ذلك. ومع الوقت صار الحجل ينام في غرفته ويوقظه في الصباح. وينادمه طوال النهار. وإذا قرع أحد باب منزله قفز الحجل متأهباً «لتفحص» الطارق. وذات يوم عبث الحجل بأثاث الدار. فغضب صاحبه وراح يؤنبه بصوت عال. تراجع الطير في حزن، وغادر المنزل حزيناً. ولم يعد.
نحن، في الحديقة، نتجنب تماماً إزعاج ضيوفها الطائرة. نريدها أن تبقى، وأن تغني...


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة