اليمن.. خطة إنقاذ عربية

اليمن.. خطة إنقاذ عربية

الأحد - 11 جمادى الأولى 1436 هـ - 01 مارس 2015 مـ رقم العدد [13242]
عبدالله بن بجاد العتيبي
كاتب سعودي مهتم بالشّؤون السّياسيّة والثّقافيّة، وباحث في الحركات والتّيارات الإسلاميّة

بعد سقوط المبدأ الدولي «عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى» في العالم، وتحديدا في منطقة الشرق الأوسط، وبعدما عاثت الجمهورية الإسلامية في إيران فسادا وتدخلا في الشؤون الداخلية لعدد من الدول العربية، وبعد تعدي الجماعات الإرهابية المسلحة بإلغاء الحدود بين الدول أو التهجم عليها، أصبحت الدول العربية من منطلق حماية النفس ورعاية المصالح الكبرى مضطرة للتدخل في شؤون دول «استقرار الفوضى» في المنطقة: الأردن في العراق وسوريا، ومصر في ليبيا، وربما دول الخليج في اليمن.. وذلك عبر بناء تحالفات لكل قضية تتناسب مع متطلباتها، وذلك ضمن التحالف الكبير الذي يجمع دول الاستقرار العربية.
كان خروج الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي من صنعاء واستقراره في عدن حدثا كبيرا، وهو ما شكّل ضربة قاصمة لطموحات الحوثي ومن ورائه إيران. لقد بدا للجميع حجم الورطة التي أوقع الحوثي فيها نفسه وأوقعه فيها سادته في إيران وذلك باستيلائه على صنعاء وانقلابه على الدولة والشرعية، مع عجز تام عن إدارة الدولة جعله يتوسل الوزراء السابقين أن يعودوا إلى إدارتها، ثم لجأ لتهديدهم باتهامهم بالخيانة دون جدوى.
حليف الحوثي علي عبد الله صالح رمز الفساد وإعاقة التنمية في اليمن مني كذلك بخيبتين؛ الأولى، المعلومات التي نشرتها الأمم المتحدة والتي تقدر ثروته بستين مليار دولار، والتي تعادل ميزانية اليمن لسنوات طوال، والتي تنبئ بتحركٍ دولي ضده.. الثانية، تخلّي الحوثي عنه بعد إتمام انقلابه المسلح.
يمنيا، وضمن حملة الإرجاف الإخوانية التي انطلقت مؤخرا لتفريق شمل الدول العربية، فقد بدأ البعض يطرح أنه لا حلّ في اليمن إلا بالاستعانة بجماعة الإخوان المسلمين، وهو في الحقيقة طرحٌ يراد به أن كل مشاكل المنطقة لن تستطيع الدول العربية حلها إلا بالتعاون مع جماعة الإخوان المصنفة رسميا إرهابية في السعودية ومصر والإمارات، وهو طرح يعتمد على أن «الإخوان المسلمين» خصومٌ لإيران ومشروعها في المنطقة، فهل «الإخوان» أعداء لإيران؟
الجواب تاريخيا هو بالتأكيد لا، بل هما كانا حليفين منذ تأسيس جماعات الإسلام السياسي في الجانبين السني والشيعي، وتحديدا الجماعة الأم في مصر، وهذا لا ينفي ما طرأ على العلاقة من فتورٍ أو تنافرٍ مع بعض فروع الجماعة في سوريا والعراق واليمن، وأوضح مثال على إحراج الجماعة لبعض فروعها في مواقف سياسية مهمة هو وقوف الجماعة مع غزو صدام حسين للكويت 1990، مما أحرج فروع الجماعة في دول الخليج.
ومن السؤال السابق ينبع سؤال آخر وهو: هل جماعة الإخوان وتنظيم القاعدة عدوّان لجماعة الحوثي؟ والجواب أنهم جميعا في الأصل حلفاء يجمعهم مشروع واحد هو محاولة الاستيلاء على السلطة بأي طريقة، واحتكار تمثيل الإسلام، ومن هنا فإن أحد أهم ما يجمع الثلاثة هو العداء الصارخ للمملكة العربية السعودية، ذلك أنها تمثل المشروعية الدينية الأقوى لتمثيل الإسلام، ونستطيع بسهولة تذكر تصريحات «الإخوان» قديما وحديثا التي كانت تصب في عداء السعودية، وتنظيم القاعدة كانت السعودية على رأس أولوياته في الإرهاب والتخريب، وقد أنشأ في السعودية أحد أخطر تنظيماته على الإطلاق، وقد ورث تنظيم داعش «القاعدة»، ومما ورثه العداء السافر للسعودية، فزعيم التنظيم أبو بكر البغدادي في كلمته الثانية المسجلة لم يتعرض لإيران ببنت شفة، بينما تهجم على السعودية بحقدٍ ظاهرٍ، وتنظيمه لم يستهدف من دول جوار سوريا والعراق سوى حدود السعودية الشمالية التي هاجمتها «القاعدة» في الجنوب من قبل، وآلته الإعلامية تصب جام غضبها وتحريضها على السعودية.
والموقف ذاته تتخذه الجمهورية الإسلامية في إيران، وتابعها الحوثي في اليمن، فمبدأ «تصدير الثورة» كان المقصود به السعودية والدول العربية، وتنظيرات حسين الحوثي في دروسه لتفسير القرآن مليئةٌ بالتهجم على السعودية ومناصبتها العداء، كما أن الحركة فعليا اعتدت على الحدود السعودية في 2009 وكان الرد عليها قاسيا، وللربط فقد قامت جماعة الإخوان المسلمين آنذاك بتأييد الحوثي ضد السعودية وذلك على لسان مرشدها العام مهدي عاكف وعصام العريان القيادي بالجماعة.
هذه الحركات والجماعات التي تمثل الإسلام السياسي بشقيه السني والشيعي هي جماعات وأحزاب ليست لها أي علاقةٍ بالفقه القديم والعلوم الشرعية التقليدية، فكلها خرجت من تنظيرات جديدة كليا بدأت في القرن العشرين وتحمل فكرا سياسيا يطمح للسلطة بأي سبيلٍ ويستغل الدين لتلبية ذلك الطموح.. أدبياتها متشابهةٌ وآيديولوجياتها متقاربة وأهدافها متماثلة مع اختلافات تفرضها معطيات متعددة.
وكما طرح سيد قطب التفسيرات التراثية لنص القرآن، فقد طرح الخميني الفقه التقليدي الاثني عشري، وفرض نظريته في «ولاية الفقيه»، ومثلهما فعلت «القاعدة» ومنظروها، وكذلك صنع حسين الحوثي في انقلابه على المذهب الزيدي ورفضه لفقهه وعلمائه.
لقد خاض فقهاء الزيدية معركة طويلة مع الحوثي وتياره الجديد كيفما تشكل وتسمّى، وأصدروا تحذيرات من انحرافه نحو الاثني عشرية بعد دراسته في إيران. فقد قال عنه الشيخ مجد الدين المؤيدي: «إن ظاهرة الحوثية غريبة على المجتمع اليمني المسلم.. بعيدةٌ كل البعد عن المذهب الزيدي». وقال الفقيه الزيدي محمد عبد العظيم: «هم أنفسهم يتسمون بالحوثيين أو أنصار الله ويدعون أنهم أصحاب مسيرة قرآنية لا مذهبية، والواقع أنهم طلاب سلطة، متهالكون في الاستخفاف بالدماء».
في خطبة له بثت الخميس الماضي، هاجم عبد الملك الحوثي الرئيس والأحزاب اليمنية، كما هاجم السعودية كما هي عادته واعتبرها «من أهم المعادين لبلاده»، وهي خطبة تدل على الحيرة وإن حاول إخفاءها بالتهجمات والتهديدات.
لم يعد الحوار في اليمن حلا سحريا لا ينقصه إلا بحث الفرقاء اليمنيين عن مقر له في تعز أو عدن، فاليمن اليوم بحاجة لخطة إنقاذ عربية مدعومة دوليا، وعلى الفرقاء اليمنيين أن يشاركوا فيها ويدعموها، فالقوى اليمنية المتعددة تمثل الشعب اليمني أكثر بما لا يقارن مع الحوثي وجماعته.
دوليا، مواقف الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن ترفض انقلاب الحوثي وتدعم شرعية هادي، ووزير الخارجية الأميركي جون كيري صرّح بأن «الدعم الإيراني للمتمردين الحوثيين أسهم في سيطرتهم على هذا البلد وانهيار الحكومة فيه»، وهذا الموقف قابل للتوسع في حال وجود خطة الإنقاذ العربية.
أخيرا، ينبغي أن تشتمل الخطة على خريطة طريق تنطلق من المبادرة الخليجية، فتجمع الأحزاب والقوى اليمنية على هدف واضح هو استعادة الدولة، وتطعم القوى الحالية بقوى وشخصيات سياسية ذات ثقل معتبر، ويتم بناء تعاون مع رجال سياسة وزعماء قبائل وفقهاء ووجهاء من المذهب الزيدي، وذلك لتعرية الحوثي ونبذه في بيئته الحاضنة.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة