هل من سلام بعد حرب غزة؟

هل من سلام بعد حرب غزة؟

الخميس - 15 شوال 1442 هـ - 27 مايو 2021 مـ رقم العدد [15521]
هدى الحسيني
كاتبة صحافيّة ومحللة سياسية لبنانيّة.

في الوقت حيث العالم يعزي وحزين على ضحايا غزة ودمارها، تدور مهرجانات الاحتفال بالنصر في دول الممانعة العربية وغيرها. اختصر أحد العرب المدركين الوضع، فكتب: حفل النصر - الوهمي الذي تقيمه «حماس» كل عام، لم يتغير، غزة أكثر دماراً، والفلسطينيون أكثر بؤساً، وفلسطين لم يُحرر منها شبر. وأضاف: طبيعي جداً أن يقال عن دمار غزة نصر، قالت إيران عن تدمير سوريا حماية مراقد، وعن احتلال العراق تحريراً، وعن إفلاس لبنان صموداً، وعن تخريب اليمن ثورة.
الآن ونفوس المنتصرين لم تهدأ بعد، لنتكلم بصراحة عما حصل وعما سيحصل، وسأترك لمحدثي الدبلوماسي الغربي المخضرم أن يحلل ويروي ما جرى، الاعتراف الأول الذي يوافق عليه كثيرون حتى من العرب المنتصرين، أن كل هزيمة لـ«الإخوان المسلمين» أمر جيد للإنسانية. لقد لحقت الهزيمة بـ«حماس» وسيتظاهر كثيرون بالتضامن مع الفلسطينيين، لكن هذا مظهر سطحي لأن «الإخوان المسلمين» أعداء كل الأطراف، وكانت حربهم في الحقيقة موجهة ضد منظمة «فتح». بين الخاسرين إيران التي تدعم «حماس»، صارت تدرك بعد هذه المعركة أن الإسرائيليين يمتلكون تقدماً ملحوظاً في التجسس وقوة جوية لا تضاهى.
إسرائيل قصّرت في حرب لبنان الثانية، لكنها نجحت في هذه العملية وأظهرت ما يمكن أن يفعله سلاح الاستخبارات وسلاح الجو. من ناحية أخرى ورغم المفاجأة، إسرائيل لم تتأثر بردة فعل عرب إسرائيل. هناك أعداد كبيرة من هؤلاء يريدون الاندماج في المجتمع الإسرائيلي ومشكلتهم وجود أقلية لا تريد الاندماج فتضطر الأكثرية إلى التضامن معها. هناك أيضاً يهود متطرفون. القيادة الفلسطينية اعتبرت هؤلاء أبطالاً فزعزعت الاندماج مع اليهود.
أسأله: هل سيتأثر عرب إسرائيل اقتصادياً بعد هذه المعركة؟ يقول، في البداية كثيرون سيتضررون، وقد يستمر هذا لسنتين أو ثلاث. أما الثقة فستأخذ وقتاً أطول. وأسأل، هل تعني أنهم سيطالبون بالترحيل؟ يجيب: هذا هراء. هذا مستحيل، حتى الذين يريدون ذلك يعرفون أنه غير ممكن وغير واقعي. إسرائيل لا تستطيع فعل هذا والكل يعرف أنها لا تستطيع تحقيقه. ثم إن أهم ما يمكن أن يحصل عليه عرب إسرائيل هو الهوية الإسرائيلية. إن حياة العربي تحت الاحتلال الإسرائيلي أفضل عشرة أضعاف من حياة العربي الحر في لبنان، أو سوريا أو العراق أو اليمن.
أقول له، إن إسماعيل هنية رئيس «حماس» شكر إيران لإعطائهم كل هذه الأسلحة، كيف استطاعت إيران رغم الحصار تهريب الصواريخ؟ يوضح، أن أهم ما أعطته إيران هو المعرفة والتدريب. الإيرانيون متقدمون جداً فيما يتعلق بالصناعة العسكرية ويجب ألا نستهين بذلك، وإذا دربتِ الناس في غزة كيف يصنعون قذائف من أنابيب نقل المياه التي تركتها إسرائيل هناك عام 2005، وكيف يحولون الأسمدة ومواد أخرى إلى متفجرات تكون هذه هي النتيجة. لقد درّب الإيرانيون الغزاويين في إيران وفي لبنان بالتعاون مع «حزب الله»، لكن ما خسرته إيران و«حزب الله» في السنوات الأخيرة لا يمكن تعويضه. يوضح: أنا أتحدث عن اللواء قاسم سليماني قائد «فيلق القدس» الذي لا بديل له، وعن عماد مغنية الذي كان اغتياله خسارة جسيمة لـ«حزب الله»، وأيضاً محسن فخري زاده.
يقول محدثي، يجب أن نعرف أن إيران أقامت أول شبكة إرهاب عالمية في التاريخ، حتى الاتحاد السوفياتي لم يكن لديه بنية إرهاب دولية، كانت لديه بنية تحتية للتجسس وليس بنية تحتية للإرهاب، لقد حاول الإيرانيون اغتيال السفير السعودي في واشنطن (عادل الجبير).
أقول، إذا كانت إيران تعطي المعرفة للغزاويين، فكيف يمكن التعامل مع هذا الواقع؟ يجيب، تدور في إسرائيل مناقشات لتغيير سياستها من الآن فصاعداً واعتبار كل حركة لافتة في غزة هدفاً، بمعنى ألا تنتظر الرد عندما تطلق «حماس» صواريخها، بل عندما تتوفر لها المعلومات الكافية حول مصنع ينتج الصواريخ فإنها ستقصفه فوراً، وقد أبلغت الدول المعنية بذلك، هذا قد يسبب بضعة أيام من القتال، لكن النتيجة هي تدمير متواصل لقدرة «حماس». يضيف، واعترف كثيرون من المحتفلين بالنصر، أن إسرائيل دمرت في أيام الصراع الأخيرة قدرة «حماس» وستبقيها تحت تهديد التدمير.
ما كان دور إيران في المعركة الأخيرة حيث تبادلت «حماس» وخامنئي التهاني؟ يجيب: تعرف إيران أن إدارة الرئيس جو بايدن تريد تفعيل الاتفاق النووي معها، رغم سلبيته وخطره، لكن لا يمكن إيقافه؛ لأن أميركا مصرّة عليه، من هنا أعتقد أن الدافع لإيران للاشتباك في حرب مع إسرائيل ارتفع بقوة مع مجيء الإدارة الجديدة، خصوصاً أن إسرائيل تضرب أهدافاً إيرانية منذ أربع سنوات وإيران لم ترد لاعتقادها بأن الرئيس السابق دونالد ترمب سيكون إلى جانب إسرائيل. الآن إيران ترغب في الحرب على أساس أن الرئيس بايدن لن يتدخل. لكن، أسأل، إذا كانت إيران راغبة في حرب مع إسرائيل، أين ستقع وكيف؟ يجيب بسرعة: في سوريا. إن الإيرانيين يريدون أن تكون لهم حدود مع إسرائيل من دون أن يكون لإسرائيل حدود معهم. وإذا استطاع الإيرانيون استعمال قذائف وصواريخ «حزب الله» – صواريخ صنعت في سوريا – عندها ستكون هناك حرب في لبنان وسوريا وغرب العراق، حيث يقاتل الإيرانيون إسرائيل من دون أن تتأثر إيران. هذا أملهم. (وقد أثبت هذا التفكير أمين عام «حزب الله» حسن نصر الله في خطابه يوم الثلاثاء عندما قال، إن المعادلة التي يجب أن نصل إليها هي: القدس مقابل حرب إقليمية)! وأعود إلى الدبلوماسي الغربي الذي أضاف، أن إسرائيل وآخرين معها سيعملون على منع إيران من الوجود في سوريا وغرب العراق ولبنان بجعل الصواريخ غير فعالة. إسرائيل بدأت في تنفيذ هذه الخطة في سوريا وغرب العراق، وقد تفعلها في لبنان إذا ما بلغتها معلومات عن خطوات تطويرية كبيرة لصواريخ «حزب الله»، عندها سيكون لإسرائيل دافع القيام بحرب وقائية ضد «حزب الله»، والطريقة الوحيدة لكسب هذه الحرب هي تدمير كل لبنان؛ لأن الحزب يتغلغل في مناطق كثيرة ومتفرقة. أيضاً، هناك احتمال حرب إذا تجرأ «حزب الله» بشن حرب على إسرائيل هرباً إلى الأمام من وضع لبنان الحالي. أجزم أنا بأن «حزب الله» لن يشن حرباً ضد إسرائيل، يجيب: لا أحد يعرف، اذهبي وأقنعي إسرائيل بالأمر! وعلى كلٍ، يمكن لإيران استفزاز إسرائيل بإطلاق صواريخها من لبنان متوقعة أن إسرائيل سترد وعندها يدخل «حزب الله» في الحرب.
وماذا سيحصل؟ يقول: قد يحاول بايدن أن يسيطر على إسرائيل، لكن الأخيرة ستتحدى النصيحة الأميركية حتى لو كلفها ذلك الدعم العسكري؛ لأنه إذا سُمح لإيران أن تفعل ذلك فإنه يهدد مصير إسرائيل على المدى الطويل.
وهل تعتقد أن العلاقة الآن بين إسرائيل وأميركا ستتحسن أم ستتدهور؟ إنها وثيقة جداً يقول، يجب أن نتذكر أمرين؛ الأول: أنه من الصعب جداً على إسرائيل معاداة أميركا، والآخر: إذا قررت أميركا أن تترك الشرق الأوسط فإنها تحتاج إلى إسرائيل أكثر بكثير من السابق؛ لأن الطرف القوي في الشرق الأوسط، خارج أميركا، هو إسرائيل. يواصل: من المؤكد أن إسرائيل تحتاج إلى أميركا أكثر من حاجة أميركا إليها، لكن إذا التفتت أميركا إلى الصين فعلى من تترك الشرق الأوسط؟ العرب لا يثقون بأميركا، وفي الواقع هناك قوتان في الشرق الأوسط، إسرائيل وإيران.
أقول، لقد قال الجنرال كينيث ماكينزي، إن إسرائيل ستندمج مع القيادة الأميركية الوسطى يجيب، إن هذه القيادة مسؤولة عن إسرائيل والأخيرة ترفض أن تكون جزءاً من تحالف عسكري مع أميركا؛ لأن مثل هذا التحالف يحد من تحركاتها. إسرائيل تريد أن تبقى مستقلة، تريد تحالفاً وتكتفي بالعلاقات الوثيقة.
أقول له، إن مصر تدعو إلى مؤتمر سلام بين إسرائيل والفلسطينيين، يرد بسرعة، لن يكون هناك سلام في الشرق الأوسط. من الجميل أن يكون هناك سلام، لكن، هل هناك سلام في سوريا، أو العراق، أو لبنان، أو السودان... الخ. دليني على مكان في الشرق الأوسط فيه سلام؟ إذن، ماذا تريد إيران من الشرق الأوسط؟ يقول: الهيمنة، العالم العربي ضعيف وإيران بعد أن تعرضت لدول عربية عدة، تعتقد أنها تستطيع السيطرة على المنطقة ليس بشكل مباشر إنما عبر العملاء. وهذا خطر على إسرائيل وأوروبا وأميركا. ومن يستطيع إيقافها؟ يقول: إسرائيل وأميركا، إسرائيل بدعم من أميركا. وماذا سيحصل الآن؟ يرد: لا حل لغزة. لكن الموقف الاستراتيجي لإسرائيل تحسّن بشكل ملحوظ نتيجة هذه الحرب.
لكن كيف يبرر «الإخوان المسلمون» السنّة التنسيق مع إيران الشيعية؟ الجواب: لأن الأهم بالنسبة إليهم من يستطيع أن يهزم إسرائيل والغرب.
عادت الدول تدعو إلى حل الدولتين، يقول كل من يتكلم عن حل في الشرق الأوسط لا يفهم المنطقة. تعني لا مستقبل؟ يأتيني جوابه كسؤال: هل وجدتِ حلاً لمسألة أننا كلنا سنموت في النهاية؟ لكن ماذا يحدث عندما تكون لديك حياة وأنت بكامل الصحة والنجاح وكذلك أولادك وأحفادك؟ هذه حياة جيدة حتى لو لم تجدي حلاً. ينهي، إن الكل يمكن أن ينجح من دون سلام.
في حديثه إلى قناة «سكاي نيوز» الإنجليزية رفض من ناحيته محمود الزهار، أحد قادة «حماس» الكبار المقربين جداً من إيران، حل الدولتين وأيضاً حق إسرائيل في الوجود. وبهذا تتساوى «حماس» مع إسرائيل. المستقبل أسود.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة