هل تنتهي فورة البتكوين بسبب الطاقة؟

هل تنتهي فورة البتكوين بسبب الطاقة؟

الخميس - 9 شوال 1442 هـ - 20 مايو 2021 مـ رقم العدد [15514]

في سنة من السنوات الماضية، عندما كانت «بتكوين» تتداول عند 5 إلى 6 آلاف دولار، سألني صديق عن رأيي في الاستثمار في هذه العملة الرقمية المشفرة، وكنت حينها لست ذا اطلاع واسع بها، ولكن ما أعرفه عن مشكلاتها التقنية جعلني ضدها، حيث كانت شبكة إنتاج البتكوين القائمة على تقنية بلوكتشين التي ولدت مع ظهور البتكوين مليئة بالمشكلات والاختراقات، وضاع بسببها أكثر من مليون قطعة بتكوين، وهذا أمر طبيعي يصاحب ولادة أي تقنية جديدة. الأمر الآخر الذي جعلني أنصح ذلك الصديق بعدم الدخول فيها هو عدم وجود تشريعات تدعم تداول مستقبل هذه العملة، وهذا أمر لم يتغير حتى اليوم.
لم أتنبه كثيراً حينها لحجم استهلاك البتكوين للطاقة الكهربائية، ولم أكن أهتم كثيراً في السابق بهذا الأمر على كل حال، لأني لم أكن من أنصار الطاقة المتجددة، بسبب استخدامها بصفتها وسيلة لمحاربة الدول النفطية من قبل دول شربت من النفط حتى الثمالة، وطورت بمساعدة الوقود الأحفوري صناعات وثروات ضخمة. لكني اليوم أؤمن بالطاقة المتجددة، وبأهمية التحول التدريجي لها من دون زعزعة أي من الاقتصاد الناشئة أو الدول الأقل نمواً، وهذا ما جعلني أزيد من انتقادي للبتكوين التي في نظري ليست عملة أكثر ما هي أصل من الأصول عالية المخاطر التي لا يضير صاحب أي محفظة الدخول فيها بنسبة معقولة. وبحسب موقع «ووبول» المتخصص في إحصائيات البتكوين، فإن تذبذب هذ الأصل المشفر بين 2012 و2020 فاق كل التذبذبات في الذهب والنفط والأسهم الأميركية والأصول العقارية في أميركا، وسعر الصرف بين الدولار واليورو، مما يجعلها أكثر الأصول تذبذباً في العالم.
إن العملات في هذا الزمن مرتبطة بالسيادة، ولسنا في زمن المقايضة حتى يخترع مجموعة من الأشخاص نظاماً مثل البتكوين يتداولونه رقمياً. وبما أن البتكوين لم ترتقِ لاعتراف الدول بها، والسماح بالبيع والشراء بها رسمياً، فسوف تظل أصلاً من الأصول المشفرة (crypto assets) حتى تتغير البيئة التشريعية والقانونية لها.
كل هذا لا يمنعني من الاعتراف بأن البتكوين حققت مكاسب كبيرة هذا العام، وتخطت حاجز الستين ألف دولار، وأصبحت جاذبة للمستثمرين، ومصدر حسرة لكثير من الذين تمنوا الدخول فيها عندما كانت الأسعار معقولة، لكن ما مستقبل هذا الأصل المشفر؟
لنضع الحديث جانباً عن الجوانب التشريعية، على الرغم من أنها أدت إلى انهيار سعر تداول البتكوين، بعد أن رفضت الصين الاعتراف بالبتكوين والعملات الرقمية كافة، وأصدرت تحذيرات للمستثمرين حول الدخول فيها، ولنتناول جانباً واحداً رئيساً مهماً جداً، وهو كمية الطاقة التي يتم استهلاكها لإنتاج البتكوين، والتي جعلت الملياردير الأميركي إيلون ماسك يعلن قبل أيام أن شركة «تسلا» للسيارات الكهربائية تخلت عن قبول عملة البتكوين لبيع سياراتها، بسبب الاستهلاك الكبير للطاقة في إنتاج البتكوين الذي يساهم في زيادة الطلب على الوقود الأحفوري.
وقبل أن ندخل في الأرقام والإحصاءات حول استهلاك البتكوين للطاقة، فلنتحدث قليلاً من أين يأتي الاستهلاك. إن عملية صك البيتكوين (mining) عملية حسابية معقدة باستخدام خوارزميات تحتاج إلى جهاز حاسب آلي ليقوم بها. وبعد كل عملية معقدة تعرف باسم الهاش ريت (hash rate)، يصدر رقم بدايته 4 أصفار، ويكون هذا الرقم بداية مكعب حجمه واحد ميغابايت يضاف إلى سلسلة من المكعبات المماثلة التي تكتمل لتكون حلقة بلوكتشين. هذه الحلقة تكون عملة البتكوين، أو أي عملية مصرفية أخرى، إذ إن المكعب عبارة عن وعاء فارغ بإمكاننا ملؤه بما نريد من بيانات ومعلومات. ولكن للوصول إلى هذا الرقم التسلسلي الذي يبدأ بـ4 أصفار، تتسابق مجموعة كبيرة من الأجهزة على شبكة بلوكتشين لإنتاجه، والذي يحصل على الرقم قبل الجميع يستطيع إرساله للشبكة، وبعد مصادقة أكثر من جهاز على صحة معلومات الرقم التسلسلي أو المفتاح العام للمكعب، يتم دمجه مع سلسلة بلوكتشين قائمة، وبذلك يحصل جميع من صادقوا على نسبة من البتكوين مكافأة لهم. وهذا كان بفضل تصميم مؤسس هذه التقنية، ساتوشي ناكاموتو (لا أحد يعرف هوية هذا الشخص منذ ولادة البتكوين في 2007 حتى اليوم).
هذه العملية في بداية حياة البتكوين في 2008 إلى 2011 كانت تتطلب جهداً أقل، وحاسبات آلية أقل تطوراً. كل هذا تغير اليوم، وأصبحت العملية تستغرق زمناً طويلاً، وقد يحتاج الحاسب الآلي إلى ساعات طويلة، مما يؤدي إلى صرف كمية ضحمة من الطاقة عليه. ولم تعد أجهز الديسكتوب واللابتوب قادرة عليها الآن، وقد لجأ كثير من الذين يصكون البتكوين إلى الأجهزة الخاصة بالغرافيكس لقوة معالجاتها، ودخلنا في كمية استهلاك طاقة عالية. وتفاقم هذا الموضوع مع وصول عدد الأجهزة اليوم على شبكة البتكوين إلى عدد الأجهزة نفسه على شبكة الإنترنت في عام 1997. ووفق معدل النمو الحالي، سوف يصل عدد الأجهزة على شبكة البتكوين إلى مليار جهاز في 2025؛ أي واحد من بين كل 7 أشخاص على الكرة الأرضية سوف يكون له ارتباط في صك هذا الأصل الرقمي... وهنا يجب أن نقلق كثيراً حول مستقبل استهلاك البتكوين من الطاقة.
ولنضع الأمور في سياقها، فإن إنتاج البتكوين، بحسب جامعة كامبريدج، يستهلك سنوياً كمية تفوق استهلاك دولة الأرجنتين من الكهرباء كله، ولو كان البتكوين دولة لكان ترتيبها الـ30 على مستوى العالم، باستهلاك سنوي يقارب 121 تيراواط في الساعة. ومما ساعد في صك البتكوين بهذا الحجم دخول كثير من الأشخاص من دول الكهرباء ليست مكلفة بها (في الغالب ينمو الصك في دول غير ديمقراطية تفرض قيوداً على العملات). وتتصدر الصين العالم في حجم صك البتكوين، حيث صكت 65 في المائة منها في أبريل (نيسان) الماضي، تلتها الولايات المتحدة بـ7 في المائة، ثم روسيا بـ6.9 في المائة، ثم كازاخستان، ثم ماليزيا، ثم إيران بنحو 4 في المائة (تزايد النشاط في إيران له دلالات كثيرة جداً). وفي سبتمبر (أيلول) عام 2019، كانت الصين الأولى بنحو 75 في المائة، ثم أميركا، ثم ماليزيا، ثم جاءت إيران خامساً بنحو 1.7 في المائة. وإيران من بين أكبر الدول التي ينتج الأفراد فيها البتكوين. أما في السعودية، فلا يوجد نشاط يذكر، حيث يتم صك (0.01 في المائة) من البيتكوين، على الرغم من توفر الكهرباء بسعر معقول. وسبق أن أصدر البنك المركزي السعودي في عام 2017 بياناً حول عدم اعترافه بالعملات الرقمية، ثم أعلن محافظ البنك السابق أحمد الخليفي أن البنك قد يصدر عملة رقمية تجريبية بين المصارف، وليست للأفراد.
إن إنتاج البتكوين مرتبط بتطور معالجات الحاسبات الآلية، وبتكلفة إنتاج الكهرباء وتوفرها. ولو افترضنا أن كل المعوقات زالت أمامها، وتقبل العالم البتكوين بصفتها عملة، لا أصلاً، فإن إنتاج البتكوين لن يكون سهلاً. عموماً، فإن ناكاموتو وضع في بروتوكول البتكوين حداً لهذه العملة، وهو 21 مليون وحدة بتكوين، ومن المتوقع أن يتم صك كامل هذه القيمة في عام 2040، إذا ما افترضنا أن الطاقة سوف تكون متوفرة من مصادر متجددة، وبكميات كبيرة.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو