المواطن البسيط يوثق للتاريخ

المواطن البسيط يوثق للتاريخ

الأحد - 4 شوال 1442 هـ - 16 مايو 2021 مـ رقم العدد [15510]
عادل درويش
معلّق سياسيّ مصري مراسل في برلمان ويستمنستر وداوننغ ستريت، ومؤرخ متخصص فى السياسة الشرق اوسطية.

تذكرت القول المصري «من فات قديمه تاه»، يوم الأربعاء، أثناء تدويني نشاطي اليومي ساعةً بساعة، ضمن المشروع القومي السنوي لتوثيق الحياة اليومية في بريطانيا لأرشيف Mass Observation (ملاحظات الجماهير) بإشراف جامعة ساسكس منذ أربعين عاماً، بعد أن كان المشروع الذي انطلق 1937 توقف لربع قرن.
انتشار البريد الإلكتروني وقدرة الناس العاديين على التواصل بالإنترنت، فتح الباب أمام الملايين للاشتراك، لكن المتحمسين بضعة آلاف فقط.
المشروع يحدد 12 مايو (أيار) من كل عام لتدوين مذكرات على مدى 24 ساعة وإرسالها إلى الأرشيف. ما يفعله الفرد في حياته اليومية وتعليقاته على الأحداث، من تناول الإفطار، والاستحمام، وركوب المواصلات، والذهاب للعمل، وقراءة الصحف، ومشاهدة التلفزيون، حتى الخلود للنوم.
مئات الآلاف من الملاحظات تدون في كل عام، وتسكن الأرشيف، ليرجع إليها المؤرخون بعد عشرة أعوام أو ألف عام عندما يؤرخون للقرن الواحد والعشرين بجانب بالطبع الوقائع الرسمية وسجلات البرلمان وأرشيفات الصحف. وهو ما لم يكن متاحاً لجيلي من المؤرخين مثلاً، وإن كنت أسعد حظاً من مؤرخي علم المصريات، حيث ليس أمامهم إلا السجلات الرسمية المحفورة على جدران المعابد والألواح والبرديات التي تدون حياة الملوك وإنجازاتهم وتوضع بجانب توابيتهم؛ وهي بدورها الرواية الرسمية، فلم يكن في متناول المواطن البسيط العادي تدوين حياته اليومية.
حتى علماء المصريات بدورهم لم يتمكنوا من قراءة التاريخ إلا بعد نجاح عالم اللغويات الفرنسي جان - فرنسوا شامبليون (1790 - 1832) في ترجمة الهيروغليفية (المصرية القديمة على جدران المعابد) في 1822 بالرجوع إلى نصها على حجر رشيد، في 196 ق.م، المعروف بإعلان ممفيس (في عهد بطليموس الخامس 204 - 180 ق.م)، باللغات الثلاث في مصر وقتها، الهيروغليفية اللغة الرسمية لكهنة ممفيس، واللغة القبطية المصرية (لا تزال مستخدمة في كنائس مصر اليوم)، والديموطيقية البطليموسية (الشعبية - من اليونانية «ديموس» أي الشعب) وكانت بدأت في 440 ق.م حتى العصر الروماني، أما كتابة الديموطيقية الأولى (نص لوغوغرافي)، فبدأت في القرن السابع قبل الميلاد، وإن تحدثها الناس قبلها بعدة قرون. أما الديموطيقية الحديثة فهي التي يتكلمها المصريون اليوم وتعرف (خطأ) بالعامية المصرية (تعريف غير دقيق علمياً). أهمية الديموطيقية أنها تمكن المؤرخ من التعرف على أسلوب تفكير الشعب وحديثه اليومي، أي الرأي العام قبل ألفي عام، وهو ما يصعب استكشافه من الرواية الرسمية بالهيروغليفية.
وتسجيل الرأي العام، كان دافع الأكاديميين البريطانيين قبل 85 عاماً، لبداية مشروع تدوين كيف تعيش بريطانيا الحياة اليومية كسجل يمكن للمؤرخين الرجوع إليه مستقلين عن الرواية الرسمية، وإضافة إلى مصادر أخرى كالصحف، وسجلات البرلمان والكتب ومذكرات الناس العاديين.
المشروع بدأه ثلاثة دارسين في جامعة كمبريدج: عالِم الإنثروبولوجيا والمؤلف (فيما بعد السير) توماس هاريسون (1911 - 1976)، وكان ترك الجامعة قبل إتمام الدراسة للالتحاق بالجيش؛ وزميلاه، الشاعر والصحافي تشارلز هنري مادج (1912 - 1996)، ومخرج الأفلام التسجيلية همفري جينينغز (1907 - 1950). وساعدهم في المشروع لتسجيل الوقائع مصورون بالكاميرا مثل همفري سبندر (1910 - 2005)، وصحافيون مثل الإذاعية آن هيلدا سيموندز (1916 - 2017)، وأدباء مثل ماري بيرن (1913 - 1976) وجيرالد بازيل إدواردز (1899 - 1976)، ومثقفون كالناقد الأدبي السير ويليام إيمبسون (1906 - 1984)، وعشرات من الأكاديميين.
إرهاصات المشروع بدأت في 1936 عند تنازل الملك إدوارد الثامن (1894 - 1972) عن العرش ليتزوج مطلقة أميركية، وتنصيب شقيقه جورج السادس (1895 - 1952)، ورفض بعض المثقفين قبول ما تنشره الصحف كانعكاس للرأي العام، فبحثوا عن وسيلة بديلة لمعرفة مشاعر الناس العاديين.
جينينغز، ومادج، وإيمبسون، كلفوا مائتين من المتطوعين المراقبين بالاختلاط بالناس العاديين في الشوارع في كل أنحاء بريطانيا يوم تتويج جورج السادس في 12 مايو 1937، وتدوين انطباعات العامة، وتبادلهم النكات، أو المدح أو الذم، أو التجاهل، وهو الأهم. والتجاهل يمكن التعرف عليه من طبيعة مناقشات الناس واهتمامهم بغير الحدث الأكبر التي تغطيه الصحافة.
المجموعة قامت بتحرير وإعداد الانطباعات وصدرت في كتاب بعنوان «12 مايو: استطلاع يومي للملاحظات الجماهيرية في 1937».
في عام 1939، عشية الحرب الثانية، دعت المجموعة المواطنين العاديين، عبر تصريحات للصحف والـ«بي بي سي»، إلى تسجيل انطباعاتهم وحياتهم في شكل مذكرات يومية - ولم يوجه المحررون والباحثون، المواطنين، بأي تعليمات أو صيغة معينة، فقط تركت لهم حرية التدوين كاملة، وإرسالها، وبدأ تجميعها، ومن هنا نشأ الأرشيف القومي للملاحظات الجماهيرية (أو الشعبية) لتصبح تقليداً.
طبعاً كانت هناك انتقادات (معظمها من الصحافة التقليدية وبعض المسؤولين) تحت ذرائع شتى؛ مثل انتهاك خصوصية المواطن، والحقيقة أن هذه الجهات خشيت من وجود وسائل بديلة لقياس الرأي العام، تماماً مثل انتقادات الساسة والمؤسسات الصحافية التقليدية اليوم لوسائل التواصل الاجتماعي، ومحاولة فرض الرقابة عليها لدوافع مشابهة.
الذي أدى إلى تناقص اهتمام الناس وقتل المشروع في ستينات القرن الماضي، كان تسلل وكالات الإعلان والمصالح التجارية إليه من الباب الخلفي، لأن هذا الأرشيف أيضاً يعكس العادات الاستهلاكية للناس وتفضيلهم لمنتجات معينة على الأخرى. ولذلك عندما أعيد إطلاق المشروع في 1981 وتولته جامعة أكاديمية، كان أهم الشروط إبقاء المصالح التجارية بعيداً، وعدم السماح لها بالانتقائية والتجول بحرية بين ملفات الأرشيف.
هذا الأرشيف بالغ الأهمية لنا كمؤرخين، تماماً مثل حجر رشيد، في إيجاد مصادر موازية لتوثيق التاريخ.
أمضيت خمس سنوات بحثاً لكتابي الصادر بالإنجليزية في الشهر المقبل عن تاريخ الإسكندرية، كانت الوثائق، ومحاضر مجلس الوزراء وبرلمان وستمنستر، ومراسلات الباب العالي مع حكام مصر من محمد علي في مطلع القرن الـ 19 حتى عباس حلمي الثاني في مطلع القرن العشرين، لا تقل أهمية عن أرشيف صحف كـ«الأهرام»، و«فير دي أليكسندري»، و«اللطائف المصورة»؛ وبدورها لا تقل أهمية عن خطابات كان والدي وجدي تبادلانها مع أصدقاء حول العالم، وصفحات من المفكرة اليومية لكليهما منذ الحرب العالمية الأولى حتى الستينات؛ والأهم كانت ملاحظاتي الشخصية مستمعاً إلى أحاديثهما ومناقشاتهما مع الأصدقاء بشأن المتغيرات السياسية؛ ونكات عادية تبادلها الناس في المقاهي ومع كمسارية الترام تعليقاً على أحداث غيرت مسار التاريخ، كحركة الجيش وتنازل الملك فاروق الأول عن عرش مصر والسودان في 1952، وتأميم قناة السويس في 1956، فنكتة أطلقها الغرسون حول خطبة رئيس الوزراء، يوم الاثنين الماضي، لا تقل أهمية، للمؤرخ، عن التصريح الرسمي لـ10 داوننغ ستريت.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة