إسرائيل في مواجهة التحدي الأخلاقي!

إسرائيل في مواجهة التحدي الأخلاقي!

الخميس - 1 شوال 1442 هـ - 13 مايو 2021 مـ رقم العدد [15507]
حسين شبكشي
اعلاميّ ورجل اعمال سعوديّ وعضو مجلس ادارة شركة شبكشي للتّنميّة والتّجارة وعضو مجلس ادارة مؤسّسة عُكاظ للصّحافة والنّشر

ما يحصل في حي الشيخ جراح بالقدس الشريف من الإخلاء بالقوة الجبرية لمنازل السكان الفلسطينيين، وإحلال مستوطنين يهود متطرفين قادمين من دول غربية مكانهم تحت حماية القوات الأمنية الإسرائيلية، يجسد مجدداً المشكلة الأخلاقية التي تعاني منها إسرائيل منذ نشأتها، وهي اعتقادها أنها لها الحق والذريعة المبررة بسبب تاريخ المآسي الذي حلّ على الشعب اليهودي، في أن تقوم بعمل «كل شيء وكل ما يلزم» لأجل حماية الشعب اليهودي والحفاظ على دولته إسرائيل. فكان ذلك حجة لكي تتوسع بمساحات هائلة تفوق المساحات التي أقُرّت لها بقرار الانتداب البريطاني الموجود على فلسطين، والذي تبعه بعد ذلك قرار من الأمم المتحدة يعترف بها كدولة، بل إن إسرائيل لم تتوقف عن ذلك، بل ضمّت أراضي أخرى عقب حرب 1967، وهو ما رفضته الأمم المتحدة بقرار مشهور وطالبت إسرائيل بالانسحاب منها، ولكن إسرائيل لم تكترث وضمّت هضبة الجولان والقدس ومناطق كثيرة ومختلفة من الضفة الغربية، لتبقى إسرائيل الدولة الوحيدة الموجودة كعضو في الأمم المتحدة من دون ذكر واضح وصريح لحدودها، لأن حدودها باختصار لا تزال لم تكتمل حتى الآن كما هو واضح. هذا الوضع له أساس تاريخي، وذلك حسب المقولات التي كان يرددها زعماء الحركة الصهيونية العالمية، أمثال إسرائيل زانجويل وثيودور هيرتزل، من أن فلسطين هي: «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض»، والتي تنفي أي حق للفلسطينيين الموجودين عليها، وتمنح كل الحق في الأرض لليهود الموجودين في الشتات.
استمرت إسرائيل في تجاوز وتحدي كل أسقف الأنظمة والقوانين الدولية، فرفضت الإذعان لرقابة المنظمات الدولية المعنية بخصوص التدقيق عن مفاعلاتها النووية وقنابلها الذرية التي يتجاوز عددها، حسب بعض التقديرات، الألف قنبلة، واستخدمت كما بات معروفاً وتم إدانتها رسمياً بسبب ذلك، الأسلحة الكيماوية في عدوانها على قطاع غزة منذ سنوات، في مخالفة أخرى ضد القانون الدولي.
ولكن المعضلة الأهم التي تواجه إسرائيل اليوم هي أن المجتمع الدولي والحراك الشعبي فيه وتحديداً في المجتمعات الغربية منه، والذي كان دوماً الظهر والسند الداعم لإسرائيل، أصبح يراها آخر بقايا المنظومات الاستعمارية ونظام الفصل العنصري البائد المعروف باسم الأبارتايد. وهي أصعب التهم الموجهة لإسرائيل التي كانت تروًج لنفسها دوماً بأنها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، ليكتشف العالم أن الديمقراطية الإسرائيلية ونظام الفصل العنصري لا يمكن الإبقاء عليهما معاً. فبرفض إسرائيل لحل الدولتين وإصرارها التام والعنيد على يهودية الدولة فإنها تغوص في أوحال العنصرية والكراهية وتثبت عليها تهمة أنها مثلها تماماً مثل النظام اللاأخلاقي الذي كان موجوداً في جنوب أفريقيا واتفق العالم على إزالته والخلاص منه.
اليوم تسعى إسرائيل بكل ما أوتيت من قوة ونفوذ وأذرع قانونية لمنع وحظر تشبيهها بالأبارتايد في الإعلام التقليدي ووسائل التواصل الاجتماعي في الإعلام الجديد. إلا أن المشاهد الأخيرة للأحداث التي حصلت ضد سكان المنازل الفلسطينية في حي الشيخ جراح أو الاعتداء على المصلين الصائمين المعتكفين داخل المسجد الأقصى في شهر رمضان المبارك بالهراوات والخيول والرصاص والقنابل ستخلّد مناظر مؤلمة ودامية ستسجل لدى الآلاف حول العالم لتعمق الصورة النمطية لإسرائيل بأنها دولة عنصرية لا تحترم القانون ولا حقوق الآخرين أبداً.
منذ وصول نتنياهو إلى السلطة وإسرائيل تتمادى في سياساتها الاستيطانية وأساليبها المتطرفة، فقبله على أقل تقدير لم يكن أي رئيس وزراء إسرائيلي ليجرؤ على القيام بإخلاء قسري لبيوت سكان القدس وإلغاء تام لوجودهم، وعليه فإن هذا التصعيد الذي باركه نتنياهو يجيء في ظل أزمة سياسية تطاله شخصياً تحديداً وإسرائيل بصورة عامة، وذلك بعد أربعة انتخابات متتالية عجز فيها عن تشكيل حكومة مع أيٍّ من الأحزاب الأخرى، ولذلك فإنه يبدو أنه قرر رفع السقف في خطابه المؤيد للمتشددين من اليهود الأرثوذكس للحصول على أصواتهم وتأييدهم ليساعدوه ويمكنّوه من تشكيل حكومته، وبالتالي البقاء في السلطة لفترة جديدة. إلا ما فعله نتنياهو هو إعادة تأكيد هوية إسرائيل ونهجها العنصري، وهذه مسألة باتت الأجيال الجديدة التي تشكّل الضمير والوعي الجمعي في العالم اليوم لا يمكن أن تقبلها ولا تتحملها ولا ترضى بها.
أصوات النواب في آيرلندا والسويد واسكوتلندا والولايات المتحدة التي نددت فوراً بما قامت به إسرائيل لم تعد أصواتاً فردية ولكنها كتل تمثل مَن انتخبوها، وهذا تهديد وجودي لإسرائيل بوضعها الحالي.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة