الأجيال القادمة ستدفع تكلفة سياسات المناخ

الأجيال القادمة ستدفع تكلفة سياسات المناخ

الخميس - 1 شوال 1442 هـ - 13 مايو 2021 مـ رقم العدد [15507]

هناك حقيقة يجب أن نعيها جميعاً، وهنا أقصد بذلك كل المواطنين الذين ينتمون لدول دخلُها قائمٌ على النفط، وهي أن النفط لم يعد الاستثمار المناسب لأكبر المصارف العالمية وصناديق الثروة والصناديق السيادية، وهناك تريليونات الدولارات لن تجد طريقها لقطاع النفط خلال السنوات العشر إلى العشرين القادمة. ليس ذلك فحسب، بل إن الأمر يمتد للإقراض وتمويل السندات، مما يعني أن الدول النفطية يجب أن تموّل مشاريعها بنفسها وهذا بالتأكيد يحتّم أن الدول يجب أن تقتطع من ثروتها ودخلها المستقبلي للإنفاق ذاتياً على تطوير إنتاجها الهيدروكربوني من النفط والغاز الطبيعي.
هذه الحقيقة يدعمها عدد من المتغيرات، أولها سياسي نابع من الالتزام الدولي باتفاقية باريس للتغير المناخي، والتي تفرض على جميع الدول المشارِكة فيها المساهمة في خفض الانبعاثات الكربونية للحفاظ على سيناريو ارتفاع درجة حرارة الأرض بما لا يزيد على درجتين مئويتين مقارنةً بالفترة ما قبل الثورة الصناعية. ولأن غالبية المصارف والشركات الاستثمارية العملاقة تقع في الدول الغربية، فإنها تحت ضغط سياسي كبير جداً للمساهمة في الحد من التغير المناخي وتقليص الإقراض للقطاع الهيدروكربوني.
المتغير الثاني تنظيمي، ويتعلق بالتغير الذي تشهده حوكمة القطاع المصرفي، والذي يقوده المستثمرون وأصحاب رؤوس الأموال الذين يرون أن استثماراتهم يجب أن تكون أخلاقية و«نظيفة» بمعنى أنها لا تؤثر على البيئة أو على المجتمعات البشرية على المدى البعيد. وفي الواقع فإن وجهة نظرهم منطقية، إذ إنهم كمواطنين ينتمون لهذا العالم عليهم الحفاظ عليه وهذا يعكس على كل حال الوعي الغربي المتقدم حيال القضايا البيئية والاجتماعية.
المتغير الثالث ديموغرافي، إذ إن جيل الألفية (الذين وُلدوا بين 1981 و1996) يقودون تحولاً كبيراً في تشكيل الرأي العام والثقافة المجتمعية في العالم، وأغلب المسوحات والدراسات أظهرت أن ما لا يقل عن 70% منهم (في الدول الغربية) لن يدعموا أي مشاريع وصفقات لا تتوافق مع مبادئهم الشخصية ويأتي الحفاظ على البيئة على رأسها.
المتغير الرابع مصرفي واستثماري، إذ إن تكاليف التغير المناخي على المدى البعيد ستقلِّص من ربحية المصارف وشركات التأمين والاستثمار، والأمثلة على ذلك كثيرة، فارتفاع منسوب المد والجزر والفيضانات الناتجة عن الاحتباس الحراري سوف تُغرق البيوت على الشواطئ مستقبلاً مما يتسبب في خسائر لشركات التأمين. ومن ناحية أخرى، فإن مصنع للشوكولاته في جنيف قد لا يستطيع التسديد للبنك إذا توقف إنتاجه نتيجة لعدم توفر المواد الخام بعد تضرر المحاصيل في غرب أفريقيا.
وتواجه البنوك كثيراً من الضغوط في الغرب، إذ كشفت دراسة في شهر مارس (آذار) الماضي، أعدتها مجموعة من المنظمات المهتمة بالبيئة أن أكبر 60 مصرفاً في العالم قدمت تمويل بقيمة 3.8 تريليون دولار لمشاريع هيدروكربونية بين عامي 2016 و2021، تتقدمها ثلاثة مصارف أميركية وهي: «جي بي مورغان» و«سيتي بنك» و«بنك أوف أميركا». ومن وجهة نظري فإن المصارف الأميركية استغلت قرار الرئيس السابق دونالد ترمب الخروج من اتفاقية باريس، لتمويل الموجة الثانية من نشاط شركات النفط الصخري، التي زادت إنتاجها في هذه الفترة بدعم سياسي من الرئيس ترمب لتحقيق أهداف أميركا بالاستغناء عن الواردات النفطية من الخارج خصوصاً من دول «أوبك»، والتي كان نتيجتها انخفاض صادرات بلد مثل السعودية إلى أميركا بأكثر من الثلثين خلال تلك الفترة.
ويبدو أن الهدف من الدراسة هو إظهار أن المصارف العالمية لم تقدم جهوداً تُذكر في السنوات الخمس التالية منذ عقد اتفاقية باريس في 2016. وحتى نكون منطقيين، لن تستطيع البنوك التملص كثيراً من تقليص التمويل لمشاريع النفط والغاز، خصوصاً بعد أن أعلن الرئيس الحالي بايدن في الشهر الماضي أن بلاده تسعى للحياد الكربوني قبل عام 2050 وتخفيض الانبعاثات للنصف.
وإذا ما تواصلت الأمور بهذا الشكل فسوف تتأثر ميزانيات الدول النفطية مستقبلاً لأن تمويل المصارف مهم لمشاريعها. ولكن لماذا يجب على الدول مواصلة الاستثمار في النفط بدلاً من الإنفاق على مواطنيها؟ السبب اقتصادي وسياسي؛ اقتصادياً فإن إنتاج النفط يتناقص سنوياً وعلى الشركات الحكومية النفطية الاستثمار لرفع الإنتاج للحفاظ على الدخل في مستويات ثابتة أو زيادته، وسياسياً فإن الدول الغربية رغم مقاومتها للنفط فإنها تحتاج إليه لمواطنيها وتحتاج إلى أن تحافظ دول «أوبك» على استقرار السوق والأسعار، وهذا لا يتم إلا إذا حافظت «أوبك» على إنتاجها. وللتذكير فقط، فإن العالم يحتاج إلى استثمارات هيدروكربونية بنحو 10 تريليونات دولار حتى 2040، وإذا لم يتم تمويلها من المصارف الدولية، ستأتي كلها من جيوب الدول.
طبعاً هناك حلول كثيرة لهذا الوضع لكنها طويلة المدى، أسهلها في نظري التحول إلى الطاقة النظيفة وترشيد استهلاك الطاقة في الدول المنتجة بحيث يتبقى مزيد من النفط لتصديره للعالم أو لدعم استقرار السوق من دون الحاجة لزيادة الاستثمار في الإنتاج. هذا التوجه تقوده السعودية ودول قليلة أخرى، أما باقي الدول فالنفق أمامها مظلم ولا يوجد به نور في نهايته.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة