«رؤية 2030» تزداد إبهاراً واتساعاً

«رؤية 2030» تزداد إبهاراً واتساعاً

السبت - 19 شهر رمضان 1442 هـ - 01 مايو 2021 مـ رقم العدد [15495]
إميل أمين
- كاتب مصري

أكدت المقابلة المتلفزة الأخيرة التي جرت مع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان أن المملكة العربية السعودية يحكمها قيادة حصيفة، حكيمة، ولهذا كان من الطبيعي أن يتصدر اسم ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان قائمة الأكثر بحثاً على محرك البحث «غوغل»، بعد المقابلة التي أجراها على القناة الرسمية للبلاد، وفيها تطرّق إلى منجزات رؤية 2030 خلال السنوات الخمس الماضية.
عبر أكثر من ساعتين، طوف الأمير محمد بسامعيه حول جميع المجالات الحيوية الديناميكية للمملكة؛ من الفقه إلى السياسة، ومن الاقتصاد إلى الاجتماع، الأمر الذي يثبت هويته كاستراتيجي ماهر، وكربّان سفينة قادر على شق طريق التجديد والابتكار، في بحر عالم هائج مائج مضطرب جيوسياسياً ومن غير قدرة واضحة على تحديد خريطة تستنقذ الإنسانية من أزماتها المعاصرة.
يعنّ لنا التساؤل: لماذا بدأ ولي العهد حديثه من عند الاقتصاد؟
حكماً ليست الجيوش فقط من تمشي على بطونها، كما قال نابليون، ولكن الشعوب أيضاً، ومن هنا يفهم المرء الارتباط الوثيق بين القيادة السياسية لقاطرة المملكة والتطورات والتغيرات الاقتصادية داخلياً وخارجياً.
أنفع وأرفع ما في رؤية 2030 بالنسبة للأجيال السعودية المقبلة، هو قدرتها على التفكير في فضاءات الاقتصاد المعولم الحر، ذلك القادر على فتح مسارات جديدة للبناء الخلاق.
حسناً دعم وزخم النفط اقتصاد المملكة طوال القرن الماضي، لكنه بات من المؤكد أن هناك حاجة لمساقات اقتصادية غير تقليدية، وبعيدة عن العائد الريعي المباشر لبيع النفط الخام.
الذين قُدّر لهم متابعة المشهد السعودي في الداخل خلال السنوات الخمس الماضية، يرى بأم عينيه المجالات التي فتحت لاقتصاد الابتكار، من عند السياحة والتجارة، الصناعة بأنواعها، الترفيه وأهميته السيسيولوجية والمالية، التصالح مع الذات والتسامح مع الآخر، مد الجسور إلى ومع العالم الخارجي من غير دونية أو شعور بصغر الذات، وإنما عبر ندّية تقوم على أسس ومنطلقات أخلاقية وفكرية بناءة.
الأرقام دائماً صادقة، لا تعرف التضليل أو التجمّل، ومنها على سبيل المثال لا الحصر أن «النمو الاقتصادي في القطاع غير النفطي كان بمعدلات غير طموحة بالنسبة للمملكة في السنوات التي سبقت 2015. فيما الناظر لها في الربع الرابع في 2019 يرى أن الاقتصاد غير النفطي قد نما بنسبة 4.5 في المائة، ولو لم تكن جائحة (كورونا) ضربت العالم في 2020 لاستمر النمو إلى 5 في المائة في القطاع غير النفطي، ومع انزياحها سوف يعود النمو في ذلك القطاع مرة جديدة للتصاعد».
ما الذي يعنيه ارتفاع الإيرادات غير النفطية من 166 ملياراً إلى 350 مليار ريال سعودي؟
الجواب قد يكون يسيراً، وهو توفير المزيد من فرص العمل، وتحسين الناتج القومي الإجمالي، غير أن الأهم في المشهد هو أنه من غير إصلاحات اقتصادية اتخذت في السنوات الخمس الماضية، لما حدثت مثل تلك الطفرة؛ فالسجلّ التجاري الذي كان يستغرق أياماً حتى يُستخرج مروراً بست جهات حكومية، باتت الحكومة الإلكترونية تقوم باستخراجه في نصف ساعة.
حين قال علماء الاقتصاد إن رأس المال جبان؛ فقد كانوا يصفون حقيقة مؤكدة، ذلك أن رؤوس الأموال تبحث عن مناخات مستقرة لتحقق أكبر قدر ممكن من العوائد، ولأن المملكة باتت واحة للنماء والازدهار، فقد تضاعفت الاستثمارات الأجنبية ثلاث مرات أو أكثر؛ من خمسة مليارات ريال سنوياً إلى 17 مليار ريال سنوياً.
من الاقتصاد ننتقل إلى السياسة الخارجية، ونتوقف عند جزئيتَيْن مهمتين بالنسبة للمملكة؛ واحدة قريبة في الجوار الإقليمي، والثانية بعيدة جغرافياً وموصولة بتحالفات المملكة وعلاقاتها السياسية الخارجية التاريخية.
أما الأولى، فنقصد بها العلاقة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تلك التي وصفها الأمير محمد بأنها دولة جارة تطمح المملكة إلى أن يكون لديها معها علاقة جيدة، ومضيفاً: «لا نريد أن يكون وضع إيران صعباً، بالعكس، نريد لإيران أن تنمو وأن يكون لدينا مصالح فيها، ولديها مصالح في المملكة العربية السعودية لدفع المنطقة والعالم للنمو والازدهار».
يعكس هذا التصريح أمراً مهماً، وهو المرونة في التفكير، من غير تكلُّس سياسي أو تشدد هوياتي غير نافع، ما يفيد بأن عملية صناعة القرار الخارجي السعودي تنطلق من صالح ومصالح المملكة ودعواتها للتعايش الإيجابي، القائم على التعاضد والتعاون، لا على التشرذم والتنافس الذي يقود للمواجهة.
الجزئية الثانية تخص علاقة المملكة العربية السعودية مع الولايات المتحدة، تلك التي لا تزال المحرك الأول للأحداث حول البسيطة، وفيها جاء تأكيد ولي العهد على أن الولايات المتحدة شريك استراتيجي للسعودية، مضيفاً: «نتفق مع إدارة بايدن بأكثر من 90 في المائة من المسائل التي تتعلق بالمصالح السعودية الأميركية»، وتابع: «قد يزيد هامش الاختلاف أو يقل مع الإدارة الأميركية».
تفيد هذه الرؤية بحقيقة مؤكدة، وهي أنه ليس المطلوب من الحلفاء التماهي أو التطابق، ومن الطبيعي أن يبقى هناك هامش للافتراق، الذي يعبر عن ديناميكية صحية في أبعاد العلاقة بين دولتين كبيرتين ذواتي سيادة، وعلى غير المصدِّق أن يراجع تصريحات وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، الأخيرة عن خطط أميركا لمواصلة العمل مع المملكة العربية السعودية وولي العهد الأمير محمد بن سلمان لعقود طويلة مقبلة.
رؤية 2030 الحقيقية تفتح باب الاجتهاد من جديد، وترفض إغلاق العقول، على حد وصف صاحب الرؤية، والمشهد هنا لا يتوقف عند حدود القضايا الفقهية، بل مناحي الحياة كافة.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة