على حافة مزاد الأرقام

على حافة مزاد الأرقام

الاثنين - 14 شهر رمضان 1442 هـ - 26 أبريل 2021 مـ رقم العدد [15490]
طارق الشناوي
ناقد سينمائي مصري

نعيش الآن موسم الأرقام، أكثر من فنان يعلن عن رقم يصفه بأنه لا يحتمل التشكيك، يصعد به عادة إلى منصة التتويج باعتبار مسلسله الأكثر مشاهدة، ودوره الأكثر إبداعاً.
مسألة التوثيق في ظل كل الاختراقات التي نتابعها، ليست أبداً سهلة المنال، قبل بضعة أسابيع، ألقى أحدهم بقنبلة في وجه كل من اعترض على المسلسل الذي كان محل استهجان كبير. القنبلة أن هذا المسلسل الناطق فقط بالعربية، قد شاهده مليار إنسان.
الرقم يخاصم المنطق، لو افترضنا جدلاً أن كل من يجيد اللغة العربية شاهده، لو وصلنا بالرقم إلى 500 مليون، وهو بالمناسبة مبالغ كثيراً فيه، فأين إذن باقي المليار؟
التلاعب في مثل هذه البيانات من خلال الاستعانة بالجيوش الإلكترونية صار عند أطراف أصابعك، والشعار الذي يرفعونه (اللي تكسب به العب به).
لم تعد هناك مع الأسف أسلحة مشروعة، وأخرى ممنوعة، ولا أحد تعنيه الوسيلة. كثيراً ما أقول إذا كان كل هؤلاء النجوم قد احتلوا المركز الأول، فمن إذن تعيس الحظ الذي جاء ترتيبه الثاني؟
ورغم كل ما يشوب الأرقام من تحفظات، فإنه ليس في مقدور أحد تجاهلها... زيادة كثافة تداول العمل الفني أحد المؤشرات الرئيسية التي تحدد معالم الخريطة الإبداعية. شباك التذاكر في السينما وكثافة الإعلانات في التلفزيون، تدفعنا لإعادة تحديد مكانة النجوم، وتلعب دور البوصلة في الإشارة إلى الاتجاه المقبل. كان عادل إمام، وهو الأعلى أجراً والأكثر تحقيقاً للإيرادات، يحرص على أن يكتب على سبورة وضعها في غرفته بالمسرح، الأرقام التي تحققها مسرحيته وفيلمه الأخير، مع الإشارة إلى منافسيه، وكان هذا يكفي جداً للرد على من يتشكك في أنه (الزعيم).
ويبقى السؤال عن ثبات الرقم. أحياناً تحقق أغنية أو فيلم مبيعات ضخمة ثم تخبو تماماً بعدها الأرقام، كأن شيئاً لم يكن. هناك إبداعات لها حس جماهيري وأخرى تفتقد هذا المذاق. فيلم مثل (المومياء) لشادي عبد السلام، الذي يحتل دائماً المركز الأول في أغلب استفتاءات أفضل الأفلام المصرية والعربية، ليس فيلماً تجارياً وجماهيريته محدودة، إلا أنه يكتسب مع الأيام أرضاً جديدة، الزمن يلعب دوراً استراتيجياً في رفع الظلم عن بعض الأعمال التي لم تلقَ نجاحاً عند عرضها أول مرة، ويكشف أيضاً زيف أفلام وأغنيات أخرى.
من الممكن عند تحليل الأرقام بقدر من التأمل، أن نقرأ ظلالاً مختلفة، عندما قدمت أم كلثوم قصيدة (الأطلال) تلحين رياض السنباطى عام 1966، أشارت المبيعات إلى أنها حققت الرقم الأعلى، حتى إنها تجاوزت الأغنية الأشهر (أنت عمري) 1964 تلحين محمد عبد الوهاب.
ظل هذا الأمر قائماً حتى منتصف السبعينات، ثم تراجعت (الأطلال) عن الصدارة للمركز الثامن أو التاسع في ترتيب العشر أغنيات الأكثر تداولاً (للست)، وسبقتها (أنت عمري)، الرقم يشير بطريقة غير مباشرة إلى تراجع الاهتمام باللغة العربية الفصحى، بينما في الستينات كان الارتباط بالفصحى أكثر حميمية.
نقف الآن على حافة مزاد الأرقام، الكل يتحدث عن مسلسله باعتباره الأكثر رواجاً، وعن دوره بأنه الأكثر جاذبية، أين إذن الحقيقة؟ نصيحتي الدائمة (استفتِ قلبك)!


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة