الكويت قلق لا يخفى

الكويت قلق لا يخفى

السبت - 12 شهر رمضان 1442 هـ - 24 أبريل 2021 مـ رقم العدد [15488]
محمد الرميحي
مؤلّف وباحث وأستاذ في علم الاجتماع بجامعة الكويت.

هل ما يحدث في الكويت من شجار سياسي يهم القارئ العربي خارج الكويت؟ أم هو خاص بالحيز السياسي والجغرافي الكويتي؟ لدي شعور أن بعض المتابعين مهتمون من حيث المبدأ بمراقبة المسرح عن بعد بصمت، فبعضهم يرى تعثراً، بل كبوة في النظام الديمقراطي كما طبق في الكويت يخيف الآخرين من الاقتراب لهكذا تجربة، وبعضهم يرى الأمر أنه تطور طبيعي لممارسة فقدت زخمها بذهاب الآباء المؤسسين، والعجز عن تطوير الآليات وفهم المتغيرات التي استجدت على المجتمع، حتى وصل الأمر إلى التوقف الإرادي تقريباً بل والمأزق!
في الداخل الكويتي كثير قلقون، وربما مفردة قلق هي تعبير عن شعور مخفف. لقد انقسم الجسم السياسي في الكويت إلى قسمين متخاصمين، ولكن لا يوجد في داخل القسمين مشروع يقنع كثيرين من الأغلبية الصامتة بأنهم على سكة الخلاص، ومن دون وجود حتى الآن جسر أو شبه جسر يمكن أن يصل بين هذين القسمين، ولم يبقَ ذلك الانقطاع في حدود الخلاف المقبول، بل وصل إلى استخدام تعبيرات وأقوال غير مسبوقة في العمل السياسي الكويتي الذي شهدت بعض كواليسه. في السابق كان هناك خلاف، تلك طبيعة الأشياء، ولكن كان أيضاً «حجرات خلفية»، إن صح التعبير تحاول الوصول إلى مشترك متفق عليه لدفع العمل السياسي إلى الأمام، أو حتى تجنب أو منع التدهور، لم يعد ذلك موجوداً اليوم. ولم يعد الاختلاف محصوراً في القائمين على العمل السياسي، بل بسبب انتشار وسائل التواصل الإلكترونية ذهب الجميع إلى تلك المنصات فغرق المتلقي الكويتي بعدد ضخم من الفيديوهات والتسريبات والإشاعات، تفسر موقف الأطراف أو تسيء إلى أطراف أخرى، حتى وصل الشجار القاعة الكبرى، قاعة عبد الله السالم والتي كان يتنفس فيها المواطن هواءً نقياً يجلب له في السابق الكثير من الأكسجين، يبدو أن الهواء في المرحلة الأخيرة في تلك القاعة قد فسد.
القلق أن يبني الأفرقاء جداراً صلباً من التحيزات ليس بينهم فقط، بل يحملوا ذلك الجدار إلى المجتمع الكبير والذي تشاهد أغلبيته الصامتة بحسرة تلك الأحداث وهي في موقع الحيرة، ولا ترغب في مسايرة هذا الفريق أو ذاك حتى لا يتسع الخرق. تضرب المجتمع الكويتي موجات الأقوال والأقوال المضادة على وسائل التواصل الاجتماعي من قلة تعرف وأكثرية لا تعرف، مُنصبة نفسها لتقول في كل شيء وأي شيء، بعضهم مشغوفون بظهور صورهم وتعبيرات أصواتهم لإرسال رسالته هي في الغالب عوجاء، وإن لامست السياسة غدت عمياء، في عملية «تصنيع للرأي العام» مما يزيد الاحتقان ويتعاظم الخوف على الوطن. إلا أن الرأي العام الحقيقي لم ينحز رغم كل هذا الكم من الدفق الإعلامي، وهو بانتظار أن يظهر الخيار الأفضل في الأفق. لقد ضاعت الفكرة الأساس للديمقراطية بفلسفتها وآلياتها، فهي نظام يعترف بالاختلاف، وينشئ آلية تقود إلى طريق توصل بين الاختلاف إلى محطة التوافق تحقيقاً للخير العام، تلك الفكرة أصابها خلل، فأصبحت الممارسة الديمقراطية بدلاً من أن تكون وسيلة لتجويد الخدمة العامة، تحولت إلى هدف بذاتها؛ مما يتيح فرصاً توسع رقعة المشككين، وبدلاً من أن تكون هي الحل أصبحت ممارستها جزءاً من المشكلة في خداع للنفس غير مسبوق.
هذا لا يعني أن بعض النخب من المستقلين قد جهروا بأصواتهم كتابة في الصحف وقدم بعضهم أفكار الإصلاح، لها علاقة بإصلاح المعوج من الممارسة في السياسة، وفي الاقتصاد ممكن أن يُبنى عليها للخروج من المأزق، ولكن في الغالب تذهب تلك الأفكار كأصوات في البرية السياسية المتخندقة، والرأي الأكثر وصولاً للفرقاء هو إما أن تكون معي أو أنت ضدي، بعض من الأغلبية الصامتة بدأت مغادرة مناطق الفرجة للإدلاء بآرائهم، ليس تحيزاً لفريق ولكن خوفاً على وطنهم الذي يشعرون بأن أرضه الصلبة والتي قاومت غزواً مقيتاً قبل ثلثي قرن تكاد أن تميد.
في هذا الصراع ينسى المشاركون فيه كم هي عواصف عاتية تُصفر بإزعاج من حولهم من كل صوب، هناك في الجوار بلاد فاشلة يتقاتل شعبها بكل ما وجد من أسلحة، وأخرى تئن من جوع وخراب، وثالثة يتدهور اقتصادها إلى الحضيض، ورابعة تتشبث بفكرة فرض سيطرتها على الإقليم تحت دفع هائل من آيديولوجية قريبة إلى الخرافة، وقوى تُمد لها أذرعة محلية تسعى إلى الفوضى. فوق ذاك وباء لا يرحم يضع الدولة والمجتمع تحت تهديد بالغ القسوة واقتصاد شبه معطل لأكثر من عام، ومؤسسات صحية تحاول أن تبقى رأسها فوق خط الخطر.
هذا المشهد المعقد والمخيف يقلق العاقل ويصيب الاستقرار في مقتل ويرخي قبضة القانون. ليس جديداً القول إن عدم الاستقرار السياسي يؤثر سلباً على الوضع الاقتصادي وعلى تماسك النسيج الاجتماعي وعلى استقرار تطبيق القانون. البعض يرى أن هناك تأثيراً سلبياً للممارسة بالغ الحدة تصاعد في العشرية الأخيرة، وتجاوز المأمول من تحقيق الخير العام للمجتمع، إلى انحياز مرضي لتحقيق الخير الخاص، وبالتالي تدمير المؤسسات وتجاهل القانون، ويتحول الصراع إلى شخصاني بدلاً من أن يكون خلافاً نسبياً على خطط لإنقاذ المجتمع من ما وصل إليه. بعد هذه التوصيف والمتفق عليه بين معظم المهتمين بالشأن العام محلياً يأتي من يقول: ما هو المخرج؟ وهو قول صحيح. فالحلول القديمة لم تعد تنفع في علاج المشهد الاجتماعي/السياسي المتحول المخرج قدم من عدد من الكتاب، وهو معالجة أصل المشكلة، في الاقتراحات المقدمة من كثيرين التمسك بفكرة الديمقراطية؛ لأنها المنجاة، وإصلاح آلياتها كمثل الذهاب إلى خطوات سياسية تتمثل استيعاب المتغيرات الاجتماعية، على رأسها علاج عوار قانون الانتخاب القائم؛ لأن مثالبه أصبحت واضحة بعد تجربة، وكذلك تعديل الدوائر الانتخابية إلى خمس وعشرين دائرة، وإنصاف المرأة في العمل السياسي، وتجريم حقيقي للمال السياسي ونقل الأصوات، وربما الانتخاب بدرجتين، على ألا يصل إلى كرسي النيابة إلا من يحصل على نصف أو أكثر من أصوات الدائرة، وإن أمكن تنظيم المنابر السياسية بعيداً عن الطائفية والقلبية والعائلية، ومن جهة أخرى اختيار رجال ونساء الإدارة التنفيذية على قاعدة الكفاءة والاقتدار، الحكم هو اختيار، حتى لو كان ذلك الاختيار صعباً، ومن الواضح أن ترك الأمور كما هي لا يؤدي إلى انفراج، وكلما طال الاحتقان السياسي المشاهد، زادت نسبة عدم الاستقرار، وأثرت سلباً في الاقتصاد والمجتمع وعرصت السلامة الوطنية للمخاطر.
آخر الكلام:
أهم سلاح يقف أمام المتغيرات الهائلة في المنطقة هي الوحدة الوطنية، دونها تدخل المجتمعات في مخاطر قد تقود إلى الفوضى.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة