كانت هبة ريح قوية كل ما تطلبه الأمر ليتوقف تدفق الحاويات العالمية وشحنات النفط عبر القنال. وتسببت السفينة الجانحة التي أعاقت مجرى الملاحة في قناة السويس، في تعطل الطريق الذي يجري من خلاله أكثر عن 10 في المائة من مجمل التجارة الدولية.
يعود جزء من هذا الموقف إلى سوء حظ ليس أكثر، فقد حرصت مصر على توسيع أجزاء من القناة للسماح بالحركة من خلالها في اتجاهين واحتواء ناقلات أكبر. إلا أن سفينة «إيفر غرين» خرجت عن مسارها وعلقت بصورة جزئية داخل الممر الملاحي الذي ما يزال ضيقاً.
هذا الحادث يعتبر كذلك بمثابة تذكير لنا بأنه حتى حضارة متقدمة كحضارتنا ما تزال لديها نقاط ضعف خطيرة. على الصعيدين الاستراتيجي والعسكري، تعرف مثل هذه النقاط الضيقة الأقرب إلى عنق الزجاجة باسم «نقاط الاختناق». وغالباً لا نوليها القدر الكافي من الاهتمام حتى يقع خطأ ما.
من جانبهم، يسعى مصممو الأنظمة بدأب لتجنب مثل هذه الإخفاقات، بحيث تتمكن شبكات النقل والطاقة والاتصال من الصمود في وجه هجمات أو كوارث غير متوقعة. ويعتبر الانهيار المزدوج المرتبط بطائرة «بوينغ 737 ماكس» مجرد مثال واحد على تصميم معيب ـ فقد قدم جهاز استشعار معيب قراءات خاطئة لنظام الطيار الآلي للطائرة.
بجانب ذلك، كان من المفترض من التطورات التكنولوجية والعولمة أن يجعلونا أقل عرضة لمثل هذه النوعية من المشكلات. على سبيل المثال، جرى تصور الإنترنت باعتبارها منظومة لا مركزية من الصعب للغاية خرقها، مثل «البيتكوين».
ومع هذا، ما تزال البنية التحتية العالمية، بمفهومها الواسع، تتَّسم بعدد مثير للدهشة من نقاط الضعف. وربما تواجه جهود إصلاح أي خطأ يتعلق بهذه النقاط صعوبات كبيرة، خاصة أن مسألة خلق بدائل مرتفعة التكلفة وتتعارض مع اقتصاديات الحجم. في بعض الحالات، تتفاقم المشكلة، ذلك أن الصناعات تصبح أكثر تركيزاً نتيجة عمليات الاستحواذ. علاوة على ذلك، فإنَّ مساحات واسعة من حياتنا نعتمد فيها اليوم على مجرد حفنة من شركات التكنولوجيا. وتشير إحصاءات إلى أن «نوكيا» و«إريكسون إيه بي» و«هواوي» الصينية تسيطر فيما بينها اليوم على نحو 60 في المائة من سوق معدات الاتصال عن بعد، على سبيل المثال.
وتتمثل النقطة الأساسية هنا في أن الحكومات اليوم أصبحت أكثر إدراكاً للنفوذ السياسي والاقتصادي الذي تملكه الجهات المالكة لنقاط الاختناق تلك. ويعد هذا واحداً من الأسباب وراء شعور الولايات المتحدة بقلق بالغ إزاء مشاركة «هواوي» في بناء شبكات «الجيل الخامس» شديدة الحساسية.
دعونا أولاً نعود إلى القنوات. من المعروف أن قناة بنما التي تربط بين المحيطين الأطلسي والهادي، وقناة السويس الرابطة بين البحرين الأحمر والمتوسط، ومضيق هرمز الذي يشكل مدخل الخليج العربي، تعتبر جميعها ممرات ضيقة تضطر الحاويات وناقلات النفط إلى المرور من خلالها. أما البديل، فهو اتباع طريق آخر طويل أو التحول إلى الشحن الجوي الأعلى تكلفة.
على امتداد عقود، جرى النظر إلى هذه الممرات المائية باعتبارها مناطق تتميز بأهمية استراتيجية كبرى، بجانب كونها عرضة لهجمات عسكرية أو إرهابية. من ناحيتها، استغلت إيران باستمرار مضيق هرمز في الضغط على قوى أجنبية. وجرى الترويج للعديد من الطرق البديلة، لكن معظمها ظل مجرد تصورات بعيدة عن أرض الواقع.
مثلاً، فكرت نيكاراغوا في حفر قناة تربط بين المحيط الهادي وبحر الكاريبي، لكن يقال إن التكلفة الفاحشة البالغة 50 مليار دولاراً حالت دون إقدامها على تنفيذ المشروع.
وقد يلتمس المرء بعض العذر عن الأخطار التي تظهر من رحم الطبيعة، لكن لا ينبغي لنا التعامل بذات القدر من التسامح مع نقاط الضعف القائمة على الصعيد الاقتصادي التي نملك سيطرة أكبر عليها.
ودعونا ننظر إلى مجال الطاقة، ففي إطار مساعيها للتخلص من نقطة ضعف واحدة ـ حقيقة أن أوروبا تحصل على الكثير من الغاز الطبيعي من خطوط أنابيب تمر عبر أوكرانيا ـ خلقت ألمانيا نقطة ضعف أخرى: خطي أنابيب «نورد ستريم» لنقل الغاز الطبيعي الرابطين بين روسيا وألمانيا ويمران أسفل بحر البلطيق. من جهتها، تشعر الولايات المتحدة بقلق من أن يتسبب «نورد ستريم» في إلحاق الضعف بدول شرق أوروبا ويزيد اعتماد ألمانيا على روسيا.
في المجال المالي، ترتبط تريليونات الدولارات في صورة أدوات مالية بمعدل الفائدة الذي تحدده مجموعة من كبرى مصارف لندن، الأمر الذي وجدت هذه الدائرة الضيقة من البنوك سهولة بالغة في استغلاله حتى انكشف أمرها خلال السنوات التي أعقبت الأزمة المالية عام 2008. اليوم، يجري استبدال معدل الفائدة هذا والمعروف باسم «ليبور».
وبالمثل، لطالما اعتمدت أوروبا على منظومة «سويفت» للمدفوعات والدولار الأميركي، لكن ثارت تساؤلات حول هذا الاعتماد عام 2008 عندما عارضت أوروبا الموقف الأميركي إزاء العقوبات ضد إيران.
في المجال التكنولوجي، يحذر الناس منذ سنوات من أن الولايات المتحدة بحاجة إلى خطة بديلة داعمة لنظام التموضع العالمي، نظام البنية التحتية الملاحي المعتمد على الإنترنت والذي تقوم عليه الكثير من جوانب الاقتصاد الرقمي الحديث. ويمكن أن يتعرض هذا النظام لاختراق أو عطل في أي وقت. وحتى الآن، لم تطور الولايات المتحدة نظاماً بديلاً لها.
وتعتبر صناعة أشباه الموصلات القطاع الذي تتجلى فيه نقاط الاختناق على النحو الأكبر. وقد تسبب حدوث نقص عالمي في رقائق الكومبيوتر بسبب جائحة فيروس «كوفيد - 19» في إجبار الجهات المنتجة إلى التخلي عن خططها القائمة. ورغم أن هذا التوقف مؤقت، لكنه يكشف النقاب عن مشكلة حقيقية: أن عدداً قليلاً للغاية من الشركات قادرة على إنتاج أكثر رقائق الكومبيوتر تطوراً بسبب تحديات فنية والتكلفة المرتفعة. كما تقع أهم هذه الشركات، «شركة تايوان لتصنيع أشباه الموصلات»، في جزيرة تقع تحت التهديد المستمر بالغزو من جانب بكين. ولا يعد هذا المثال الوحيد على حالة التركيز الخطيرة في هذه الصناعة.
في الواقع، ليس من السهل حل مشكلة أي من نقاط الاختناق سالفة الذكر، ليس فقط جراء وجود طموحات جيوسياسية كامنة خلفها، وإنما كذلك بسبب الموازنة المستمرة بين تحقيق قدر أكبر من الصلابة والصمود وتحقيق كفاءة وفعالية. والمؤكد أن تعزيز سلاسل الإمداد أمر مكلف للغاية.
ومع هذا، يتعيَّن على الحكومات الاضطلاع بدور أكبر على هذا الصعيد.
*بالاتفاق مع «بلومبرغ»
7:28 دقيقه
TT
نقاط الاختناق في العالم كثيرة
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
