عاصفة بين النساء والشرطة في بريطانيا

عاصفة بين النساء والشرطة في بريطانيا

الأحد - 7 شعبان 1442 هـ - 21 مارس 2021 مـ رقم العدد [15454]

أكد السير روبرت بيل، الأب الروحي للشرطة الحديثة، وأول من قام بتشكيل قوة شرطة حقيقية في لندن، على أن مساعي ضبط الأمن تنجح عندما تُمنع الجريمة، ومن ثم تكتسب الشرطة ثقة الجمهور وتعاونهم. لكن ما حدث مؤخراً أثبت أن شرطة العاصمة لندن المعروفة باسم «ميت» قد فشلت في كلتا الحالتين.
وكما يعرف العالم في الوقت الحالي، فقد اختُطفت سارة إيفرارد وقُتلت في جنوب لندن على رغم اتخاذها جميع الاحتياطات الصحيحة قبل العودة إلى المنزل ليلاً. كانت السيدة اللندنية البالغة من العمر 33 عاماً ترتدي ملابس زاهية الألوان، وتسلك طرقاً مضاءة جيداً، وتتصل بصديقها أثناء سيرها، والمفارقة أن الرجل الذي اعتُقل ووجهت له تهمة قتلها يعمل ضابط شرطة.
عندما حاولت مفوضة شرطة العاصمة، كريسيدا ديك، طمأنة النساء بأن عمليات الاختطاف نادرة في بريطانيا، كانت كلماتها دقيقة، لكنها متبلدة في نفس الوقت. صحيح أن النساء أقل عرضة للقتل في بريطانيا من الرجال، وأكثر عرضة للقتل على يد شخص معروف لديهن أكثر من أي شخص غريب في الشارع، لكن العنف ليس نادراً. كان لقتل إيفرارد صدى في حد ذاته، لأنه سلط الضوء على جانب أوسع من التهديدات التي تؤثر على النساء والفتيات.
وقام عدد من المشيعين بتنظيم وقفة احتجاجية سلمية اعترضتها الشرطة بحملة اعتقالات بررتها بأنها إجراءاتها تهدف إلى فرض قوانين الإغلاق، في الوقت الذي لا يزال التحقيق فيه جارياً. لكن ما حدث في حقيقة الأمر كان تصرفاً سيئاً من جانب الشرطة، التي كان من الأولى بها الاتفاق على الشروط مع المنظمين مسبقاً، بدلاً من رفض أي تجمع واعتقال المشاركين.
التوقيت محرج بالنسبة لحكومة بوريس جونسون، خاصة في ظل تشريع ضخم خاص بقانون الشرطة، والجريمة، والأحكام، والمحاكم، سيعرض على البرلمان. يمنح القانون الجديد الشرطة سلطات كاسحة أثناء الاحتجاجات، بما في ذلك تحديد وقت البدء والانتهاء، وفرض قيود على الضوضاء وفرض غرامات على حالات «الإزعاج الشديد».
جونسون لديه الأصوات لتمرير أي مشروع قانون يريده، لكن هذا المشروع سيخضع الآن لمزيد من التدقيق. ورغم ذلك، فإن السلطات الجديدة الممنوحة للشرطة للسيطرة على الاحتجاجات المتفاقمة لن تحل التحدي الأكثر إلحاحاً الذي أظهره مقتل سارة إيفرارد، وهو كيف نجعل النساء والفتيات أكثر أماناً.
وفي تغريدة عبر منصة «تويتر»، وصفت هاريت جونسون، محامية حقوق الإنسان، شرطة لندن بأنها «كارهة النساء» وصاحبة السجل السيئ في منع الاعتداءات عليهن، وذكرت أنه «ما من امرأة إلا ونفذت تعليمات الشرطة بأن سلكت طريقاً أطول، ووقفت أمام نافذة عرض في متجر، وأمسكت بمفاتيحها في يدها، وادّعت إجراءها لمكالمة هاتفية»، «إلا أنهن لم يكن بمأمن من الاعتداءات».
لقد انخفض التمويل الحكومي لخدمات الشرطة بنسبة 16 في المائة في العقد الذي تلا عام 2009 «انخفض التمويل المركزي أكثر من ذلك بكثير، على الرغم من أن بعض مكاتب الشرطة يمكن أن تجمع الأموال محلياً»، بينما زادت الجرائم المسجلة في السنوات الأخيرة. ونتيجة لذلك، أجرت الشرطة مقايضات في الجرائم التي يجب تحديد أولوياتها. فمن المعروف أنه من الصعب التحقيق في الاعتداء الجنسي والاغتصاب ومقاضاة مرتكبيه.
تعني التخفيضات أيضاً أن الشرطة بالكاد تصطحب جهاز كومبيوتر محمول في جريمة منخفضة المستوى، ما يثني عن الإبلاغ، ويمكن أن يجعل الأماكن العامة تبدو أقل أماناً. ولا عجب أنه بعد اختفاء سارة إيفرارد، لجأت النساء إلى وسائل التواصل الاجتماعي لسرد تجاربهن للتعرض للتهديد أو المضايقة أو الاعتداء.
أظهرت البيانات المنشورة مؤخراً من «هيئة الأمم المتحدة للمرأة» أن أكثر من 70 في المائة من النساء، وأكثر من 97 في المائة من الفتيات اللواتي تتراوح أعمارهن بين 18 و24 عاماً، تعرضن للتحرش الجنسي في الأماكن العامة في بريطانيا.
وقد وعد جونسون بـ20 ألف شرطي إضافي، وأعلن عن مزيد من كاميرات الدوائر التلفزيونية المغلقة وإنارة الشوارع ونشر رجال شرطة في ثياب مدنية. لكن ما لم يكن هناك تحول في التفكير داخل الشرطة لتشجيع الإبلاغ والتحقيق بقوة في القضايا ومقاضاة مرتكبيها، فإن مشكلات الاعتداء الجنسي والاغتصاب للنساء ستستمر.
وتظهر أرقام الحكومة أن واحدة من كل 5 نساء ستتعرض لاعتداء جنسي في حياتها، وربعها ستعاني من العنف المنزلي. وقد تبنت بريطانيا مؤخراً مشروع قانون رائد في مجال العنف المنزلي.
إن التعاون مع جمعيات خيرية، مثل «ليت مي نو» (التي توفر ورش عمل لمساعدة الأطفال على تحديد العلاقات المسيئة) أو «مشروع التعاون المدرسي» يمكن أن يحدث فرقاً.
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة