ضحايا التعذيب... من مرحلة الرعب إلى مرحلة الشفاء

ضحايا التعذيب... من مرحلة الرعب إلى مرحلة الشفاء

الثلاثاء - 25 رجب 1442 هـ - 09 مارس 2021 مـ رقم العدد [15442]
داود الفرحان
كاتب عراقي

قد لا يعرف كثيرون أن سجن الكاتراز الأميركي الرهيب الذي أُغلق في عام 1963، صار مزاراً سياحياً دولياً شأنه شأن استوديوهات يونيفرسال ومدينة والت ديزني وتمثال الحرية وشلالات نياغرا على الحدود الأميركية - الكندية ومبنى إمباير ستيت وجسر بروكلين وحديقة سنترال بارك والبيت الأبيض ومبنى الأمم المتحدة وجسر البوابة الذهبية على خليج سان فرانسيسكو ومركز كيندي للفضاء وكازينوهات لاس فيغاس وجزر هاواي.
هذا المقال ليس دعاية سياحية لزيارة الولايات المتحدة، فجائحة كورونا (كوفيد - 19)، أغلقت أبواب السياحة في كل العالم تقريباً، وليس أميركا وحدها. لكنه عن السجون والمعتقلات التي تمارس فيها أبشع وسائل التعذيب وأكثرها انحطاطاً في القارات الخمس. الكاتراز واحد من تلك السجون، وهو في «الثقافة السجنية» سجن أسطوري لم يتمكن أحد من نزلائه أن يهرب حياً. وسجلت هوليوود أفلاماً عديدة عنه أشهرها فيلم «رجل طيور الكاتراز» من بطولة بيرت لانكستر، وفيلم «الهروب من الكاتراز» من بطولة كلينت إيستوود، وفيه يقول أحد حراسه المرعبين لسجين جديد عبارة صارت من كلاسيكيات السينما: «إذا لم تُطِعْ قوانين المجتمع، سيرسلونك إلى السجن، وإذا لم تُطِعْ قوانين السجن، سيرسلونك إلينا هنا في الكاتراز». حسناً فعلت الولايات المتحدة بإغلاقها هذا السجن الفظيع وتحويله إلى مزار سياحي. لكنها لم تتعلم الدرس، فأقامت على أطراف بغداد معتقلاً صار أشهر من «الكاتراز» اسمه «أبو غريب»، وفيه ارتكب جنود الاحتلال الأميركي أقذر أساليب التعذيب والتنكيل والسادية ضد معتقلين جمعوهم من أنحاء العراق بتهمة مقاومة الاحتلال الأميركي. وكان الرئيس العراقي الراحل صدام حسين قد أصدر قراراً عشية الاحتلال بـ«تنظيف» هذا السجن والسجون الأخرى من النزلاء، وأغلبهم من غير السياسيين. وهو لم يكن سجناً طائفياً لعدم وجود هذا التوصيف قبل 2003، إلا أنه صار معتقلاً للمقاومين الذين تصدوا للاحتلال الأميركي، بالإضافة إلى آلاف الأبرياء الذين تم جمعهم من محافظات نينوى والأنبار وبغداد وصلاح الدين وديالى بلا ذنب، وتم التنكيل بهم، ليس من قبل الجنود الأميركيين وحدهم، وإنما من قبل المجندات الأميركيات أيضاً اللاتي تفوقن على زملائهن في فنون التعذيب الجسدي.
ومن الصدف أنني زرت سجن «أبو غريب» قبل الاحتلال في مهمة نقابية للتضامن مع أحد الصحافيين العراقيين البارزين وتوفير رعاية له، وقبل الزيارة رفعت مذكرة إلى نجل الرئيس الراحل عدي، وكان نقيباً للصحافيين، ألتمس فيها أن يطلب من والده إطلاق سراح الصحافي المذكور، فكتب على هامش المذكرة: «لا تلعب بالنار»، وكنتُ لعبت بالنار قبلها ودخلت معتقلاً آخر!
إلا أن سجن أبو غريب «فرّخَ» بعد الاحتلال الأميركي ثم الاستيطان الإيراني معتقلات لا حدّ لها في كل المحافظات، وصار لكل ميليشيا معتقلات عديدة ترمي فيها من تشاء من «السنّة» أو «الشيعة» بتهمة الانتماء لحزب البعث، أو التظاهر ضد الفساد والطائفية والبطالة والنفوذ الإيراني الذي لا حدود له. وتُمارَس ضد المعتقلين «طقوس» خرافية باستخدام أساليب تعذيب لم تخطر على بال أحد مثل «الدريل» وهو مثقاب الجدران الكهربائي، لثَقْب الجماجم!
وامتد الأمر الذي صار ظاهرة طائفية إيرانية صريحة إلى أنحاء العراق من الموصل المنكوبة، إلى الأنبار الجريحة، إلى بابل المسبية إلى ديالى المقهورة، وإلى متظاهري أكتوبر (تشرين) الشجعان من الشباب الوطني العراقي الذي هبّ متأخراً لاستعادة وطنه من الإيرانيين وفيلق القدس وناهبي ثروات البلاد من اللصوص والجهلة والقتلة. والأفظع من كل ذلك أن هناك آلاف المعتقلين لا يعلم عن مصيرهم أحد شيئاً. وتوجد جنوب بغداد وشمال بابل منطقة ريفية اسمها «جُرف الصخر» تمت السيطرة عليها من قبل الميليشيات وقتل أو طرد سكانها خارجها. وتم تحويلها إلى معتقل تحت الأرض، وفوقها وتُمنع زيارتها، إلا لضباط من فيلق القدس الإيراني، وقادة الميليشيات الطائفية، وهي أسوأ السيئات في المشهد السياسي الراهن في العراق.
قد يبدو من هذا أن الأميركيين ربما كانوا أرحم من هؤلاء المنفلتين مثل سلاحهم المنفلت. هؤلاء الميليشياويون لا يمثلون الشيعة الوطنيين العراقيين، الذين أسهموا مع بقية مكونات العراق في إقامة دولة متحضرة وصامدة، حتى في أسوأ سنوات الحرب العراقية - الإيرانية، وأصعب أيام الحصار الاقتصادي الجائر. النظام العراقي السابق، برغم كل شيء، لم يبع أو يتنازل عن العراق للأجنبي حتى اللحظة الأخيرة في حرب الغزو الأميركي غير المتكافئة. وقبلها وقف في وجه الطغيان الإيراني، بل واحتل أجزاءً من إيران نفسها.
إلى متى تستمر هذه الحالة؟ أين الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان والعفو ونقابات المحامين؟
لقد أصدرت الأمم المتحدة مراراً مئات البيانات والتصريحات المنددة بلجوء بعض الأنظمة السياسية القمعية إلى تعذيب المعتقلين.
وتتفق معظم الشرائع على أن ممارسة التعذيب على نحو منتظم وبشكل واسع النطاق تشكل «جريمة ضد الإنسانية». وأصبح يوم 26 يونيو (حزيران) يوماً دولياً للأمم المتحدة لمساندة ضحايا التعذيب بهدف القضاء على هذا السلوك الشائن، وتفعيل أداء «اتفاقية مناهضة التعذيب». ودعت المنظمة العالمية إلى إعداد برامج فورية ومتخصصة لإعادة تأهيل الضحايا من مرحلة الرعب إلى مرحلة الشفاء.
أمامنا اليوم ما يسمى الصكوك القانونية أو التشريعات، أي المراجع الدولية التي يعتمد عليها، وهي «اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة».
إلا أن معظم تلك «الصكوك» غير فعالة بدليل أن التعذيب تصل قسوته في بعض الدول إلى الموت البطيء والمؤلم، مثل ما يحدث في إيران والعراق وسوريا والجزء المحتل من اليمن في الشرق الأوسط، وجمهوريات الموز في أميركا اللاتينية، وبعض الأنظمة القمعية في أفريقيا ومثلها في آسيا الوسطى.
والمقصود بأدوات التعذيب الهراوات ذات المسامير المعدنية وأحزمة الصدمات الكهربائية والصعق الكهربائي، والحقن القسرية والمواد الكيميائية المستخدمة في عمليات إعدام الأشخاص كالسموم وماء النار والغاز الخانق، وحرمان المعتقلين المرضى من الرعاية الطبية الكافية ما يجعلهم تحت خطر الموت، ويلجأ النظام الإيراني إلى هذا الأسلوب الذي سمي «احتجاز الصحة رهينة»، بينما يسود «التعذيب العقلي» معتقل «غوانتانامو» الأميركي ومعتقلات إسرائيل.
الأخطر من التعذيب هو تجارة أدوات التعذيب، وهي تجارة حكومات وليست تجارة أفراد.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة