الصقور والحمائم في لغة الاقتصاد

الصقور والحمائم في لغة الاقتصاد

الأحد - 3 رجب 1442 هـ - 14 فبراير 2021 مـ رقم العدد [15419]

لطالما جرى تصنيف محافظي البنوك المركزية على أنهم صقور يفضلون تكاليف الاقتراض المرتفعة للحفاظ على غطاء التضخم، أو كحمائم تفضل أسعار الفائدة المنخفضة على النمو. في الأوقات العادية، تساعد تلك الصور المستثمرين والمراقبين على معرفة وتوقع السياسات النقدية. لكن هذا بعيد كل البعد عما يجري في الأوقات العادية، إذ ذلك يساهم في تشتيت الذهن، لا في تنويره.
لنفكر مثلاً في نموذج الهند. فقد واصل البنك المركزي مؤخراً تثبيت سعر الفائدة كما كان الحال منذ منتصف عام 2020. فعندما قامت حكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي بتغيير نصف أعضاء مجلس إدارة البنك البالغ عددهم ستة في أكتوبر (تشرين الأول)، نظر المراقبون إلى التغيير على أنه يهدف إلى التحول إلى اتجاه أكثر «حمائمية».
كان من المفترض أن تكون اللجنة جديدة تماماً ليكتسب التغيير بذلك تعاطفاً أكبر. لكن هذا لم يحدث، على سبيل المقارنة، كان الحرس القديم يتصدى لتكاليف الاقتراض. فما يسمى الحمائم لم يكتفوا بالبقاء ساكنين، إذ أعلن بنك الاحتياطي الهندي عن كبحه لجماح بعض سياسات الطوارئ. وفي مواجهة ذلك، كانت المقاومة محيرة، لأنَّ التضخم كان قد تراجع في الفترة التي سبقت الاجتماع.
هل أصبحت الحمائم صقوراً على حين غرة؟ من غير المرجح أن يكون هذا قد حدث. فبنك الاحتياطي الهندي لم يذكر أنه ملتزم بـ«التكيف» مع ما يجري - فالمعدلات تراجعت 115 نقطة أساسية في عام 2020 - وسوف يسعى البنك لتوفير السيولة. ويعول المسؤولون أيضاً على التوسيع المالي الكبير للحكومة في مساعدتهم. يظهر هذا التحرك أنَّ البنوك المركزية في مرحلة ما بعد «كوفيد» تتطلب حنكة وقدرة على تنحية الآيديولوجية جانباً، فقد تطورت فلسفات التوجيه خلال حياتهم المهنية في الأوساط الأكاديمية، ولم يعد ذلك سارياً لا على الحكومة ولا على القطاع الخاص.
تصبح مقاربات الطيور صارخة عند النظر في المواقف النقدية في الاقتصادات المتقدمة. على سبيل المثال، كثيراً ما جرى وصف استير جورج، رئيسة البنك الاحتياطي الفيدرالي في كانساس، علناً باعتبارها واحدة من أكبر مسؤولي الولايات المتحدة تشدداً، شأن سلفها، توماس هونيج.
ولكن في الأسبوع الماضي، ذكر جورج أن بنك الاحتياطي الفيدرالي «لا يزال بعيداً» عن تحقيق أهدافه، وأنه من السابق لأوانه التفكير في تقليص برنامج شراء السندات الضخم. حتى هاروهيكو كورودا، محافظ البنك المركزي الياباني فكر أحياناً في عمل تيسير دائم، ذلك رغم أنه يبدو أكثر تحفظاً من غيره.
كانت الإجراءات الجديدة التي نفذها البنك المركزي الياباني أقل من تلك التي نفذها بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أو البنك المركزي الأوروبي خلال فترة جائحة «كورونا»، ومع ذلك لم يتوقف البنك المركزي الياباني عن التيسير الكمي، وكان رائداً في سعر الفائدة الصفري. فقد جعل ذلك كورودا يبدو أقل حتى من الحمائم، فهل يعم ذلك؟
من المهم أن تتوقع تلاشي تلك التسميات المضللة في وقت لاحق من العام الجاري، عندما يجري مناقشة مستقبل رئيس مجلس إدارة بنك الاحتياطي الفيدرالي. فمن المقرر أن تنتهى ولاية السنوات الأربع في فبراير (شباط) 2022، لكن التكهنات حول موقفه ستبدأ في وقت مبكر.
لكن الثرثرة تكون أعلى من أي وقت سابق عندما يكون مدير بنك الاحتياطي قد جرى تعيينه من قبل رئيس حزب آخر.
كان باول يُعتبر محايداً عندما اختاره ترمب ليحل محل جانيت يلين، لكنه استمر في رفع معدلات الفائدة خلال عام 2018، وهو ما بدأ قبل أن يرفض ترمب منحها فترة ولاية ثانية. من جانبها، كانت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي السابقة غالباً ما ينظر لها بوصفها حمامة، إلا أنها تولت وضع حد لعملية التيسير الكمي في عام 2014 وبداية رفع سعر الفائدة في أواخر عام 2015. والآن بوصفها وزيرة الخزانة في عهد بايدن، يتعيَّن عليها التسويق لمقترح الرئيس المتمثل في بيع حزمة إغاثة تبلغ 1.9 مليار دولار، وهو ما أطلق صافرات الإنذار للتضخم لأمثال لورنس سامرز، الذي كان أحد أسلافها. (سامرز كان أحد المرشحين لمنصب رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي قبل أن يسحب ترشيحه في عام 2013).
يعتبر محافظو البنوك المركزية أكثر براغماتية مما يتخيلهم الناس، إذ إن غالبيتهم يحاول التعامل مع الأيدي التي تمد لهم، ويحاولون مواجهة العالم كما هو، ولا يحاولون تجميله. فالوباء حل بالهند وهي في أزمة مصرفية بالفعل، وقد تحدى فريق مودي استقلال البنك المركزي أكثر من مرة. لكن البنك المركزي الهندي أسدى لنا معروفاً بثبات موقفه. لقد حان الوقت لنقول وداعاً للسرب فيما يهم بالطيران.
- بالاتفاق مع «بلومبرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو