وعد باراك أوباما المفقود

وعد باراك أوباما المفقود

الاثنين - 13 شهر ربيع الثاني 1436 هـ - 02 فبراير 2015 مـ رقم العدد [13215]
ماجدة شاهين
مديرة مركز الوليد بن طلال للدراسات الأميركية في الجامعة الأميركية بالقاهرة

ما زلت أتذكر بوضوح خطاب الرئيس باراك أوباما الذي ألقاه في القاهرة يوم 4 يونيو 2009، بعد 5 أشهر فقط من توليه الحكم في فترة ولايته الرئاسية الأولى. كانت كلمة تعكس رؤية طموحة لإعادة تشكيل علاقة أميركا بالعالم الإسلامي. وأقر بأن الإرث الاستعماري ساهم في تغذية حالة عدم الثقة بالغرب، وأنه خلال الحرب الباردة، عوملت كثير من الدول المسلمة باعتبارها دولا وكيلة دون مراعاة لتطلعاتها الخاصة. وقال أوباما: «لقد أتيت إلى القاهرة سعيا لبداية جديدة بين الولايات المتحدة والمسلمين في أنحاء العالم، استنادا إلى المصلحة المشتركة والاحترام المتبادل». فرحبنا نحن في مصر والشرق الأوسط بالسياسة الأميركية الجديدة.
وشدد أوباما على اتباع منهج التعددية في سياسته الخارجية. وكان هذا يعتبر تطورا مشجعا خصوصا بعد السياسات الأحادية الجانب التي انتهجها سلفه الرئيس جورج دبليو بوش الذي أدت حروبه على الإرهاب إلى عمليات غزو واحتلال لفترات طويلة لدولتي أفغانستان والعراق. اعتمد أوباما استراتيجية قائمة على الاشتراك والتعاون والتفاوض والإقناع. ولكن أوباما باعتباره شخصية واقعية لم يستبعد العزم على استخدام القوة إذا تعرضت المصالح الأساسية الأميركية للتهديد. أطلق بعضهم على سياسته اسم «تعددية ذات أنياب». ولكن، بغض النظر عن نيات أوباما، لم تسفر التعددية عن نتائج جيدة.
في تعامله مع الحربين في أفغانستان والعراق، التي ورثهما عن سلفه أمر أوباما، سعيا للتوفيق بين السياسة الخارجية الأميركية للقانون الدولي، بالانسحاب السريع والكامل للقوات الأميركية من العراق. وفي أفغانستان، التي كانت العمليات الأميركية تحصل فيها على دعم من قوات حلف الناتو، أمر أوباما بزيادة أعداد القوات الأميركية قبل أن يأمر بانسحابها بشكل تدريجي. ومع ذلك، فإن الانسحاب الأميركي في الدولتين أدى إلى وضع أمني غير المستقر واحتمالات حدوث انهيار كامل.
بدا أوباما في أفضل حالات التعددية عند استجابته للثورة الليبية في عام 2011. فامتثل لقرار صادر من مجلس الأمن التابع بالسماح «باستخدام كل التدابير» للتدخل في الصراع الداخلي الدائر في ليبيا من أجل منع ارتكاب انتهاكات في حقوق الإنسان. تولى الحلف في النهاية قيادة الجهود العسكرية التي قامت بشكل فعال بدعم الفصائل المتمردة المسلحة حتى تمت الإطاحة بالديكتاتور الليبي معمر القذافي. ولكن تدخل أوباما في ليبيا تعرض لاحقا لانتقادات حادة مع تفكك البلاد ودخولها في اقتتال داخلي. تشكك البعض في ضرورة التدخل الغربي من أساسه، وألقى آخرون باللوم على انسحاب الناتو السابق لأوانه، لأنه رحل عن البلاد وتركها وهي تعاني من ضعف في مؤسساتها.
يمكن القول إن المهمة البطيئة وغير المخططة التي تمت في ليبيا بداية من حماية للمدنيين وحتى الإطاحة بالحاكم، قوضت محاولات واشنطن لتكرار عملية التدخل متعددة الأطراف من أجل الاستجابة لثورة أخرى من ثورات الربيع العربي في سوريا. دعا أوباما لتدخل الأمم المتحدة في سوريا بعد مرور عامين من اندلاع الثورات، ولم يفعل ذلك إلا عندما تحدى الاستخدام المزعوم لأسلحة كيماوية مسؤولية الأمم المتحدة في التحرك ضد بشار الأسد. ولكن عندما فشل البيت الأبيض في حشد إجماع في مجلس الأمن من أجل القيام بعمل عسكري، وافق على اقتراح روسي بوضع الأسلحة الكيماوية في سوريا تحت رقابة دولية. من الصعب تقييم الآثار السببية، ولكن عدم وجود تدخل عسكري مستهدف فتح مساحة لظهور قوى أخرى، مثل تنظيم داعش المتطرف.
ويعتبر اتفاق واشنطن على الدخول في مفاوضات أساسية مع إيران بشأن برنامجها النووي مثالا واضحا على تعددية أوباما. لقد فتح البيت الأبيض قنوات اتصال رسمية مع إيران، وأرسل وزير خارجيته جون كيري للتفاوض مع دبلوماسيين إيرانيين خلال محادثات مجموعة دول «5 زائد 1» بشأن البرنامج النووي الخاص بإيران. ويعتبر هذا تناقضا كبيرا مع سياسة جورج دبليو بوش الخاصة بعدم إجراء أي محادثات وتهديده بشن هجوم استباقي. هناك كثير من القضايا الملحة التي تتطلب حوارا أميركيا مع طهران: برنامج إيران النووي، وصعود تنظيم داعش، والوضع السياسي غير المستقر على نحو متزايد في أفغانستان واليمن، وتداعيات عدم الاستقرار على باكستان المسلحة نوويا.
أما الاستثناء الصارخ في سياسة التعددية التي ينتهجها أوباما فهي سياسته تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. مال أوباما، مثل أغلب من سبقوه، إلى تفضيل الجانب الإسرائيلي كي تظل الولايات المتحدة هي الوسيط الرئيسي في النزاع. فبعد بذل جهود قليلة نسبيا خلال فترة أوباما الرئاسية الأولى، قامت الإدارة بحملة دبلوماسية خلال فترته الرئاسية الثانية. وأدت المفاوضات التي تقودها الولايات المتحدة إلى الإفراج عن معتقلين فلسطينيين واستعداد فلسطيني لتجميد الدعوة لاعتراف دولي بدولة فلسطين. ولكن بعد مرور عام، فشلت المحادثات وما زالت احتمالات التوصل لسلام قاتمة.
ويمكن أن تعزى النتائج المخيبة للآمال بشكل جزئي إلى حجم وتعقيد المشكلات الموجودة في المنطقة. فلم يكن أحد في الإدارة أو في المنطقة مستعدا للتطورات الدرامية والمتسارعة التي وقعت خلال السنوات القليلة الماضية: الثورات العربية، وانتشار التطرف، والإرهاب، والتنافس الطائفي بين الشيعة والسنة، وتصاعد حدة العنف بين حماس وإسرائيل. وأدت استراتيجيات التنمية الاقتصادية الفاشلة والظلم الاجتماعي واستمرار الفقر إلى زيادة تفاقم هذه التحديات. ينبغي على الولايات المتحدة من أجل الوصول إلى نتائج أفضل أن توسع نهج التعددية ليشمل الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي. فلا ينبغي أن تتنحى واشنطن جانبا ولا ينبغي أن يظل الأوروبيون على الهامش. ومع تحرك إدارة أوباما باتجاه التوصل لاتفاق مع إيران، ينبغي عليها كذلك تهدئة مخاوف دول الخليج بشأن إعادة تنظيم المصالح الأمنية الأميركية. وينبغي على أوباما أن يجد وسيلة للعمل بشكل بناء مع الجهات الفاعلة الرئيسية في المنطقة من أجل احتواء التهديد الذي يشكله تنظيم داعش.
تحدث أوباما، في كلمته الافتتاحية أمام الأكاديمية العسكرية الأميركية في وست بوينت في فصل الربيع الماضي، عن التعددية باعتبارها إرثا من فترة رئاسته. وشدد على ضرورة حشد الحلفاء والشركاء من أجل القيام بعمل جماعي، وأشاد بدور المنظمات الدولية من الأمم المتحدة ومنظمة حلف شمال الأطلسي وحتى البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. وحتى لو لم يؤد التحول إلى التعددية إلى الوفاء بآمال وتوقعات أوباما التي تعهد بها منذ خمس سنوات في القاهرة، ولكنها علامة فارقة هامة. ولكن دون تنفيذ فعال وأكثر اتساقا لهذه السياسة، تظل وعود تحسين العلاقات الأميركية بالعالم الإسلامي بعيدة المنال.


* مديرة مركز الوليد بن طلال للدراسات الأميركية في الجامعة الأميركية بالقاهرة
بالاتفاق مع «كايرو ريفيو»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو