عن التخبط الأوروبي أمام الجائحة

عن التخبط الأوروبي أمام الجائحة

الأحد - 11 جمادى الآخرة 1442 هـ - 24 يناير 2021 مـ رقم العدد [15398]

على عكس ما عرفنا من أزمات في الماضي القريب أو البعيد، لم نشهد، خلال أزمة الوباء الحالية، ظهور قيادات سياسية، وبخاصة في الغرب، أبرزها الحدثُ ودفع بها إلى السطح، كي تتعامل بعقل مدرك لمتطلبات الأزمة، وبمسؤولية، وتتمكن من اتخاذ إجراءات سريعة وعملية، تكون قادرة على صد هجمات الوباء، وتقليل ما يسببه من خسائر بشرية واقتصادية ما أمكن. وبالمقابل فإنَّ دولاً أخرى لا تملك ما للغرب من إمكانيات طبية، نجح مسؤولوها في محاصرة الوباء، والحد من خطره.
الخبرات والتجارب الإنسانية، وما وثقه المؤرخون، على مر الأزمان، في كُتب التاريخ، كلها تؤكد أن الأزمات، مثل الحروب، وانتشار الأوبئة والمجاعات، والهجرات وغيرها، تعد البيئة الأفضل لإنجاب، أو لبروز أناس متميزين. والسبب، يقول مختصون، إن طبيعة الأزمات وما ينجم عنها من تداعيات، وما قد تحدثه من أضرار، في وقت قصير، تحتم بالضرورة التعامل معها بعقلية مختلفة عن عقلية التعامل مع أوضاع اجتماعية في أوقات سلمية. وأن الارتباك الناجم والفجائي الذي تحدثه الأزمة، على مستوى القيادات السياسية أولاً، وعلى مستوى القواعد الشعبية ثانياً، يحدث هزة كبيرة. وكلما كانت التربة رخوة كان تأثير الهزة عظيماً.
ما يحدث في الواقع، هو أن الارتباك، لدى انبثاقه، يصيب المسؤولين، ثم ينقل عدواه بعد ذلك إلى المواطنين. وهذا يعني فتح الأبواب أمام الخوف ليبرز ويمتد زاحفاً منتشراً في كل الاتجاهات. وكما تعلمنا من الأزمة الوبائية الحالية، فإنه حين يدخل الخوف من باب، من الطبيعي أن يهرب التفكير السليم من أقرب نافذة، ويتحول المجتمع إلى ما يشبه قطيعاً تحركه الغريزة، هرباً من موت محتمل. وينعكس ذلك، في العادة، على تفكير المسؤولين، وهذا بدوره يفضي إلى سيادة التخبط والعشوائية والارتجال، وانعدام الرؤية والتبصر، الأمر الذي يفاقم في انتشار الأزمة وتعاظم أضرارها، مثلما نشاهد ما يدور في أوروبا الآن.
الزعيم البريطاني المحافظ ونستون تشرشل، على سبيل المثال، برز خلال بدايات الحرب العالمية الثانية، واستطاع بوعيه، وبحسن تدبيره، وثباته، أن يبث الشجاعة بين أفراد شعبه، ويدفعهم لتقديم أقسى التضحيات، وإلى مقارعة العدو، براً وبحراً وجواً. الزعيم تشرشل ليس مثالاً وحيداً أو زعيماً فريداً. كُتب التاريخ تمتلئ بأخبار وقصص العديدين من القادة، من مختلف البلدان، الذين أبرزتهم أزمات، وتميزوا بما أبدوه خلالها من حكمة وحسن تدبير وشجاعة، وقدرة على تصريف الأمور بوعي وإحساس بالمسؤولية. وها نحن، رغم مرور قرابة عام على الأزمة الوبائية الكوفيدية، لم نشهد، انحساراً تاماً لها في أوروبا، بل نشاهد تخبطاً طال أمده، زاد في تفاقم توتر الناس، لماذا؟
هناك تفسيرات عديدة لما حدث؛ أبرزها، في وجهة نظري، تلك التي تؤكد أن الأزمة الوبائية كانت مفاجئة، في وقت كان فيه النظام الدولي يمر بمنعطف خطير، عقب أزمة مالية هزت أركان العالم الرأسمالي في أقوى حصونه وقلاعه، ولم يشهد مثيلاً لها منذ عقود طويلة، وكادت، لولا تدخل من حسن الحظ، تعصف به وبمؤسساته. مضافاً إلى ذلك، ما خلقته أزمة الهجرة غير الشرعية - من بلدان أفريقيا والشرق الأوسط والأقصى وأميركا اللاتينية إلى بلدان أوروبا وأميركا - من ارتباك على مستوى العلاقات الدولية، وما أدت إليه، ضمن أشياء أخرى، إلى بروز حركات سياسية يمينية شعبوية في أوروبا والأميركتين، بشكل غير مسبوق، ووصول بعض تلك الحركات إلى السلطة في العديد من البلدان، ابتداءً بإيطاليا، ومروراً ببريطانيا، وانتهاءً بأميركا، آخذين في الاعتبار طبيعة تلك الحركات اليمينية، وأجندتها القائمة على معاداة النخب السياسية، وعلى خلق الهلع والخوف في قلوب مواطنيها من المهاجرين، وما تقدمه من حلول غير إنسانية، لأكثر الإشكالات إنسانية. وكان من الطبيعي أن يقود ذلك إلى خلق انقسامات علنية بين العديد من الدول، خصوصاً الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وفشلها في الاتفاق على سياسة موحدة تجاه أمواج المهاجرين.
هذه الخلفية الطويلة من الإشكالات التي سبقت الأزمة، دفعت الحكومات في أوروبا وأميركا إلى تبني سياسات تقشفية، أدت بدورها إلى إضعاف كثير من البنى التحتية لعديد من القطاعات المهمة، في مقدمتها القطاع الصحي، بحيث لم تعد قادرة على تلبية حتى الاحتياجات اليومية للمواطنين، فما بالك بأزمة وبائية غير مسبوقة. وأن المسؤولين، الذين تعاملوا مع الأزمة، فاجأتهم بسعة انتشارها وتحورها، وهم لا يمتلكون، ربما، الخبرة الكافية للتعامل مع وباء ينتشر كالريح بين الديار، وربما أنهم ظنوا أنها مجرد جائحة عابرة وينتهي الأمر، فإذا هم أمام وباء يبدو أنه لن يغادر سريعاً.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة