أصل العبارة المنسوبة كذباً إلى غلادستون

أصل العبارة المنسوبة كذباً إلى غلادستون

الأحد - 4 جمادى الآخرة 1442 هـ - 17 يناير 2021 مـ رقم العدد [15391]
علي العميم
كاتب وصحافي سعودي

أوضحتُ في المقال السابق أنَّ الدكتور حمزة بن قبلان المزيني فهم من وصف رشيد رضا غلادستون بـ«المتعصب لدينه» أنَّه كان يذمّه، مع أنه كان يمدحه بهذا الوصف.
وقد مدحه بهذا قبله جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في مقالهما «التعصب»، الذي اشتركا في كتابته.
يقولان في هذا المقال: «أَمَا إنَّ شأن الإفرنج في تمسكهم بالعصبية الدينية لَغريب! يبلغ الرجل منهم أعلى درجة في الحرية، كغلادستون وأضرابه، ثم لا تجد كلمة تصدر عنه إلا وفيها نفثة من روح بطرس الراهب، بل لا ترى روحه إلا نسخة من روحه (انظر إلى كتب غلادستون وخطبه السابقة)».
جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا دافعوا عن التعصب الديني في أي دين، وزكّوا التعصب الديني على التعصب الجنسي (أو القومي).
وهذا الدفاع كان رداً على دعوة النهضويين الليبراليين إلى فصل السلطة السياسية عن السلطة الدينية، ودعوتهم إلى إحلال الرابطة القومية (أو الوطنية) محل الرابطة الدينية. لكن يجب أن نفهم أنَّ كلمة التعصب تعني عندهم التحمس والمناصرة، ويجب ألا نفهمها بمعناها الشائع الذي تلا عصر النهضة العربية. كما يجب أن نسجل أن مقاومتهم لكلمة التعصب وكلمة المتعصب بمعناهما المستحدث المذموم قد باءت بالفشل.
هذا الشرح لكلمة متعصب بين ماضٍ وحاضر الذي قدمناه في المقال السابق ونكرره في هذا المقال، يدخل في نطاق علم أصول الكلمات أو الأتيمولوجيا. وعلم الأتيمولوجيا فرع من فروع علم اللسانيات، الذي هو حقل تخصص الدكتور حمزة المزيني.
المقتطف الثامن والأخير: «وردت في مجلة المنار (العدد 26، المجلد الأول، ص 489. 26-4-1316هـ 13-9-1898م) في مقال بعنوان التعصب: وناهيك بعظيم إنجلترا وفقيدها المستر غلادستون وخطبه ضد الإسلام، وكلمته الأولى في وجوب إعدام القرآن، وكلمته الآخرة في وجوب تطهير أوروبا من المسلمين. فأَخَذَه نَكَال الآخرة والأولى. إن في ذلك لعبرة لمن يخشى»، ولم يذكر مرجعاً.
التعليق: ثمة ظاهرة في المقالات والكتب العربية إلى عقود متأخرة من القرن الماضي، وهي أن كثرة من أصحابها كان لا يعنون كثيراً بذكر مراجعهم ولا مصادرهم. ولهذه الظاهرة تعليلات لسنا في سبيل الخوض فيها. ولن أبعد وسآتي بمثال لهذه الظاهرة يستند إلى المقتطف السالف.
أحمد أمين في كتابه «يوم الإسلام» الذي ألّفه في أول عام 1952، والذي أشرنا إليه أكثر من مرة، نقل من المقتطف السابق جملة «وجوب إعدام القرآن وتطهير أوروبا من المسلمين». ونقل من تتمته جملتين أُخريين، وهما: كلمة منسوبة للّورد سالسبري، وهي: إعادة ما أخذه الهلال من الصليب للصليب دون العكس. وأن الفرنسيين كانوا يستنكفون من السفر مع المسلمين في عربات السكة الحديدية في تونس والجزائر.
أحمد أمين في المعلومة الأخيرة استغنى عن ذكر المصدر الذي ذكره رشيد رضا. فهي وردت عند رشيد رضا بالصيغة التالية:
«وأذكر ما نقله (المقطم) من عهد غير بعيد عن الفرنساويين واستنكافهم من السفر مع المسلمين في حوامل (عربات) السكك الحديدية في تونس والجزائر».
أشير إلى تلك الظاهرة لأبيّن أن ملحوظة الدكتور حمزة بأن رشيد رضا لم يذكر مرجعاً، هي ملحوظة ليست ذات بال.
الملحوظة ذات الأهمية هي الالتفات إلى الشطر الأخير من الجملة التي نسبها رشيد رضا إلى غلادستون، وهي «تطهير أوروبا من المسلمين»، لأنه في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر كان عدد المسلمين في بريطانيا وفي باقي أوروبا ضئيلاً ومحدوداً. ولأن المسلمين جلبتْهم حكومات بريطانيا وفرنسا وبلجيكا من مستعمراتها. ففي ليفربول التي وُجد فيها أول مجتمع إسلامي في بريطانيا، كان هذا المجتمع مكوناً من عدنيين وحضارمة يشتغلون في الأعمال المكتبية، ومن هنود عمال، ومن بريطانيين أصليين أسلموا على يد المحامي وليم هنري كويليام (الحاج عبد الله) الذي بنى في تلك المدينة مسجداً ومعهداً إسلامياً ودار أيتام عام 1889، وفي فرنسا كان المسلمون من الجزائر ويشتغلون عمالاً في المناجم، وفي بلجيكا كان المسلمون أفارقة يعملون في مجال البناء.
وعلى ذكر المجتمع الإسلامي الأول في بريطانيا، يذكر رشيد رضا في مقاله السالف «التعصب» هذه الحادثة: «ولا تنسَ معاملة البريطانيين لمسلمي ليفربول، ورجمهم بالأحجار في مصلّاهم».
يزوّدنا كاتب مسيحي يكتب عن الإسلام، هو جون جي بوول، عن هذه الحادثة وحادثة أخرى بمعلومات أكثر تفصيلاً. ففي خريف 1891 قام هذا الكاتب بزيارة المعهد الإسلامي وحضر نشاطه. وعند خروجه شاهد أحداثاً مشردين، وشاهد آخرين عنيفين كانوا يقذفون مبنى المعهد والمشرفين عليه بالحجارة. وكتب أن المجموعة القليلة من المسلمين لم يُبدوا امتعاضاً كثيراً من الاضطهاد. لقد شعرت أنه من الخزي والعار أن هذه الأشياء قد تحدث في مدينة إنجليزية من دون أدنى رادع».
ويقول عن الحادثة التي ذكرها رشيد رضا: «في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) 1891 هاجم قطيع من الرعاع المسجدَ ورُجم المؤذن ورُميت مفرقعات نارية وحجارة وطوب وطين داخل المبنى (المبنى منزل حوّله الحاج عبد الله إلى مسجد. وفي جزء منه أقام معهده الإسلامي)، وضُرب الكثير من المسلمين وجُرحوا جراء القذائف».
وقد ذكر أن جريدة «الديلي بوست» المحلية أعلنت استنكارها لما جرى، بينما لامت جريدة «ليفربول» المسلمين بأنهم هم السبب في إثارة الشغب بإقامة الأذان علنياً.
ويجب أن نذكر هنا أن الكراهية والإكراهات والاضطهاد كانت موجهة إلى البريطانيين الذين اعتنقوا الإسلام لا إلى الذين هم مسلمون أصلاً. ولقد فاقم مشكلة هؤلاء أنهم دعوا بني جنسهم إلى اعتناق الإسلام.
إنَّ الالتفات إلى الشطر الأخير من الجملة التي نسبها رشيد رضا إلى غلادستون سيقف بنا عند أصل تحوير ما قاله غلادستون وسببه. وقد ساعدني على هذا الوقوف بحث الأكاديمية البريطانية روث كلايتون ويندزشفيل «أهي قضية إنسانية: غلادستون وأرمينيا والإسلام؟»، الذي قدم الدكتور حمزة في مقاله «هكذا تكلم غلادستون» عرضاً لبعض ما جاء فيه.
ومع أنَّ الأكاديمية البريطانية المتخصصة في المواضيع المتعلقة بغلادستون وفترة حكمه، من خلال عرض الدكتور حمزة لبحثها، لم تعثر على أصل التحوير، لكني استفدت من فقرة نقلتْها من كتيب غلادستون «الفظائع البلغارية والمسألة الشرقية» الذي ألّفه عام 1876، ولن أعتمد على ترجمة الدكتور حمزة لهذه الفقرة، لأنه ترجمها من بحث الأكاديمية روث وليس من كتيب غلادستون. وسأعتمد على ترجمة الصديق الأستاذ أحمد الشنبري لتلك الفقرة وفقرات أخرى، لأنه ترجمها لي من ذلك الكتيب. وهو يعمل حالياً على ترجمته. وهذا الكتيب مهم جداً.
يقول غلادستون: «دعوني أعرض باختصار وبصورة فجّة ما كان العرق التركي عليه وما هو عليه الآن. المشكلة ليست ببساطة في المحمدية، ولكن في تعقدها مع طبيعة هذا العِرق الغريب. إنهم ليسوا مثل محمديِّي الهند المعتدلين أو صلاح الدينيين (نسبةً إلى صلاح الدين الأيوبي) السوريين أو مسلمي إسبانيا المتحضرين. كان يوماً أسود عندما دخلوا أوروبا. كانوا نموذجاً لأسوأ أعداء الإنسانية؛ أينما ذهبوا خلّفوا وراءهم طرقاً عريضة من الدم، وأينما امتد نفوذهم تختفي الحضارة. كان حكمهم هو القوة وليس القانون. كانوا قدريين وينتظرون مباهج الجنة الحسيّة. وهددت هذه اللعنة كل أوروبا».
إن استيلاء العثمانيين على أراضٍ أوروبية، ومنها أراضي تركيا الأوروبية الحالية، وألبانيا وأرمينيا والبوسنة والهرسك وبلغاريا ورومانيا وقبرص واليونان وهنغاريا وسلوفاكيا وكوسوفو ومقدونيا ومونتينغرو (الجبل الأسود) وصربيا وأكرانيا، يعده غلادستون يوماً أسودَ. وهو في هذا الشعور ليس وحده. فالأوروبيون المسيحيون كانوا يشعرون بغصّة من استيلاء العرب والمسلمين على شبه الجزيرة الأيبيرية ومن استيلاء الأتراك المسلمين على أراضي أوروبية.
ولنلحظ أن غلادستون كان يتحدث عن الأتراك بوصفهم عِرقاً لا ديناً. ولقد أوسعهم ذمّاً وسبّاً وشتماً مقذعاً في كتيبه على هذا الأساس العِرقي.
وفي فقرة نقلها الدكتور حمزة من روث كلايتون وندزشيفل، حاول غلادستون أن يمايز بين الحكومة العثمانية والإسلام. ولنلحظ في الفقرة التي نقلناها من كتيبه أنه كان يستميل الهنود المسلمين بوصفهم بالمعتدلين، لأنهم كانوا من رعايا التاج البريطاني، ولأنهم كانوا قد قادوا ثورة الهند الكبرى على شركة الهند الشرقية البريطانية ما بين عامي 1857 و1858، ويُثني على صلاح الدين، لأنه يمثل في الذاكرة الأوروبية مثال الفروسية النبيلة، بسبب سياسة التسامح التي اتّبعها مع الصليبيين. ولقد مدح مسلمي الأندلس، لأنَّ الحركة المسماة «الريكنكويستا» كانت قد استردت إسبانيا من العرب والبربر ابتداءً من القرن الحادي عشر.
إنَّ المقصود بذلك الشطر الأخير من تلك الجملة، هو تركيا الأوروبية والأتراك. ولُفّق الشطر الأول منها على لسان غلادستون.
يستعرض غلادستون تاريخ الترك مع الديار المسيحية، فيقول: «في العصور المبكرة، نجد أنَّ كل ديار المسيحية تتعاطف مع مقاومة العثمانيين كعدو مشترك، حتى الكنائس الأنغليكانية الإنجليزية تعاطفت مع أباطرة أوروبا الكاثوليك في صراعهم مع الأتراك.
تَرَك التُّرك بازدراء معظم شؤون الحياة المسيحية للمسيحيين، وتركوا الكثير من شؤون الحكومة الثانوية للأساقفة (يشير غلادستون هنا إلى نظام المِلل العثماني). وتقاطر الكثير من الإغريق إلى إسطنبول، ليقوموا بالمسؤوليات البيروقراطية وليعوضوا النقص في الإسلام التركي وفي العقلية التركية البدائية.
إنَّ التحلل والضعف الذي طرأ على الطاقة العسكرية لهذه القوة التي كانت هائلة وترهب العالم لقرون في الماضي، هو أمر رائع.
ألقت هذه الإمبراطورية التي بلغ سكانها ثلاثين مليوناً بثقلها على القلة من جنسنا، ولم تفلح، حيث أصبحت مجرد أشباح لأمثال بايزيد مراد ومحمود».
يشير غلادستون إلى دور بريطانيا وفرنسا في صدور الخط الهمايوني في خضمّ هجوم شرس على التُّرك، وهو المرسوم السلطاني الذي صدر في 18 فبراير (شباط) 1956، والذي تضمن إشارة إلى تحسين أحوال الرعايا المسيحيين، فيقول: «منذ عشرين عاماً حاولت فرنسا وإنجلترا تطبيق تجربة الإصلاح الإداري في تركيا على أمل علاجها من رذائلها التي لا تُحتمل ومَواطن ضعفها ومنحها عشرين عاماً راحةً من تاريخها الملطخ بالدماء. يقول الأتراك: إنَّ الإنجليز يساعدوننا ضد أعدائنا، ونحن نتولى أمر متمردينا».
يجادل غلادستون الحكومة البريطانية –وهي حكومة حزب المحافظين– فيقول: «من دون شك كانت هناك مجازر في بلغاريا. والفظائع، كما يقول المبررون لما يجري، تحدث في الحروب بين أجناس متوحشة معيّنة من البشر. وبلغت أعداد القتلى اثني عشر ألفاً، ومع ذلك اجتهد العثمانيون في خداع الإنجليز بشتى الطرق واستمروا في ممارسة أقسى فنون التعذيب والوحشية التي لا يفتخر بالتميز بها سوى الأتراك».
ويجادلها بقوله: «أقول لأولئك الذين ينذروننا ضد صيحات المحمديين المتطرفين الجنونية داخل أروقة الحكومة التركية سواء بناءً على تخيلاتهم أو خبراتهم بأنهم زاروا الشرق، نقول انظروا إلى الدروس الموجودة في الوثائق والسجلات الدبلوماسية والخبرات السياسية. ولنتذكر أن المحمديّ لا يعني التركي».
ودعا القوى الأوروبية إلى إزالة الحكم التركي من بلغاريا، فقال: «ولندع الأتراك يطبقوا مساوئهم بالطريقة المثلى على أنفسهم ويرحلوا جميعاً من بلغاريا التي خرّبوها ودنّسوها. رحيلهم بركة ونعمة من الرب (أو من الله إذا شئت)، ولأجل خاطر الإنسانية.
ليس في السجون الأوروبية مجرم، ولا في جزر بحار الجنوب أحد من آكلي لحوم البشر، لم يغضب ويَثُر لدى سماعه ما قد جرى». وللحديث بقية.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة