في دولة «حزب الله»!

في دولة «حزب الله»!

الخميس - 24 جمادى الأولى 1442 هـ - 07 يناير 2021 مـ رقم العدد [15381]
حنا صالح
كاتب لبناني

في سياق الدهشة الفرنسية حيال انقلاب المنظومة السياسية على مقترحات الإصلاح التي تضمنتها مبادرة الرئيس ماكرون، أوردت الرواية عن الحوار بين الرئيس الفرنسي والنائب محمد رعد بشأن الإصلاحات، أن «حزب الله» وافق على 90 في المائة منها! فطلب الزائر الفرنسي معرفة الـ10 في المائة المرفوضة فكان الرد: الانتخابات المبكرة وقانون الانتخاب. فتمت تنحية الانتخابات والإعلان عن موافقة المشاركين على «حكومة مهمة» تنجز الإصلاحات، لبدء انتشال لبنان، من انهيارات تسببت فيها كل منظومة الحكم.
قبل الانقلاب على الموافقة، لم تتوقف باريس ولا أي جهة لبنانية، عند استحالة التنفيذ، الذي إن كان سيضرب مصالح أهل السلطة ومكاسبهم غير المشروعة بهذه النسبة أو تلك، فإنه سيصطدم بعقبة الاقتصاد الموازي الذي أنشأه «حزب الله»! فكيف يكون الإصلاح هنا مع استمرار اقتصاد آخر مستقل لا يمكن المساس به، يواصل نهش واردات الدولة ومقدراتها؟! كل ذلك كان واضحاً ومعروفاً قبل انفجار قضية مؤسسة «القرض الحسن»، بيت مال «حزب الله»، التي تتتالى فصولاً!
لنعد قليلاً إلى الوراء، في بداية انطلاقة «ثورة تشرين» وتفاقم الأوضاع المعيشية والاجتماعية، توجه حسن نصر الله في خطاب علني إلى مريديه من حزبيين وبيئة لصيقة بهم ليطمئنهم أنه لو حصل الانهيار الاقتصادي: «كل رواتبكم ومخصصاتكم مضمونة ولن تتأثر»! طرح الأمر الأسئلة للتزامن بين الخطبة والتراجع الكبير في «المال الطاهر» الذي يصل من النظام الإيراني، وتزامنت مع تسارع تفجر حجم المنهبة، وإفقار البلد ورمي أهله في العوز والجوع، نتيجة إقفال ألوف المؤسسات والارتفاعات الكبيرة في نسب البطالة، معطوفة على الاستيلاء على ودائع اللبنانيين! وعلى مدى الأشهر اللاحقة، كانت «الصدف» تتلاحق عن تسريب صور الحقائب المليئة بالنقد الأميركي، «فريش»، لتغطية تكلفة هذه الرواتب، فيما كان يتم إذلال أكثرية الناس أمام المصارف التي حجزت الودائع وقامرت بها!
ولا بأس من العودة أكثر إلى الوراء، ففي الخامس من مايو (أيار) 2008 اتخذت الحكومة قراراً بإقالة رئيس جهاز أمن المطار بعد اكتشاف كاميرات تسجل الخروج والدخول، فرد «حزب الله» مستبيحاً العاصمة في 7 مايو لأن السلطة استهدفت «شبكة اتصالات المقاومة» أبرز أسلحته التي نشرها في كل مكان (...) ليُفرض «اتفاق الدوحة» الذي شرّع خطوات قضم السلطة كـ«الثلث المعطل»! في تلك الفترة بدا أن الحزب كوّن حكومته التي تدير مربعاته الأمنية وأنشطته الاقتصادية والمناطق التي يهيمن عليها، ربما كمقدمة لتشمل لاحقاً كل لبنان! ومن البداية تبين أن المسؤوليات «الحكومية» أُنيطت بهاشم صفي الدين، رجل الثقة، فهو ابن عمة نصر الله، وشقيقه ممثل الحزب في طهران ونجله رضا اقترن من زينب قاسم سليماني!
لقد وفّر نظام المحاصصة الطائفي منذ بداية تسعينات القرن الماضي، تنظيم النهب والتقاسم بين تحالف منظومة ميليشيات الحرب والمال، برعاية ومشاركة أركان الحكم السوري. لكن بعد «انتفاضة الاستقلال» إثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري وفرض إخراج جيش النظام السوري، تقدم «حزب الله» لأخذ المكان! ففي مباحثات «سان كلو» أبلغ نواف الموسوي ممثل «الحزب» في حينه الأطراف الأخرى، أن «المقاومة» ستقوم بالدور الذي كان يعود لدمشق (...)، وشكلت حرب يوليو (تموز) 2006 المنصة للانقضاض على القرار السياسي لتبدأ عملية التغول على الدولة التي توّجتها صفقة التسوية الرئاسية في عام 2016، فوصل عون مرشح «حزب الله» إلى كرسي الرئاسة وتسلم «الحزب» قرار البلد مقابل الحصص والكراسي الحكومية!
منذ عام 2005 بدأت تتظهر أدوار مؤسسة «القرض الحسن» التي تأسست في عام 1987 كجمعية للعمل الخيري وليس كمؤسسة مالية، ولكنها من الأساس وجدت لتقوم بدور النظام المالي الخاص بـ«حزب الله»! وأراد «الحرس الثوري» الذي أشرف على تأسيسها، أن تتحول إلى ذراعٍ مالية تنشط داخل البيئة الشيعية، بهدف توسيع النفوذ خدمة للهدف الأبعد وهو استكمال السيطرة على هذه البيئة.
بعد حرب تموز وعمليات إعادة الإعمار ودور «جهاد البناء» المؤسسة الأخرى لـ«حزب الله»، ولاحقاً في مرحلة حكومة «القمصان السود» برئاسة نجيب ميقاتي بعد عام 2011، انطلق الاقتصاد الموازي الذي أُقيم، واستأثر بحصة رئيسية في تلبية موجبات البناء من حديد إيراني وخلافه، كما من حصة تجارية، فضلاً عن تزايد حجم الالتزامات بالتراضي، التي كشفتها العقوبات الأميركية على الوزيرين علي حسن خليل ويوسف فنيانوس، وحصص لافتة من عائدات الجمارك! كل عائدات هذه الإمبراطورية المالية كانت تمر عبر «القرض الحسن»، التي تحولت إلى مصرفٍ بدون ترخيص لا يدفع ضرائب ولا يخضع للقوانين المالية ولا لأي سلطة رقابية! واتسعت الأعمال رغم العقوبات التي فُرضت في عام 2007.
عملية الخرق من مجموعة «SpiderZ» وقرصنة بيانات الشركة، ونشر الأسماء، وحصيلة أعمالها عن العامين 2018 و2019، سلطت الضوء على حجم المؤسسة، وكشفت كامل هوية المتعاملين مودعين ومقترضين، وهزّت الثقة بها مع تداعي كثيرين إلى محاولة سحب ودائعهم خوفاً من العقوبات الأميركية!
حالة الهلع المستمرة نجمت عن الكشف علانية عن الأموال التي جرى غسلها وهي 475 مليون دولار في عام 2019، وقد تم ذلك على شكل قروض استفاد منها نحو 20 ألفاً من المقترضين مقابل رهونات الذهب التي لن تُسترجع مع تعثر المقترضين. فقد كان لافتاً كذلك أنه تم إيداع نحو 1.5 مليار دولار في حسابات مودعين، لكن هذا المبلغ تم سحبه في العام نفسه، فلمن هذه الأموال؟ ومع الذي يشاع عن اتساع الحصار الدولي على النشاطات غير الشرعية كتهريب الكبتاغون وسواه، فإن التدفقات المالية قد تتوقف؟ ومع التغطية الضعيفة في الموجودات نسبة إلى الودائع، فإن الانهيار لن يستثني «البيئة الحاضنة»، وبالتالي فإن مصير «القرض الحسن» لن يكون مغايراً لما يواجه مجموعة من المصارف اللبنانية.
وضع سوريالي يمر به لبنان، في اقتصاده الرسمي والاقتصاد الأسود والموازي. الدويلة تحولت إلى دولة داخلية موازية يقول البعض إنها تكاد تكون أكبر من الدولة. وعندما تطرح على النقاش مبادرات وأولويات إصلاحٍ وإنقاذ كيف يمكن ذلك مع استمرار المنظومة السياسية إياها والتغاضي عن هذا الاستعصاء؟ لقد كشف هذا التطور أن الممر إلى الإصلاح والإنقاذ متعذر بدون تغيير سياسي، المعبر إليه رهن بنجاح الحالة الشعبية التي أوجدتها «ثورة تشرين»، في بلورة ميزان قوى قادر على مواجهة تحديات الاستتباع والارتهان، ليكون بالإمكان فرض حكومة مستقلة من خارج منظومة الحكم، تستعيد الدولة المخطوفة والثقة وتبسط السيادة. الأمر صعب لكنه غير مستحيل... وعندها إمكانات لبنان وقدرات اللبنانيين كفيلة بانتشال البلد.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة