قواعد الاشتباك والاشتباك السلمي وأخطار الحرب

قواعد الاشتباك والاشتباك السلمي وأخطار الحرب

الجمعة - 19 شهر ربيع الثاني 1442 هـ - 04 ديسمبر 2020 مـ رقم العدد [15347]
رضوان السيد
كاتب وأكاديميّ وسياسي لبناني وأستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة اللبنانية

على مشارف مقتل عالِم النوويات الإيراني محسن فخري زاده، شاع أنّ قاآني قائد فيلق القدس وخليفة سليماني زار العراق ولبنان وطلب من الميليشيات المسلحة التابعة لإيران في البلدين: ضبط النفس، وعدم التحرش بالعدوين الولايات المتحدة وإسرائيل، للحيلولة دون التذرع بإثارة حربٍ على إيران وأنصارها بالمنطقة خلال الشهرين المتبقيين للرئيس ترمب في البيت الأبيض. أما الإدارة الأميركية الترمبية فإنها أرسلت وترسل إشارات متناقضة. فهي من جهة تسحب نصف جنودها من العراق وأفغانستان، وتطلق مفاوضات على ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل بموافقة الثنائي الشيعي ومشاركته. وهي من جهة ثانية تقتل فخري زاده بعد سليماني. وبعد الحرائق على مدى شهور في المؤسسات العسكرية والأمنية ومراكز الطاقة بداخل إيران، تزداد الهجمات الإسرائيلية على مراكز إيران و«حزب الله» في سوريا، لتعود هجمات الميليشيات العراقية على المنطقة الخضراء وقوات التحالف، ولتتصاعد الهجمات الحوثية في اليمن وعلى المملكة وفي البحر والبر والجو.
إنّ مما له دلالته أمرين: أن تزداد نسبة الهجمات من كل نوع (وحتى بداخل إيران) إلى إسرائيل، وهذا مع التسليم من كل الجهات على التنسيق الكامل بين الطرفين الأميركي والإسرائيلي. والأمر الثاني بقاء الجبهة بين «حزب الله» وإسرائيل على هدوئها، رغم أنّ الحزب كان يتحدث كل الوقت بعد حرب عام 2006 عن «قواعد الاشتباك» والتي يراعيها الطرفان. فهل تسري «قواعد الاشتباك» على الجبهة الجنوبية بلبنان وحسْب، أم أنها «قواعد اشتباك» بين إيران والولايات المتحدة، باعتبار أنّ ميليشيا الحزب جزء رئيسي في فيلق القدس الإيراني؟
ولنتأملْ جبهة أُخرى أو فالقاً آخر من فوالق الجبهة. فالمحادثات على ترسيم الحدود تأجلت جلستُها الأخيرة إلى ما بعد ذهاب ترمب، لكنّ المسؤولين بإدارة ترمب تحدثوا عن أمور ثلاثة خطيرة: أنّ القرار الدولي رقم 1701 والخاص بالأمن في جنوب لبنان لا يُطبَّق، لأنّ قوات «حزب الله»، تتجول بحرية جنوب الليطاني، فإما أن تتغير مهمة القوات الدولية هناك بحيث تصبح أكثر فاعلية، أو لا بد أن يجري التفكير في حلٍ آخر. والحل الآخر قد يعني سحب القوات الدولية، وإذا لم تستطع الولايات المتحدة إقناع الآخرين لأنه قرار دولي، فقد تتوقف عن المساهمة في الإنفاق على إنفاذ القرار، وإنفاقها يشكل الثلث وأكثر! والأمر الثاني حديث الأميركيين للمرة الأولى عن مراجعة المساعدات للجيش اللبناني، وهي المستمرة منذ أعوامٍ طويلة بمئات ملايين الدولارات سنوياً للتدريب والتزويد بالسلاح. والعلة هي الشكوك الاستخبارية الأميركية في سيطرة الحزب على القرار بالجيش، وفشل الأميركيين رغم ملاحظاتهم المستمرة في التأثير في تغيير ذلك. والأمر الثالث: استمرار الأميركيين في الضغوط على المصارف اللبنانية وعلى المصرف المركزي والطبقة السياسية، بدواعي ربط كل هذه الجهات بممارسة الفساد لصالح «حزب الله». ومن المعروف أن المصرف المركزي مأزوم جداً بسبب تهديد الاحتياطي فيه، وأن المصارف اللبنانية التي تحتجز أموال المودعين منذ قرابة السنة، يريد الأميركيون محاسبة 15 مصرفاً من كبارها على إسهاماتها منذ عام 2004 في دعم الحزب بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشر. أما الطبقة السياسية فقد وضع الأميركيون قائمة بأسماء معظم النافذين فيها ليفرضوا عليهم عقوبات بالتدريج، ظهر منها حتى الآن عدة أسماء صادمة وفي الطليعة جبران باسيل صهر رئيس الجمهورية ورئيس أكبر كتلة نيابية بالبرلمان اللبناني. وإذا جرى إنفاذ هذه الأمور الثلاثة ولو بالتدريج؛ وبخاصة بند الجيش والمصارف، فسيختنق النظام اللبناني ومئات الآلاف من المواطنين الذين احتجزت أموالهم، وستذهب للضياع.
هذه هي تفاصيل الضغوط المتبادلة بين إدارة ترمب وإيران وأنصارها بالمنطقة. لكنها للمرة الأولى منذ عام 2006 يرجح فيها الجانب الأميركي رجحاناً قوياً، بحيث تبدو ردود الفعل الإيرانية غير ملحوظة أو غير مؤثرة. وبخاصة أنّ الضغوط صارت تجري بداخل إيران (التفجيرات والحرائق، واغتيال فخري زاده في عملية معقَّدة ما حضرها إنسان، كما قال الإيرانيون!)، فترد عليها ميليشيات إيران بصاروخ أو مسيَّرة أو كاتيوشا من هنا وهناك بين العراق واليمن!
لقد تجمعت الجبهات لغير صالح إيران: الميليشيات بالعراق صارت مضطرة للقتل والانتخابات، والقتل يزيد الكراهية بحقها، والانتخابات، ليست واعدة، والكثرة الشعبية ضدها. وفي سوريا كل الناس ضد الإيرانيين، والسلاح ضدهم تتكفل إسرائيل بتدميره. وفي لبنان يتماسك الثنائي الشيعي، لكنّ النظام كله ينهار بين الفساد ولبطات الأميركي، والسقف المنهار على رؤوس الجميع ومنهم بالطبع الشيعة. وفي اليمن ما عاد أحدٌ يطيق الحوثيين غير غريفيث، ولو يتماسك اليمنيون بين شمالٍ وجنوب لأمكن بدعم قوات التحالف استعادة المحافظات الوسطى وفك الحصار عن تعز وأخذ إب، وإنفاذ اتفاق استوكهولم طريقاً للحل السياسي. وأخيراً فإنّ الإيرانيين ما عادوا قادرين على استخدام «حماس» و«الجهاد» و«حزب الله» بحرية لخشيتهم من أهوال الرد.
هل تسير المنطقة إلى حربٍ بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران وميليشياتها من جهة أُخرى؟ الراجح لا، لأنّ الجبهة الأميركية - الإسرائيلية تكسب من دون حرب. ولأنّ الإيرانيين صبروا طويلاً ولا يريدون المغامرة بحربٍ لا يضمنون نتائجها مع أملهم بالتخفيف في عهد بايدن.
ماذا نقصد إذن بالاشتباك السلمي؟ الاشتباك السلمي يقوم به الإيرانيون أيام بايدن في الملفات الثلاثة: الملف النووي، وملف الصواريخ الباليستية، وملف نفوذهم في العراق وسوريا ولبنان واليمن وغزة!
والاشتباك السلمي يقوم به العرب أيام بايدن أيضاً. هم يشاركون العالم في المخاوف من «النووي»، فلا حاجة شديدة للضغط فيه. وفي المخاوف من الباليستي يتشاركون مع الأوروبيين، ولا بد من ضغوطٍ قوية فيه، وبخاصة أن الباليستيات سلعة شائعة لا يفتقرون إليها. أما أكبر استفادة للعرب في الاشتباك السلمي ففي تحرير الخمسين أو الستين مليون عربي من الاستخدام الإيراني للبلدان والشعوب والمديات الاستراتيجية في البر والبحر. ولكل بلدٍ من بلدان مناطق النفوذ الإيرانية خصوصياته. لكنّ العرب يستطيعون أن تكون لهم مبادرات فيها كلها. وما حدث بين السعودية والعراق واعد، وكذلك ما يحدث في ليبيا بالتعاون مع الدوليين.
والملف الفلسطيني يمكن أن تكون هناك مجالات للاشتباك السلمي فيه. هناك أربع دولٍ عربية بينها وبين إسرائيل معاهدات سلام، وبينها اثنتان من دول الطوق. وقد لاحظ المراقبون لقاءات أخيراً بين رؤساء هذه الدول. لقد أعطى ترمب لإسرائيل كثيراً على حساب الفلسطينيين وحساب سوريا. أفلا يمكن لدول جبهة السلام الضغط من أجل القدس والمسجد الأقصى، ومن أجل حلّ الدولتين؟!
هي شهورٌ صعبة جداً على إيران، وأصعب على بلدان الاختراق الإيراني وعلى الفلسطينيين. وما عاد ممكناً غير الاشتباك السلمي بعد اضطرار الجميع للتبرؤ من الحرب الشاملة، بينما لا تجلب النزاعات المحلية غير الخراب البحت.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة