400 عام تجارة

400 عام تجارة

الأحد - 14 شهر ربيع الثاني 1442 هـ - 29 نوفمبر 2020 مـ رقم العدد [15342]
علي المزيد
كاتب في الشؤون الاقتصادية

يظن البعض أن التجارة البينية بين العراق والسعودية حديثة النشأة، وواقع الحال يؤكد أن التجارة بين العراق والسعودية قديمة جداً، وسنأخذ ما هو موثق من هذه التجارة. فمؤرخ العقيلات (العقيلات لمن لا يعرفهم جماعة كانوا يسيّرون قوافل الإبل لغرض التجارة بين العراق ونجد وموطنهم الأساسي مدينة بريدة) المعروف بدر الوهيبي، يذكر أنها بدأت منذ عام ألف هجرية، أي قبل 442 عاماً.
ورغم أن قوافلهم كانت ظهور الجمال، إلا أنهم استطاعوا أن يخلقوا تجارة رائجة بين العراق ونجد، حتى أنهم استطاعوا أن ينقلوا فسائل النخيل من موطنها العراق لتستقر في نجد.
وتذكر الروايات أن محمد العبد الله البسام، وهو من أهالي عنيزة، قد نقل على ظهور الإبل فسيلتين من نخيل البرحي، ماتت فسيلة وبقيت أخرى، لتتم زراعتها في منطقة القصيم، فتصبح نخلة البرحي علامة مميزة لنخيل نجد بعد أن نُقلت من العراق.
ووفق الروايات، فإنه حينما بدأت تتعاظم هذه التجارة، فإن إبراهيم الراشد الحميد وإخوانه افتتحوا بنكاً في بغداد له فرع في القدس، ليسهلوا على العقيلات وغيرهم تحويل الأموال، فقد كانت قوافل العقيلات تجوب العراق والشام، وتصل إلى مصر، وتتخطاها أحياناً إلى السودان لشراء الإبل.
والعقيلات كان هدفهم التجارة، فيما هناك آخرون يذهبون للعمل في العراق، وكانت تجارة السعوديين والعراقيين مبنية على الثقة، وبعضهم استقر في العراق، وأذكر في هذا الصدد أن أحد أفراد عائلتي ذهب للتجارة في العراق، واستقر تاجراً في سوق العشار في البصرة، ومن عظم تجارته تنازل عن إرثه في نخل والده الموجود في القصيم لأخيه، أنا تحدثت عن تجارة العقيلات، لأنهم في وسط نجد، والمسافة بينهم وبين البصرة وبغداد بعيدة، لا سيما على ظهور الإبل. أما في المناطق الحدودية الشمالية السعودية، فقد كانت الميرة (المؤونة أو الغذاء) تجلب من سماوة العراق، إذ لا يفصلها عن المدن الشمالية السعودية سوى 100 كيلومتر.
ونتيجة الاحتكاك ما بين العراقيين والعقيلات، فقد نقل العقيلات إلى القصيم أكلة «الكليجاء»، و«الكليجاء يقال إنها كلمة كردية تعني الكعك الجاف»، وقد نقلها العقيلات لأنها لا تفسد بسرعة، وتكون جزءاً من طعامهم في الطريق من بريدة إلى البصرة أو بغداد. كما نقلوا وجبة قرص عقيل، وهو منسوب إلى من أحضروه إلى نجد العقيلات، وهو يتميز بأنه يؤكل طازجاً أو مجففاً.
تداعت لي هذه المعاني بعد أن شاهدت افتتاح منفذ جديدة عرعر الذي نفذته شركة سعودية، وودت أن أوضح أن تجارة العراق والسعودية تجارة قديمة وأزلية، ولكن السياسة أحياناً تفسد ما يريد أن يصلحه الاقتصاد. وقد سعى السعوديون مع الجار العراق سعياً حثيثاً منذ 2003 ميلادياً لخلق علاقات سياسية واقتصادية مميزة، ولكن الجانب الآخر تارة يستجيب وتارة يتمنع، ويبدو أننا مع الحكومة العراقية الجديدة سنتوصل إلى تقارب عربي يحسن العلاقات السياسية والاقتصادية بين الجارين، ويعيد التجارة لسابق عهدها.
ودمتم.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة