لندن وتنقية أجواء العالم

لندن وتنقية أجواء العالم

الأحد - 7 شهر ربيع الثاني 1442 هـ - 22 نوفمبر 2020 مـ رقم العدد [15335]

تعتقد بريطانيا أنها اختارت اللحظة المثالية لإلقاء ثقلها على الإبداع المالي الذي قد يساعد في إنقاذ العالم. ففي إطار خطة رئيس الوزراء بوريس جونسون لمكافحة الطوارئ المناخية، تعمل المملكة المتحدة على استكشاف إمكانية إنشاء سوق دولية في لندن، لتقليل انبعاثات الكربون وغيره من المشتقات المرتبطة بالاستثمارات الهادفة إلى خفض كمية الانبعاثات.
الخطة تبدو نبيلة، وإذا حدث هذا بالفعل فقد تتمكن أنت من الحد من الانبعاثات الخاصة بك، من خلال شراء تعويض للكربون عندما تقوم بأمور ضارة بالبيئة، مثل تعبئة سيارتك بالغاز، أو شراء فنجان من القهوة. ولكن الرهان على ذلك ربما يبدو درباً من دروب الخيال وسابقاً لأوانه.
فبعد فشل عديد من الجهود السابقة لتحفيز مقايضة الكربون في ظل الافتقار إلى سياسة حكومية واضحة، فقد تكون هذه إحدى الفرص الأفضل لدفع السوق نحو هذا الاتجاه. ومن المؤكد أن الشركات التي تناضل لخفض آثار الكربون لديها قد تكون ذات علاقة بمصادر سائلة من الائتمان التجاري الذي تستطيع أن تشتريه، لمساعدتها في تلبية مطالب مستثمري المشروعات الصديقة للبيئية.
والواقع أن إعلان الرئيس شي جينبينغ عن أن الصين تهدف إلى الوصول إلى الحياد الكربوني (تراجع الانبعاثات إلى الصفر) بحلول عام 2060، والدفعة التي أعلن عنها الرئيس المنتخب جو بايدن نحو اقتصاد خالٍ من الكربون بحلول عام 2050، من الممكن أن يعطي أي سوق ناشئة دفعة قوية.
يعتقد محافظ بنك إنجلترا السابق، مارك كارني، الذي أصبح الآن مبعوثاً للأمم المتحدة في مجال المناخ، أن السوق العالمية لتعويض الكربون لا بد من أن تبلغ قيمتها «عشرات أو مئات المليارات» من الدولارات، وهي أكثر بكثير من قيمة السوق الحالية البالغة 300 مليون دولار. وقد تلمَّس جونسون تحقيق دور مركزي لمدينة لندن بوصفها مركزاً تجارياً، للمساعدة في تخفيف خسارة الاتحاد الأوروبي للأعمال المالية الأخرى في مرحلة ما بعد خروج بريطانيا.
وهناك منافسة في لندن؛ خصوصاً من شركائها المتصارعين في بروكسل. والآن تدرس المفوضية الأوروبية عملية إصلاح شاملة لخطة مقايضة الانبعاثات الخاصة بها، والتي تشكِّل بالفعل أكبر سوق للكربون. وتتعامل العقود الآجلة على هذه التجارة في استبدال الانبعاثات الكربونية بالغازات المسببة للذوبان، كما تعافت الأسعار هناك بقوة بعد عملية تصحيح حادة، أثناء أول عمليات الإقفال جراء فيروس «كورونا».
لكنَّ للندن تاريخاً حافلاً في عالم التمويل، فضلاً عن مجموعة المصادر المالية، وصدارة قوية في سوق المقايضة التي تبلغ قيمتها تريليون دولار. فمدينة لندن مكان منطقي لتداول أرصدة الكربون، والعقود المشتقة التي قد ترغب الشركات في تخصيصها وفقاً لاحتياجاتها الفردية، إذا بدأت سوق الائتمان الكربوني العالمية في الانطلاق.
ولكن أولاً، لا بد من أن يكون السعر العالمي للانبعاثات الكربونية أعلى بكثير، حتى يتسنى له أن يذهب إلى سوق دولية لائقة. ويعكس متوسط السعر الحالي الذي يبلغ 3 دولارات عن كل طن متري وفرة الائتمان من بلدان مختلفة وإعفاءات من مصادر التلوث. وربما كان من الضروري أن ترتفع إلى ما بين 75 و100 دولار.
وحتى في ظل سعر مرجعي أقوى، فهناك عقبات عملية كبيرة تحول دون إنشاء سوق للكربون جديرة بالثقة وفعالة. فالمبادئ والمعايير الدولية المشتركة بشأن الائتمان لا تزال مفقودة، والسوق تفتقر إلى الشفافية. ولنأخذ على سبيل المثال مشروع إعادة التشجير.
فسوف يحتاج المستثمرون إلى تأكيدات بأن الأشجار تجري زراعتها بالفعل، وأنها لا يجري استخدامها وحسابها مرتين لدعم أرصدة ائتمانية أخرى.
تلك هي ضبابية أرصدة الكربون التي يقول بِل ونترز، رئيس جهاز التحكم والبرمجة ببنك «ستاندرد تشارترد» الذي يتولى تقييم ارتفاع حجم السوق، إن الأمر قد ينتهي بالتلاعب بأسعار السوق تماماً، مثل معايير أسعار الفائدة. وبوسع أي وكالة مستقلة أن تحاول فرض المعايير، ولكن التدقيق في المعروض من الائتمان والمشتريات عبر الحدود، من شأنه أن يشكل مسعى كبيراً. وهناك عشرون دولة، تقودها إندونيسيا والبرازيل وجمهورية الكونغو الديمقراطية تمثل معظم العرض المحتمل من الائتمان، في حين يأتي جزء كبير من الطلب من أوروبا والولايات المتحدة.
ومع خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، سوف يكون لزاماً على الاتحاد الأوروبي أن يتخذ قراراً بشأن التساهل مع المعايير الأوروبية القائمة، أو صياغة بديل عالمي أكثر مرونة وقدرة على بناء كتلة حرجة. وربما كان بوسع لندن وأوروبا أن تحاولا التعايش، ولكن في الوقت الحالي لا يشكل نظام الائتمان العالمي للكربون أكثر من مجرد مفهوم نظري، وعلى زعماء العالم أن يقرروا ما إذا كانوا يريدون العمل معاً.
- بالاتفاق مع «بلومبرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة