«مجموعة العشرين» وبدء الفصل التالي من التعددية

«مجموعة العشرين» وبدء الفصل التالي من التعددية

الأحد - 7 شهر ربيع الثاني 1442 هـ - 22 نوفمبر 2020 مـ رقم العدد [15335]
نيكولاس داوس
- بالاتفاق مع «بلومبرغ»

على الرغم من وصف مجموعة العشرين بأنها «المنتدى الرئيسي للتعاون الاقتصادي الدولي»، دعونا نتذكر بادئ ذي بدء أنها ولدت تحت مظلة ظروف سيئة؛ لقد اجتمع رؤساء المجموعة للمرة الأولى في خضم الأزمة المالية العالمية لعام 2008، في آخر أيام إدارة الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش. والآن، وفي أثناء التفكير في حضور القمة المنخفضة التوقعات في الأيام الأخيرة من إدارة الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترمب، تحت رئاسة المملكة العربية السعودية للدورة الراهنة للمجموعة، تبدو آفاق المستقبل المنظور على قدر من القتامة.
في أبريل (نيسان) من عام 2009، خلال الاجتماع الثاني للقمة الكاملة لمنتدى القوى العظمى الجديد، التقى وتفاوض غوردن براون، رئيس وزراء المملكة المتحدة آنذاك، رفقة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، مع الرئيس الصيني هو جينتاو، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي. وكان هناك حضور واضح لعدد من رؤساء الاقتصادات النامية الكبرى بطبيعة الحال، حيث ظهر الزعماء التكنوقراطيون من أصحاب الميول اليسارية - من شاكلة رئيس الوزراء الهندي السابق مانموهان سينغ، والرئيس البرازيلي الأسبق لولا إيناسيو دا سيلفا - في صورة أكثر إنصافاً ضمن المجلس الأعلى للحوكمة الاقتصادية العالمية.
وعلى الرغم من بعض المعارضة الصادرة عن الجانب الفرنسي والألماني، فإنهم خرجوا بصفقة استثنائية؛ تريليون دولار من الطاقة الاستيعابية الجديدة لصندوق النقد الدولي، منها 250 مليار دولار من التمويل الجديد من أعضاء المجموعة، ونصف تريليون دولار في «ترتيبات الاقتراض الجديدة»، و250 مليار دولار أخرى من حقوق السحب الخاصة الإضافية - وهي الأداة شبه النقدية التي أتيحت لأعضاء صندوق النقد الدولي على أساس نسبي.
وصار التدخل الاقتصادي من المستوى الدولي على نطاق مماثل من الأمور الأكثر إلحاحاً في الآونة الراهنة. فلقد دخلت أغلب الدول الأعضاء في مجموعة العشرين الدولية في خضم الموجة الثانية من وباء فيروس «كورونا المستجد»، مع نطاق أوسع من حالات الإصابة المؤكدة بصفة يومية، في ظل تهاوي الامتثال العام لقرارات الإغلاق والتدابير الاحترازية، نظراً لعجز مختلف الحكومات عن حشد الإرادة الكافية لاحتواء تفشي الفيروس المتجدد.
ولقد وقع أمر مشابه للجهود الدولية المبذولة لضمان الاستجابة الاقتصادية العالمية المنسقة لمواجهة كارثة الوباء المتفشي. وشاعت حالة من عدم اليقين بين الاقتصادات الدولية كافة، من الأكثر مرونة وقدرة على الصمود إلى الأكثر هشاشة وانجرافاً نحو الهاوية. ولقد تعرض الناتج الإجمالي العالمي إلى صدمة قوية، قُدرت بنحو 12 تريليون دولار، ولا يزال الجدول الزمني للتعافي الاقتصادي أبعد ما يكون عن التأكيد.
ويواصل بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي القيام بدور المرساة العالمية بحكم الأمر الواقع، كما يملك البنك المركزي الصيني مجموعة كبيرة متزايدة من الفوائض المالية القابلة للاستثمار، بيد أن الجولة الثانية من التمويل التحفيزي في الولايات المتحدة ما تزال محل كثير من الشكوك. وفي الاقتصادات الأصغر حجماً، صارت المخاوف القائمة بشأن الديون والعجز عن السداد تحدث تراجعاً غير مرغوب فيه لديها.
ويشير تقرير حديث صادر عن صندوق النقد الدولي إلى أنه في الاقتصادات التي تراجعت فيها الأرصدة المالية العامة بنسبة أكبر من 10 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، من المتوقع أن تشهد تحسناً بأكثر من 5 نقاط مئوية كاملة في الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2021. وإيضاحاً للأمر، فهذا يعد من التطورات غير المرحب بها بصفة عامة، إذ إنه من المتوقع أن أغلب التحسينات المنتظرة سوف تتحرك في مسار الإنفاق التحفيزي المنخفض الذي سوف يحول دون عودة الدماء إلى شرايين الاقتصاد.
وكان صندوق النقد الدولي قد طرح 70 مليار دولار في صورة قروض من خلال برامجه المعتمدة راهناً، ونحو 29 مليار دولار أخرى من خلال التسهيلات الائتمانية والتمويلية السريعة. وهذه من الأرقام الكبيرة فعلاً، ولكنها لا تواكب أبداً حجم الكارثة المريعة التي يعانيها العالم بأسره في الآونة الراهنة.
ولقد وقفت إدارة الرئيس ترمب ضد دعوات توسيع نطاق حقوق السحب الخاصة. ويزعم ستيفن منوتشين، وزير الخزانة الأميركي، أن تلك الأموال سوف تعود في غالب الأمر إلى البلدان الأعضاء في مجموعة العشرين الذين هم ليسوا في حاجة حقيقية إليها، كما يقول.
أفلا ينبغي أن نقول ذلك لحكومة جنوب أفريقيا - من البلدان الأعضاء في مجموعة العشرين - التي تواجه عجزاً قياسياً في الميزانية بنسبة بلغت 15 في المائة خلال العام الحالي؟
من الواضح أن منوتشين لم يدرس الأرقام بصورة كافية. فمن شأن البلدان الفقيرة أن تحقق الفوائد الهائلة من وراء حقوق السحب الخاصة أيضاً. إذ سوف تشهد دولة موزمبيق - على سبيل المثال - زيادة في الاحتياطات الدولية بنسبة تقارب 18 في المائة، إذا ما تمت زيادة رصيدها من حقوق السحب الخاصة إلى تريليون دولار. كما سوف تتمكن بنغلاديش من الحصول على ما يقرب من 9 مليارات دولار، وهو مبلغ سوف يمكنها من شراء نحو 12 مليون طاقم من أطقم الاختبار لفيروس (كورونا المستجد)، أو تمويل نسبة 50 في المائة من وارداتها السنوية من الولايات المتحدة، كما أفاد بذلك مركز أبحاث السياسات الاقتصادية في المملكة المتحدة.
وتعد ديناميات القيادة الراهنة في مجموعة العشرين الدولية أبعد ما تكون عن آفاق التفاؤل. فما يزال الرئيس دونالد ترمب يسعى بكل جهده لإثبات أن إدارته المنتهية ولايتها قادرة على الفعل والأداء وإنجاز الأعمال. وتولى السلطة في كل من الهند والبرازيل ساسة يجمع بينهم خطاب اقتصادي يتسم باللاواقعية والشعبوية، والانحياز صوب تيار اليمين. أما بالنسبة إلى بوريس جونسون في المملكة المتحدة، فربما يكون حريصاً على ضبط الأمور، غير أنه ليس غوردن براون فيما يتعلق بقضايا التنمية العالمية.
إن لم يكن هناك شيء آخر، فمن شأن القمة المقبلة لمجموعة العشرين أن تعد فرصة كبيرة لتركيز الأذهان على مخاطر التقاعس الدولي المستمر في العمل، واتخاذ القرارات المصيرية ذات الأهمية.


- بالاتفاق مع «بلومبرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة