د. ياسر عبد العزيز
كاتب مصري وخبير في مجال الإعلام والاتصال. مدير مكتب«الشرق الأوسط»في القاهرة. عضو مجلس الشيوخ. عمل مستشاراً ومدرباً مع عشرات المؤسسات الإقليمية والدولية.
TT

الفضائيات العربية... و«الأجندة الدوارة»

بات العالم العربي يحظى بأكثر من 1300 قناة فضائية، وهي قنوات تبث أكثر من 20 ألف ساعة يومياً، وتغطي مجالات عديدة ومتنوعة بدءاً من الاستراتيجية والسياسة، ومروراً بالاقتصاد والدين وشؤون المجتمع، ووصولاً إلى الرياضة والطبخ والموضة وغيرها.
لكن الإشكال يكمن في أن تلك القنوات لا يمكن أن تواصل بثها على مدار اليوم من دون أن توفر طبقة من المتحدثين والخبراء والمحللين، الذين يمثلون عنصراً جوهرياً في البرامج الحوارية وبعض نشرات الأخبار والفترات المفتوحة المخصصة لتغطية الأحداث الكبرى والمهمة. فهل يمتلك العالم العربي العدد الكافي من الخبراء والمحللين والباحثين القادرين على تعزيز تلك التغطيات، ورفدها بآراء وتحليلات مدروسة يمكن أن تلقي الضوء على طبيعة التطورات والأحداث المتلاحقة، وتضعها في السياق المناسب، وتحللها بشكل رصين عبر استخدام الأدلة والبراهين؟
من جانبي، سأجيب: لا.
لقد حدث تفاوت كبير بين مساحات البث الفضائي التي أضحينا نمتلكها، وقدرات البحث والتحليل المتوافرة في العالم العربي والمنوط بها تلبية احتياجات ساعات الإرسال الطويلة والممتدة. والسبب يمكن أن نجده في ضعف قدرات التعليم وقلة عدد مراكز البحوث والتفكير ذات الوجاهة والاعتبار.
ثمة سبب آخر لا يقل أهمية في هذا الصدد؛ إذ تتضاءل قدرة أطقم الإعداد العاملة في مؤسسات الإرسال العربية على الاختيار السديد للنخب المفترض تقديمها للجمهور والاعتماد عليها في الإجابة عن الأسئلة المتخصصة والدقيقة في مجالات شتى. وبدلاً من البحث الجاد، والشاق أحياناً، عن الأسماء المناسبة للنهوض بهذا الدور الخطير، يكتفي قطاع من الزملاء بجملة من الأسماء المحفوظة والمتكررة... وتحت ضغط الوقت وبسبب الاستسهال، فإن تلك الأسماء نفسها تدور على الشاشات، فلا تمنحها غير المزيد من التكرار والدوران في الحلقات المفرغة.
وللأسف الشديد، وكما يحدث في بعض مجالات العمل العام، تغيب معايير الجودة في الأداء، وتصب الاختيارات في الاتجاه غير الصحيح في كثير من الأحيان، أو يستسهل المعدون والمنتجون اللجوء إلى الأسماء المعروفة، والوجوه المألوفة للمشاركة في البرامج.
لقد بات الطلب على المحللين الذين يمكن أن يتحدثوا إلى الفضائيات كبيراً، وراح يتصاعد باطراد. وإذ تفيد قواعد علم الاقتصاد أن ظهور الطلب يخلق بالضرورة عرضاً للوفاء به؛ فقد ظهر العرض وافراً، حتى بات يخيل للمرء أن معاهد تدريب أنشئت لتخريج معلقين ومحللين جاهزين للانطلاق فوراً إلى ساحات الفضائيات وميادينها، وبأعلى درجة ممكنة من الجاهزية الإجرائية. مع أن هذه الجاهزية التي لا ترقى، في الغالب، إلى جاهزية موضوعية، بسبب الطبيعة السريعة للعمل التلفزيوني، خاصةً في هذا العصر، الذي باتت القدرة التنافسية فيه تقاس بسبق بحجم ثوانٍ لا تكاد تكمل دقيقة واحدة. ومن ذلك أن ظهرت طبقة ما يمكن تسميته بـ«المفكرين تحت الطلب» (Fast Thinkers)، الذين يمكن الوصول إليهم في ظرف دقائق معدودات، والطلب إليهم الحديث فوراً عن موضوع محدد، عبر الشاشات.
وحقاً، بات المعدون والمنتجون في المحطات يضعون أسماء في أدلة عملهم، ويضيفون إلى كل اسم من تلك الأسماء عدداً من المجالات التي يمكن له أن يتحدث فيها. بل وفي بعض الأحيان يضيفون إلى هذا الاسم أو ذاك وصفاً مختصراً للحال التي يؤدي بها «دوره». وكثيراً ما تدون تلك الأسماء في ثبت، اتخذ لاحقاً اسم «أجندة المصادر»، قبل أن تصبح تلك الأجندة «دوارة»، بحيث تستخدمها قنوات مختلفة وأحياناً متنافسة.
وعلى غرار الوجبات السريعة والأطعمة المعلبة ذات السعرات الحرارية الثقيلة والأضرار الصحية البالغة (Fast Foods)، يمكننا تسمية الموجة التي لبت هذا الطلب بالعرض الوافر بـ«موردي الطلبات الثقافية السريعة» (Fast Culture).
«المفكرون تحت الطلب» اليوم طبقة كاملة، وأعدادهم في ازدياد مطرد، يستفيدون من الظهور على الشاشات، وينظّرون ويعلقون ويحللون ويناظرون ويشرحون الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والأمنية والرياضية. وبالتالي، بات هؤلاء يشكلون جزءاً من الوعي الجمعي للجمهور، من دون أن يمروا عبر عملية فرز معيارية يمكن أن تضمن حداً أدنى من الرشد والنجاعة في أدائهم. ولقد جاءت الانتخابات الرئاسية الأميركية الحالية، بما انطوت عليه من سخونة بالغة وأهمية واضحة لعالمنا العربي، لكي تلقي الضوء على هذا الإشكال. إذ تكالبت بعض الفضائيات العربية على «الأجندة الدوارة» نفسها، لتملأ فضاء التحليل والتفسير بكثير من المساجلات والإفادات المتهافتة والمكررة وغير المدروسة... وهو أمر يخصم من جودة التغطية ويحرم الجمهور من حقه الأصيل في التمتع بمحتوى تحليلي جاد ورصين.