وفاق واتفاق في ليبيا... إشارات ودلالات

وفاق واتفاق في ليبيا... إشارات ودلالات

الخميس - 6 شهر ربيع الأول 1442 هـ - 22 أكتوبر 2020 مـ رقم العدد [15304]

قبل أن أرى قوسَ الماء، رأيتُ وعرفتُ أقواساً عديدة، سواء ما كان منها في ليبيا مثل قوس ماركوس أوريليوس، وقوس الأخوين فيلني، أو في غيرها من بلدان العالم، وكنتُ، صادقاً، أعتقد أن لو كل أقواس الدنيا المعروفة وُضعت في كفة، ووضع قوس قُزح في كفة أخرى وحده، لرجحت كفته، من فرط جماله وسحره وفتنته.
حدث ذلك، في الأسبوع الماضي، لدى هبوط طائرة الخطوط الجوية الأفريقية في مطار بنينه بمدينة بنغازي، قادمة من مطار معيتيقة بالعاصمة طرابلس، في أول رحلة بين المدينتين، بعد فترة طويلة من الانقطاع بسبب الحرب. ذلك اليوم، وأنا أتصفح مواقع التواصل الاجتماعي الليبية، فاجأني قوسُ الماء في صورة كبيرة، التُقطت في المطار المذكور للطائرة وقد غادرها مسافرون في طريقهم إلى صالة الخروج. على كل جانب من الطائرة، وعلى مسافة ليست بعيدة، وقفت سيارة إطفاء كبيرة، وقد انطلق من خرطوم معدني مثبت في خزانها تدفق ماء على شكل نصف قوس، يهطل ماؤه كخيوط مطر فوق جزء من بدن الطائرة، يقابله نصف قوس مائي قادم من الجهة الأخرى، ويلتقيان على علو فوق بدن الطائرة، مكونين قوساً مائياً، أراه للمرة الأولى. وبدت لي الطائرة الجاثمة على الأرضية، كأنها عروس وصلت للتوّ إلى بيت الزوجية، وقد التفّ بها أهلُ البيت مرّحبين، يُلقون عليها بالزهور والورود، بعيون يملأها الفرح، وبقلوب تنبض بهجة.
قوسُ الماء، استناداً لخبراء في مجال الطيران المدني، تقليدٌ معروف في عالم الطيران والمطارات، وبمثابة عُرف على شكل حفل استقبال بهيج يقام لاستقبال وصول طائرة مدشِّنةً افتتاح خط طيران جديد، أو وصول نوعية جديدة من طائرات لم يستقبلها المطار من قبل، أو عودة خط طيران واستئناف رحلاته بعد انقطاع طويل أو قصير لأسباب عدة، وتستعد له إدارة المطار المعنيّ بسيارتَي إطفاء، وبمجرد وصول الطائرة، ومغادرة المسافرين لها، يبدأ رجال الإطفاء في تشغيل محرك الخزان فينطلق الماء متدفقاً وعالياً على شكل قوس. قوس الماء في مطار بنينه، قد لا يكون بجمال وروعة قوس قُزح، لكنّ معانيه ودلالاته السياسية، وما أحدثه في قلوب الليبيين من انشراح، تعجز عنه أقواس الدنيا مجتمعة، وقد يكون بشارة لحدوث أول صدع، فعلي وحقيقي، في جدار التصلب والعناد الذي ظل قائماً لفترة طويلة في العلاقة بين طرفي النزاع في ليبيا. وربما يعدّ مؤشراً إيجابياً على حدوث تغيّر في معادلة سياسية اتسمت بالجمود، ودليلاً على تراجع التيار المتصلب في غرب ليبيا وشرقها، تحت ضغوط دولية متواصلة، وتمكن الحمائم المعتدلين من تقدم الصفوف، بعد أن تغيّر مجرى الريح لصالحهم. وتعزز ذلك الرأي، بقيام وفد من قبائل برقة بزيارة مدينة مصراتة بهدف الإفراج عن أسرى، وكذلك بلقاء، عُقد في مدينة جنيف بسويسرا، بين وفدين عسكريين يمثلان الطرفين المتصارعين، وبإشراف السيدة ستيفاني ويليامز، نائبة رئيس بعثة الأمم المتحدة في ليبيا. في ذلك اللقاء، وعلى عكس ما تمّ في اجتماعات سابقة، بنفس المكان، التقى الطرفان مباشرةً، حول منضدة واحدة، وجهاً لوجه، للمرّة الأولى. وبدآ اجتماعهما بتحية النشيد الوطني الليبي. المشاهد الثلاثة في بنغازي ومصراتة وجنيف نأمل أن تكون مؤشراً على دخول الصراع على السلطة في ليبيا مرحلة أخرى، مختلفة، قد تكون بداية تقود نحو طريق الوصول إلى وفاق واتفاق وسلام، يضع نهاية لواحدة من أسوأ الفترات دموية وعدم استقرار، شهدتها ليبيا، في تاريخها المعاصر.
المشكلة هي استمرار وجود الجماعات المسلحة في الاستحواذ والسيطرة على مفاصل المشهد الليبي والتحكم فعلياً في توجيه مساراته. وإلى حدّ الآن لم يبدر من قادة تلك الجماعات أي بوادر تدل على نياتهم تجاه ما يحدث من تحركات ومبادرات سياسية على الساحة، ولم تصدر عنهم أي تصريحات نحوها سلباً أو إيجاباً. وما ظهر، مؤخراً، على السطح من شائعات وتسريبات، هنا وهناك، يؤكد، إلى حدٍّ ما، استمرار تخندقهم في مواقعهم، وأن حساباتهم، إلى حدّ الآن، تسير في خط موازٍ للدرب الذي تستهدفه مبادرات وتحركات وجهود ممثِّلة الأمين العام للأمم المتحدة ستيفاني ويليامز. والكل يعلم حقَّ العلم أن الطريق نحو استقرار وسلام نهائي يتوقف، أولاً وأخيراً، على موافقة تلك الجماعات على حل أنفسها، والتخلص من السلاح، والانضواء بقياداتها وكوادرها في الدولة، والخضوع لأحكام القانون، وبنود الدستور هذا من جهة. ومن جهة أخرى، لم تصدر أي تصريحات، من أي جهة داخلية أو خارجية، تُدين صمت تلك الجماعات، وتطالبها بموقف واضح وصريح، أو تتوعدها بعقاب في حالة استمرارها في رفض نزع سلاحها، أو تبادر بوعدها بفتح أبواب آمنة أمام قادتها، تنجيهم من عقاب مستقبلي، في حالة قبولهم لاتفاق سلام نهائي. أضف إلى ذلك، ما يدور في الكواليس في بعض العواصم الأوروبية والعربية المتورطة في تشعبات المشهد الليبي، وما أحدثه التدخل العسكري التركي من تعقيدات، تجعل من الصعوبة بمكان الوصول إلى اتفاق سلام نهائي.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة