«الورقة البيضاء» والإصلاح الاقتصادي والمالي في العراق

«الورقة البيضاء» والإصلاح الاقتصادي والمالي في العراق

الأربعاء - 5 شهر ربيع الأول 1442 هـ - 21 أكتوبر 2020 مـ رقم العدد [15303]
د. ثامر محمود العاني
مدير إدارة العلاقات الاقتصادية بجامعة الدول العربية - أستاذ الاقتصاد القياسي بجامعة بغداد سابقاً

أطلقت الحكومة العراقية «الورقة البيضاء»؛ التقرير النهائي لخلية الطوارئ للإصلاح الاقتصادي - أكتوبر (تشرين الأول) 2020 - بهدف إدارة الوضع المالي في ضوء الأزمة المالية الراهنة، ووضع الحلول اللازمة لتحقيق الإصلاح المالي وتحسين أداء المؤسسات المالية ووضع برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي نص عليه قانون الاقتراض المحلي والخارجي رقم «5» لسنة 2020، بهدف إعادة هيكلة الاقتصاد العراقي لمواجهة التحديات المقبلة.
ومن وجهة نظري، أرى أنها جيدة - على أقل تقدير - من الناحية النظرية، فهناك تشخيص متوازن للمشكلة الاقتصادية والمالية لاقتصاد العراق.
يعاني العراق من ضغوطات عدة ناتجة عن الأزمات المالية والاقتصادية التي يواجهها جراء انخفاض أسعار النفط وما شهده العالم أيضاً من آثار مدمرة وانحسار اقتصادي حاد أثناء الإغلاق الكلي المفروض عالمياً جراء انتشار جائحة «كورونا» (كوفيد19).
لقد أصبح العراق اليوم؛ حسب تقارير المنظمات الدولية، يعدّ من الدول الأكثر فساداً في العالم استناداً إلى تقرير منظمة الشفافية الدولية، واحتل نهاية قائمة الدول من حيث نوعية مستوى الحياة والتعليم والصحة، بما في ذلك الدول الأقل نمواً، حيث سجل معدل البطالة مستوى عالياً بالمقارنة مع دول المنطقة، كما أن مساهمة القطاع النفطي هي الكبرى في توليد الناتج المحلي الإجمالي، وتصل إلى 78 في المائة، بينما بلغت مساهمته في الإيرادات نحو 95 في المائة.
إن عواقب اعتماد العراق على النفط أعلى بكثير من نظرائه في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهي نقاط ضعف شديدة أمام التحركات المعاكسة في أسعار النفط، كما يتضح من تأثير تغير دولار واحد في سعر النفط على الإيرادات كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي كما ورد في الورقة.
ومن أجل النهوض بواقع الاقتصاد العراقي وتنمية قدراته، تشكل تنمية القدرات الإنتاجية في القطاعات الزراعية والصناعية والخدمية وغيرها، العامل الأساسي لتحقيق النمو الاقتصادي، ويكون بمقدوره تعبئة الموارد المحلية من أجل تمويل النشاط الاقتصادي وعدم الاعتماد على المعونات أو المساعدات الخارجية، والعمل على اجتذاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وغير المباشرة التي يمكن أن تدعم عملية التنمية. ومن خلال تنمية القدرات الإنتاجية، سوف يكون بمقدور العراق أن ينافس في الأسواق الدولية للسلع والخدمات التي تتجاوز نطاق السلع الأولية والتي لا تعتمد على توفر أفضليات خاصة فيما يتعلق بالوصول إلى الأسواق.
إن الانتقال من المستوى الحالي المتدني الإنتاجية والمتدني الدخل، إلى مستوى إنتاجية ودخل عاليين، يتم عبر معالجة العوامل التي أدت إلى تدني إنتاجية العمل في العراق، والتي سجلت في عام 2018 أقل من نصف ما كانت عليه في سبعينات القرن الماضي بسبب هيمنة القطاع العام غير المنتج، إضافة إلى التراجع الحاصل في قطاع السلع القابلة للتداول، والآثار السلبية لسعر الصرف غير التنافسي للدينار العراقي - خصوصاً مقابل أسعار صرف عملات شركاء العراق التجاريين - على قطاعي الزراعة والصناعات الأساسية في العراق على مدى العقود الماضية؛ إذ تظهر بعض المقاييس، مثل مؤشر إنتاجية العمل لـ«كونفرنس بورد»، أنه في عام 2018 بلغت إنتاجية العامل العراقي 47 في المائة مما كانت عليه في عام 1970، في حين أن المؤشر الإجمالي بالقيمة الثابتة يظهر عام 2017 نسبة 36 في المائة مما كان عليه عام 1975، مما يظهر انخفاض الإنتاجية عما كانت عليه قبل عام 2003، كما ورد في الورقة البيضاء.
ولا بد لنا أن نؤكد هنا ما جاء في «الورقة البيضاء»، من أن هناك حاجة مماثلة للتركيز على طبيعة القطاع الخاص والمؤسسات التي يتم في إطارها تنظيم مشاريع القطاع الخاص. ومن هذا المنظور، فإن العراق يعاني من ضعف مؤسسي خطير واضح، فلدى النظم المالية المحلية احتياطات سائلة كبيرة، حيث يتوافر فائض مالي رصيداً نقدياً لاحتياط البنك المركزي العراقي، ولكن مستوى الائتمانات المقدمة إلى القطاع الخاص وإلى المشاريع ضعيف جداً وغير قادر على تعزيز القدرات الإنتاجية للاقتصاد العراقي.
يذكر أن القطاع الخاص يمثل الركن الأساسي لبناء الاقتصاد العراقي بجانب القطاع الرئيسي؛ القطاع العام، إذ لا يمكن بناء اقتصاد من دون وجود قطاع خاص فاعل وديناميكي، ولا يمكن أن ينهض الاقتصاد العراقي من دونه، إذ أكدت الورقة التي أعدتها الحكومة العراقية هذا الجانب المهم، وعلى الدولة أن تدعمه وتبنيه في المراحل الأولى لنهضة القطاع الخاص.
وأخيراً وليس آخراً، على السيد رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، أن يوظف الزخم الشعبي لتحقيق الإصلاح الاقتصادي والمالي والأخذ في الحسبان المقترحات المهمة المدرجة أدناه في ضوء «الورقة البيضاء»، ولا بأس أن تأتي تدريجياً من خلال:
- أولاً: من أجل تحقيق الإصلاح الاقتصادي والمالي في العراق، لا بد من العمل على تحسين مناخ الاستثمار، والذي يحتل فيه الجانبان الأمني والقضائي ركناً أساسياً ومهماً، على اعتبار أن إصلاح القضاء يمثل المرتكز الأساسي لإصلاح باقي مؤسسات الدولة، ودستور حديث ومتطور يواكب التطورات التي حصلت في العالم، وهذا يتطلب إزالة ورفع الاجتثاث والإقصاء والتهميش والطائفية من دستور العراق الذي أقر عام 2005، ومشاركة جميع العراقيين من دون استثناء أو إقصاء لأي جهة في بناء العراق، آخذين في الحسبان أن الديمقراطية تعني حكم الشعب، وحرية الرأي، وحرية الفكر، وحرية الانتماء الحزبي، والأمن الإنساني، وأمن الفرد... هذه جميعاً تمثل مقدمات أساسية وضرورية لتحسين مناخ استثمار مناسب لتحقيق التنمية الاقتصادية وجلب الاستثمار الأجنبي المباشر. ولا بد من الإشارة إلى أنه ورد في الأهداف العامة لـ«الورقة البيضاء» أن تطبيق تلك الإصلاحات يتطلب اتخاذ تدابير قاسية، رغم مرارتها، لمعالجة الأزمة المالية، مما يتطلب شجاعة سياسية، وقبولاً من أبناء الشعب العراقي؛ وفي مقدمتهم النخب السياسية، ومشاركتهم في تنفيذ هذه الإجراءات الاقتصادية الصعبة التي لا يمكن الاستغناء عنها لتوفير الحيز المالي الذي يمكن من خلاله الشروع في برنامج الإصلاح الاقتصادي والمالي.
- ثانياً: قيام الحكومة بإجراءات صارمة لمكافحة الفساد والتهرب الضريبي من قبل الشرائح الاجتماعية القادرة على دفعها؛ إذ تشكل نسبة الإيرادات الضريبية إلى الإيرادات العامة في العراق عام 2019 نحو 10.8 في المائة، مقارنة مع المغرب (86.2 في المائة)، ومصر 74.3 في المائة، ولبنان 83.8 في المائة، والأردن 64.4 في المائة، والإمارات البلد النفطي 51.6 في المائة، وفقاً للتقرير الاقتصادي العربي الموحد 2020.
- ثالثاً: العمل في إطار برنامج زمني محدد على استغلال الإيرادات النفطية لأغراض الاستثمار في الأنشطة التي تساهم مباشرة في التنويع الاقتصادي وتطوير الصادرات غير النفطية، وانتهاج سياسة انتقائية في دعم أو تحفيز الأنشطة التنموية وتوجيه الدعم والحوافز للأنشطة التي تساهم مباشرة في تحقيق هدف التنويع الاقتصادي، وجعل رفع الإنتاجية على رأس الأولويات الوطنية، مع ضمان اتساق كل السياسات مع هذه الأولوية، وتوفير البيئة التي تخدم هذه التوجهات.
- رابعاً: في إطار الإصلاح النقدي، لا بد من تحديد سعر صرف الدينار العراقي من خلال السعي إلى تقريب سعر الصرف من واقع السوق (تخفيض مدروس Devaluation)، وعلى البنك المركزي العراقي ممارسة «إدارة فاعلة» في حال حصول تقلبات واسعة في سعر الصرف.
- خامساً: نؤكد على أهمية الاستمرار في العمل بالبطاقة التموينية (الدعم)، وتأجيل النظر في إلغائها حتى تتحسن ظروف العراق الاقتصادية والسياسية، حيث من الصعب الآن التمييز بشكل دقيق بين من يستحق البطاقة التموينية ومن لا يستحقها لتعويضه مالياً ودعم دخله، حيث إن الدخول في هذا الموضوع في الوقت الحاضر سوف يضيف مشكلة أخرى إلى مشكلات العراق الكثيرة.
- سادساً: ثمة مجال للأخذ بالأشكال الجديدة للسياسة الصناعية التي وضعت مؤخراً في الدول المتقدمة والدول النامية المتقدمة، والتي تستند إلى نموذج مختلط قائم على السوق، حيث تعمل المشاريع الخاصة والحكومة معاً على نحو وثيق من أجل خلق نوع من التكامل بين القطاعين العام والخاص؛ إذ تعمل الحكومة على مساعدة القطاع الخاص في استكشاف واستغلال الإمكانات الاقتصادية، ودعمه مالياً وفنياً عندما يحتاج إلى ذلك باعتبار أن الدولة هي الراعي والموجه.


* مدير إدارة العلاقات الاقتصادية - جامعة الدول العربية
* أستاذ الاقتصاد القياسي - جامعة بغداد سابقاً


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة