فن الكاريكاتير لا يزال أحد أهم وأبلغ وسائل التعبير والنقد الاجتماعي والسياسي المعروفة إعلاميا. ولقد برع في هذا المجال أساتذة وجهابذة وفطاحل أفذاذ حول العالم، من أمثال مات في صحيفة «الديلي تلغراف»، وبات أوليفنت في «الواشنطن بوست»، ومايك بيترس في «دايتون ديلي نيوز»، وكيفن كالاجار المعروف بـ«كال» في مجلة «الإيكونوميست» العريقة.
وعلى الصعيد العربي، كانت هناك أسماء عظيمة ومهمة.. في مصر عرف جمعة وحجازي والليثي وبهجت وصلاح جاهين ومصطفى حسين وعمرو سليم، وفي لبنان كان هناك بيار صادق ووديع حداد وستافرو جبرا ومحمود كحيل، وفي الأردن كان هناك عماد حجاج وأمية جحا، وفي السعودية هناك الخريجي وربيع، وفي البحرين محرقي، وفي سوريا العملاق علي فرزات الذي حاول نظام الأسد المجرم الخلاص منه وكسر يديه. لكل من هؤلاء العمالقة نكهته الخاصة وبصمته، ولكل ميزته ولا شك. وما كان يمكن أن يعبر عنه برسمة كاريكاتير كان أخطر وأبلغ وأهم من مقال طويل مليء بالكلمات والقراءة بين السطور وفك الطلاسم.
فوجئت منذ أيام قليلة بهدية جميلة من رجل الأعمال السوري الصديق معتز الصواف، وهو لمن لا يعرف في داخله فنان ورسام كاريكاتير مهم ويتابع هذا الفن بشغف واهتمام، وله دوما إصدارات مهمة بريشته أو عن ريشة غيره من الفنانين اللافتين. فوجئت بكتاب أنيق وجميل جدا بعنوان «هكذا رسم كحيل»، يحمل في طياته أهم رسومات فنان الكاريكاتير العبقري الراحل الذي غادر عالمنا راحلا في 2003 بعد عمر مليء بالإبداع والتألق والتميز. كان محمود كحيل فنانا استثنائيا للكاريكاتير، ولم يكن يحتاج لإضافة العبارة العجيبة «بدون تعليق». كانت عبقرية كاريكاتير محمود كحيل أنه عابر للقارات وللحدود والثقافات. لم يكن بحاجة للشرح ولا الترجمة ولا التعريف، الكل يستطيع فهم مقصده وفكرته ومغزاه من دون تعقيد ولا فلسفة ولا كثرة تعبير وكلام.
رسام الكاريكاتير، مثل كاتب مقال الرأي في العالم العربي، يسير على حقول ملغمة من أصابع الديناميت، فهو بالمبالغة في تعابير الوجه قد يكون «يهين» الشخص المرسوم و«يحقر» من شأنه، والويل كل الويل له لو كان شخصية ذات أهمية ومسؤولا كبيرا. ومن المعروف أن رسامي الكاريكاتير كانوا يتعرضون لتهديدات عظيمة من شخصيات نافذة، ومحمود كحيل لم يكن استثناء أبدا، فرسوماته في صحيفة «الشرق الأوسط» كانت دوما حديثا لبرامج حوارية وفي نشرات الأخبار، وبالتالي نالت غضب بعض القادة المتهورين الذين أصابهم حبر ريشة محمود كحيل، مثل الخميني في إيران وصدام حسين في العراق، مثلما تعرض مصطفى حسين رسام الكاريكاتير المصري الراحل لتهديدات خطيرة جدا بالقتل من قبل معمر القذافي وجهاز مخابراته، وكان لديه حراسة من المخابرات المصرية والداخلية المصرية بأمر الرئيس الراحل أنور السادات.
ويأتي هذا الكتاب كلفتة كريمة جدا في حق قامة عظيمة، رحل في قمة عطائه. محمود كحيل كان فذا في ريشته، و«الكلام» الذي قالته رسوماته نفتقده كثيرا اليوم، ونتأمل ما الذي كان سيرسمه عن الأحداث التي حولنا. العطاء للقامات الكبرى يبقى خالدا في نفوس محبيهم الذين يحيون ذكراهم بقدر محبتهم.
12:57 دقيقه
TT
كتاب محمود كحيل!
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
