هجمة {كورونا} الجديدة ومدى الصمود البريطاني

هجمة {كورونا} الجديدة ومدى الصمود البريطاني

السبت - 8 صفر 1442 هـ - 26 سبتمبر 2020 مـ رقم العدد [15278]

عاد بوريس جونسون إلى النقطة التي كان عندها منذ ستة أشهر ماضية: في مواجهة تحديد إلى أي مدى يفرض قيوداً على الحريات من أجل قمع تفشي وباء فيروس «كورونا». إلا أنه في المرة السابقة كانت الاستراتيجية بسيطة. وهدفت إجراءات الإغلاق التي أقرتها بريطانيا لحماية قدرة الخدمة الصحية الوطنية من أجل إنقاذ الأرواح. أما هذه المرة، فيتسم الهدف المنشود بقدر أكبر من التعقيد، وكذلك الخيارات المطروحة أمام جونسون.
ربما تكون هناك اختلافات حول ما يشكل تحديداً موجة ثانية - خاصة أن المملكة المتحدة قطعت شوطاً طويلاً اليوم بعيداً عن معدل الإصابات اليومي البالغ 500 حالة في مارس (آذار)، لكن الواضح أن السهم يتحرك نحو الاتجاه الخاطئ، ويبقى التساؤل الأبرز حالياً: كيف ستستجيب الحكومة؟
في بريطانيا، تتضاعف أعداد الإصابات من أسبوع لآخر تقريباً. ولا يسبقها عالمياً من حيث عدد الإصابات سوى الولايات المتحدة والبرازيل والهند والمكسيك.
من ناحيته، قال جونسون إن حدوث موجة ثانية «أمر حتمي». ربما كان هذا صحيحاً، ومع ذلك يبقى هذا الوضع نتاج أخطاء واضحة، أسوأها الإخفاق في ضمان قدرة منظومة اختبارات فيروس «كوفيد - 19» على مستوى البلاد على تلبية الارتفاع المحتوم في الطلب الذي سيصاحب استئناف الأفراد نشاطاتهم المعتادة.
ولا تقف بريطانيا بمفردها في هذا الموقف، ذلك أن فرنسا وإسبانيا وهولندا ودول أخرى في أوروبا تواجه موجات ثانية هي الأخرى، مع إعلان منظمة الصحة العالمية، الأسبوع الماضي، أن معدل الإصابات في أوروبا حالياً أعلى عن مستوى الذروة في مارس. وتبدو الأسباب القائمة وراء هذا الوضع متشابهة: رفع القيود وعودة الناس من الإجازات وإعادة فتح المدارس، بجانب المشكلات المتعلقة بالاختبارات وفي بعض المناطق عدم الالتزام الكامل بالتباعد الاجتماعي، خاصة من جانب الفئات الأصغر سناً من السكان.
من الناحية الظاهرية، ينبغي أن تكون الأمور أكثر سهولة هذه المرة، فقد ازدادت خبرتنا فيما يخص كيفية إدارة جهود الحيلولة دون حدوث انتقال للعدوى بين الأفراد، والتعامل مع المرضى المحتجزين بالمستشفيات وحماية الفئات الأشد عرضة للخطر.
ويقلل الخطاب الدائر بأن الخدمة الصحية الوطنية البريطانية تتكيف مع الأزمة، من حجم التكاليف الحقيقية الهائلة. إلا أنه في الوقت الذي ربما تكون بريطانيا اليوم على قدر أكبر من الاستعداد من حيث الأسرة ومعدات الحماية الشخصية للعاملين ومعرفة المزيد عن الفيروس، فإنها تناضل في مواجهة شعور العاملين بالمجال الصحي بالإرهاق وتكدس ضخم للحالات المرضية من خارج المصابين بـ«كوفيد - 19».
وتعتبر الفترة الراهنة عصيبة للغاية للأشخاص المصابين بالسرطان أو الذين يحتاجون إلى عمليات أو أمراض أخرى. وحتى إذا نجحت بريطانيا في تجنب حدوث ارتفاع شديد في معدلات الإصابات التي تتطلب الحجز داخل مستشفيات هذا الشتاء، فإن خدمة الصحة الوطنية يمكن أن تواجه أزمة مختلفة في خضم محاولاتها تلبية الطلب من مرضى من خارج المصابين بـ«كوفيد - 19».
وفيما يتعلق بتنفيذ إجراءات إغلاق جديدة، يوحي الوضع الراهن للصحة العامة بأن هناك ميلاً مفرطاً باتجاه الحذر، لكن تنفيذ ذلك سيكون صعباً من الناحيتين الاقتصادية والسياسية. ويعني قرار حكومة المملكة المتحدة إنهاء مخطط الإجازات مدفوعة الأجر الذي حظي بشعبية واسعة، وذلك بحلول نهاية أكتوبر (تشرين الأول)، حدوث ارتفاع حاد في معدلات البطالة. ومن المتوقع أن ينكمش الاقتصاد بمعدل 10 في المائة عام 2020. ومن شأن أي إجراء تقريباً يمكن أن يقدم عليه جونسون - بما في ذلك فرض حالة إغلاق لمدة أسبوعين خلال أكتوبر للتزامن مع العطلات المدرسية - فرض تكاليف اقتصادية ستثير قلق وزارة الخزانة، التي تبدو بالفعل في طريقها نحو تمديد أجل بعض القروض الداعمة للأعمال التجارية بسبب الضغوط الجديدة المرتبطة بإجراءات الإغلاق.
يواجه أكثر عن 13 مليون بريطاني مجموعة من القيود الجديدة المرتبطة بالإغلاق، منها فرض حظر تجول بدءاً من الساعة الـ10 ليلاً. وسيجري فرض غرامات ضخمة ضد من يخرقون القواعد.
يأتي كل ذلك في وقت تتزايد الانتقادات الموجهة إلى جونسون داخل حزبه وبين المواطنين. جدير بالذكر في هذا الصدد أن الموجة الأولى من الإصابات جاءت بعد فترة قصيرة من تحقيقه فوزاً مدوياً في الانتخابات واحتفل بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وكانت استطلاعات الرأي في تلك الفترة تشير إلى تحقيقه معدلات مرتفعة من حيث الشعبية، في وقت تعهد جونسون بتوحيد صفوف البلاد. إلا أن الأخطاء المتكررة والرسائل المتضاربة والتحولات الراديكالية في مسار السياسات المتبعة، تركت جميعها الكثير من الناخبين في حالة صدمة وخيبة أمل.
لا يزال جونسون يملك أغلبية 80 مقعداً داخل البرلمان ويبدو راسخاً في السلطة، لكن الموجة الثانية المحتملة خلقت أمامه أول معارضة حقيقية يواجهها منذ تصويت ديسمبر (كانون الأول). وإذا لم يقدم الاستجابة الصائبة هذه المرة، فإن المحافظين قد يقررون نهاية الأمر أن الرجل الذي ساندوه بحماس شديد باعتباره القادر على إنجاز «بريكست» لم يعد القائد الذي يرغبونه.


*بالاتفاق مع «بلومبرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة