عقلية الإنتاج

عقلية الإنتاج

الأحد - 3 صفر 1442 هـ - 20 سبتمبر 2020 مـ رقم العدد [15272]
علي المزيد
كاتب في الشؤون الاقتصادية

يقول ابن خلدون إن جميع المدن في العالم أسسها البدو، فهم يترحلون حتى يجدوا مكاناً مناسباً يقيمون فيه، فيتحولون من مجتمع بدوي إلى مجتمع حضري، ويقيمون المدن، سواء في الواحات أو على شواطئ البحار.
هذه مقدمة ضرورية حتى لا أُفهم خطأ لأن عالمنا العربي مليء بالبادية، لذلك يجب على الحكومات أن توطنهم حتى يستقروا ويتحولوا من مجتمع الكسب إلى مجتمع الإنتاج، وكما يصف ذلك المفكر العراقي الشهير علي الوردي (رحمه الله) في كتابه «الأخلاق الضائعة»، حيث يذكر أن عقلية الحضر تتجه للإنتاج، بينما عقلية البادية تتجه للنهب، وكما يصف ذلك وصفاً دقيقاً، حيث يقول إن البادية يسرقون الإقطاعيين حينما يتولون زراعة أراضيهم، بينما يعف الحضريون عن السرقة.
لذلك نجد بعض حكومات عالمنا العربي تحرص على توطين البادية عبر مشاريعها المختلفة، لكن ذلك غير كافٍ، إذ إن الحكومات مطالبة بجهود أكثر لتوطين البادية وتحويلهم لعقلية الإنتاج.
العنصر البشري هو العنصر الثالث الذي ترتكز عليه العملية الاقتصادية، لذلك توطين هذا العنصر وتأهيله ضرورة ملحة ليتحول إلى عقلية الإنتاج.
ولعله حتى تاريخ قريب لا يتجاوز المائة عام، كانت القبائل العربية تغزو بعضها بعضاً بهدف الكسب.
بل شرعنوا هذه الغنيمة، وجعلوا لها قوانين يعاقب من يخالفها، فمثلاً هم لا يعتدون على النساء ويعتبرون ذلك عيباً تعاقب عليه الأعراف، رغم أنهم قد يقتلون الرجال وينهبون أموالهم.
لذلك الحكومات العربية مطالبة بتوطين البادية أولاً، فإذا تم توطين البادية بدأت عملية أخرى، وهي تعليمهم، ومن ثم تدريبهم على مهن تخلق لهم رزقاً، ليتحولوا إلى عقلية الإنتاج.
ولذلك يبرر المفكر العراقي علي الوردي، اشتراك البدو في الحروب، بأنه بسبب بحثهم عن الغنيمة، وليس بسبب قناعتهم بتوحيد وطن أو خلق كيان يكون ظلاً للجميع، ولكن ما يدفع لخوض الحروب هو الطمع بالغنيمة والناشئة عن عقلية الكسب لا عقلية الإنتاج.
ومن المشاهدات الحياتية نرى أن من انخرط في حياة المدينة من البدو يكون مبدعاً، وإذا تعلم أصبح نابغاً، والتوطين له فوائد كثيرة، من أهمها الاستقرار، وكذلك سهولة الوصول إلى مرجعيات المجتمع.
كما أن الاستقرار بالنتيجة يساعد على التعليم الذي يكون شاقاً مع الحِلِّ والتِرحال.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة