هل يتحقق حلم الدولة الكردية قريباً؟

هل يتحقق حلم الدولة الكردية قريباً؟

الأربعاء - 16 ذو الحجة 1441 هـ - 05 أغسطس 2020 مـ رقم العدد [15226]
مها محمد الشريف
كاتبة سعودية مهتمة بالشأن السياسي

واشنطن «تعترف» سياسياً بـ«الإدارة الكردية» وتُغضب كلاً من أنقرة ودمشق بعد موافقتها على توقيع شركة أميركية عقداً لاستثمار النفط شمال شرقي سوريا، فهل يعتبر هذا الاعتراف من ضمن إعادة تشكيل الشرق الأوسط الجديد؟، وهل سيكون لبعض المجموعات الإثنية الاتجاه نفسه؟
تتجلى إحدى عواقب هذه السياسة على إضعاف تركيا وإيران بشكل كبير، فلم يحدث حتى الآن ردة فعل من البلدين، وما يترتب على اقتطاع الأراضي الشاسعة لصالح الأكراد، علماً بأن الأكراد شعب يسكن المنطقة الجبلية الممتدة على حدود تركيا، والعراق، وسوريا، وإيران، وأرمينيا، ويتراوح عددهم ما بين 25 و35 مليوناً، والتقدم لهم يعتبر ضرورة تاريخية، وهذا حلم يراود رابع أكبر مجموعة عرقية في الشرق الأوسط.
أمور كثيرة حدثت في السنوات الأخيرة، وكان للأكراد دور فاعل في التطورات الإقليمية؛ إذ قاتلوا من أجل حقوقهم القومية في تركيا، ولعبوا دوراً مهماً في الصراعات الداخلية في العراق وسوريا وآخرها قيادة المعارك ضد تنظيم «داعش»، وهذا ما حرك واشنطن تجاههم، فيبدو للمراقب أن تاريخهم بدأ يتشكل من جديد.
هنالك الكثير من الأشياء التي يتوجب تسليط الضوء عليها، ما يعني أن الرئيس الأميركي ترمب ينفذ ما قاله في 6 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي بأن «عدداً قليلاً من الجنود» الأميركيين سيبقون في سوريا «في المناطق التي تحوي نفطاً»، مؤكداً قوله: «قمنا بضمان أمن النفط»، ثم تابع: «سنقوم بحمايته، وسنقرر ماذا سنفعل في المستقبل».
كما اقترح شخصياً أن تقوم الولايات المتحدة بـ«إرسال واحدة من كبريات المجموعات النفطية» لاستغلال النفط السوري. وأكد البنتاغون من جانبه إرسال تعزيزات لحماية حقول النفط، بحيث بقي حوالي 500 جندي شرق الفرات مع رفع في عدد ونوعية المعدات العسكرية لتوفير حماية للآبار النفطية، بعدما سحب قواته من المناطق السورية الواقعة على الشريط الحدودي مع تركيا، وتخلت عن حليف لها متمثل في قوات سوريا الديمقراطية من الأكراد وتركتهم في مواجهة قوات إردوغان العسكرية.
واليوم يأتي اعتراف واشنطن بـ«الإدارة الذاتية» وتوقيع شركة أميركية عقداً لاستثمار النفط شرق الفرات محط تساؤلات، وهو في الحقيقة يُغضب أنقرة ودمشق، ولكنه أفرح الأكراد كثيراً، وسرعان ما نهضت آمالهم من قاع المستحيل وتسلق الهدف على جدار الأراضي المفخخة تحت أقدامهم، وعادت أحلام الماضي الممزق إلى مستقبل قد يكون أقل انعزالية وممانعة أغلقت سابقاً جميع الأبواب أمامهم. فما هي مكاسب واشنطن من وحدة الأكراد؟
إن مثل هذه السياسات لا تذهب بعيداً عن مصالحها وهي بمثابة غطاء تلف به مطامعها الحقيقية عن عيون المتتبعين للأحداث، وستكشف مع الأيام التشكيل الجديد للمنطقة بعد قيام دولة كردية بحكم ذاتي، ويأتي ذلك من دواعي الخوف على المكتسبات من النفط والغاز، ولن يتخلى الغرب عن هذه الموارد ولكن بمعول أهل المنطقة نفسها، وبذلك يتحقق للأكراد طموحات قديمة جديدة.
أما الشيء اللافت للانتباه فهو ذلك الاجتماع الذي وصف بالتاريخي بين المجلس الوطني الكردي وأحزاب الوحدة الكردية في عين العرب، حيث تسعى الأطراف إلى تشكيل إدارة مشتركة في شمال شرقي سوريا، التي توصلت إلى اتفاق بشأن وحدتهم لمواجهة قانون قيصر الأميركي، فهل يخدم هذا القانون أكراد سوريا؟
بوسعنا، على الأقل، أن نعتبر خطوة أميركا الحالية لا يمكن فصلها عن مشروعها المعلن بإقامة الشرق الأوسط الكبير بناء على متغيرات سياسية وبعضها جغرافية كما يتضح حتى تاريخنا الحالي، وتهدف للتحالف معه كمرحلة جديدة في قيادتها للنظام الدولي الجديد. فبعد الحرب العالمية الثانية، كان تحالفها مع أوروبا ضد الكتلة الاشتراكية التي قادها الاتحاد السوفياتي الذي تفكك، أما في القرن الواحد والعشرين فهي تنتقل لمرحلة المواجهة مع الصين، وهذا ما تعمل عليه من بناء شراكة كبرى مع دول الشرق الأوسط بعد أن قامت بمشروعها الكارثي وهو الفوضى الخلاقة الذي نعيش فصوله، وأشبع دولاً عديدة بالمنطقة تدميراً وتهجيراً.
لذلك بدأت تظهر مراحل جديدة من هذا المشروع بتهيئة الظروف لإقامة كيانات جديدة، ويبدو أن الدولة الكردية واحدة منها التي ستكون كياناً جديداً يمتلك ثروة نفطية ضخمة وموقعاً جغرافياً مهماً للدخول إلى آسيا الوسطى، والتحكم فيها لإتمام حصار الصين خصوصاً بمصادر الطاقة.
وهكذا، تتجه خطوات واشنطن صوب هدف واحد وهو تحجيم الصين المنافس الأكبر لها عالمياً، وهي بذلك تهيئ كل هذه الخطوات لتلك المواجهة سياسياً واقتصادياً وجغرافياً. فقيام دولة كردية ليس بالنزهة القصيرة ولن يكون أمراً سهلاً، ويمكن اعتباره بداية الطريق نحو الهدف، بإضعاف إيران وتركيا اللتين ستواجهان مراحل صعبة كما حدث للعراق وسوريا، لأن الدولة الكردية ستكون موزعة على أراضي الدول الأربع.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة