مكة... ملتقى الثقافات عبر العصور

كتاب عن تجليات الحج يتناول مكانتها في أدب الرحلة الهندي

مكة المكرمة كما بدت أمس (أ.ب)
مكة المكرمة كما بدت أمس (أ.ب)
TT

مكة... ملتقى الثقافات عبر العصور

مكة المكرمة كما بدت أمس (أ.ب)
مكة المكرمة كما بدت أمس (أ.ب)

لعبت مكة دورا مهما في أدب الرحلة على مر العصور، وشكلت بؤرة لالتقاء عديد من الثقافات شرقا وغربا، حتى أصبحت «أم القرى» مرفأ للطمأنينة والسلام. عن هذا الدور وأهميته وخصوصيته يأتي كتاب «رحلة إلى الحجاز ومصر» الصادر في القاهرة عن المركز القومي للترجمة للأمير أحمد حسين خان، وترجمه للعربية الباحث جلال السعيد الحفناوي.
يتكون الكتاب من جزأين، في الجزء الأول يقدم المترجم بحثا تاريخيا مسهبا، بينما تم تخصيص الجزء الثاني القصير لرصد وقائع رحلة الحج المقتضبة كما عاشها ورواها «خان» في بدايات القرن العشرين.
يشير الحفناوي إلى أن زيارة الحرم الشريف من العوامل المهمة التي مهدت الطريق لظهور رحلات الحج الهندية في الأدب الأردي في القرنين التاسع عشر والعشرين، وتعددت هذه الرحلات حتى بلغت المئات، وكتبت باللغتين الفارسية والأردية. وقد ظهرت دراسات عديدة في الآداب الإسلامية أكدت انفراد اللغة الأردية بهذا الكم الهائل من الرحلات إلى مكة المكرمة حيث كتب الرحالة الهنود رحلاتهم باللغة الأردية وعبروا فيها عن مشاعرهم الجارفة نحو هذه البقاع المقدسة واهتموا برواية التفاصيل الدقيقة عن تاريخ مكة المكرمة، والعادات والتقاليد والمناسك والطرق والجغرافيا والتركيبة السكانية، وكذلك الجوانب السياسية والاجتماعية والروحية، كما صوروا حلقات الدرس في الحرمين الشريفين والمهاجرين والمجاورين من العلماء من شتى بقاع العالم الإسلامي بشكل عام وعلماء الهند بشكل خاص.
ويوضح الكتاب أنه نتيجة لذلك ظهر في الأدب الأردي فرع خاص بالرحلة إلى الحرمين الشريفين يسمى «أدب الرحلات الحجازية»، ومنها رحلة الشيخ عبد الحق محدث الدهلوي المعروفة باسم «جذب القلوب إلى ديار المحبوب» عام 1589 والتي تعد من أقدم رحلات الحج الهندية التي كتبت باللغة الفارسية في شبه القارة الهندية وقام محمد شفيع مراد آبادي بترجمتها إلى الأردية بعنوان «ديار حبيب».
وبحسب المترجم، كُتبت رحلات الحج الأولى باللغة الفارسية لغة العلم والأدب آنذاك ولغة الحكام المسلمين في الهند، وكان العامة والخاصة يفهمونها بسهولة حيث ظلت اللغة الرسمية في الهند إلى أن سيطر الإنجليز على الحكم هناك فشجعوا اللغة الأردية خاصة عندما أنشأوا كلية «فورت وليم» في كلكتا عام 1800. وكانت أول رحلة باللغة الأردية هي رحلة «الصديق إلى بيت الله العتيق» وكتبها الأمير صديق حسن خان بهوبالي عام 1851. وقد ارتقى أسلوب رحلات الحج الهندية بالتدريج حتى وصل إلى مرحلة أبدع فيها الكاتب أدبا يستحق الاهتمام خاصة إذا كان المؤلف أديبا موهوبا مثل «مولانا عبد الماجد دريا بادي» الذي عبر عن مشاعره وأحاسيسه نحو مكة المكرمة والمدينة المنورة بطريقة تقطر عذوبة، وهو فقيه ومحدث ومفكر وأديب وسياسي.
- أشواق ومشاعر روحانية
ويذكر الكتاب أن «دريا بادي» عرض في رحلته مناسك الحج ووقائعه بالإضافة إلى ما ينتاب الإنسان من عواطف وأحاسيس كما شرح بعض القضايا الفقهية. يقول: «أقلعت الباخرة «أكبر» في الحادية عشرة مساء في يوم الخميس 1929 في شهر مارس (آذار) من ميناء بومباي فيا له من وقت بديع ومتعة حقة عندما تحركت الباخرة، فكيف أصف حركة دقات قلبي؟ إن الشوق إلى زيارة بيت الله يجعل كل مؤمن ومؤمنة سكارى بهذه النشوة ولا يعبأ بأي مشقة أو تعب في سبيل هذا الهدف». وعندما وصل «دريا بادي» إلى مكة المكرمة وبيت الله الحرام وقعت عيناه على الكعبة فيصف هذا المشهد المهيب الذي يراه لأول مرة قائلا: «وظهر لنا المسجد الحرام بحوائطه الأربعة وقد تجاوزنا عدة أبواب من أبوابه حتى وصلنا إلى باب السلام ودلفنا منه حيث يعتقد أنه أفضل أبواب بيت الله الحرام للدخول منه، فما إن يدخل المرء إلى هذه الأرض الطاهرة وهذه البقعة من النور حيث الصلاة الواحدة تعادل فيه مائة ألف صلاة أو على الأقل ألف صلاة. دخلت إليه وعندما وقعت عيناي على ذلك المبنى المغطى بستارة سوداء لم أصدق نفسي ولم تسع السماء فرحتي فهتفت من أعماقي وبصوت عال: بيتنا، فالعين البشرية والبصيرة الإنسانية لا تتحملان حرارة الأنوار والتجليات!».
ويوضح المترجم كيف ظهر عدد كبير من رحلات الحج الهندية بعد عام 1960 وتنوعت أساليبها وموضوعاتها واتجاهاتها، منها رحلة نسيم حجازي «باكستان سي ديار حرم تك» أي «من باكستان إلى ديار الحرم». وكان قد زار مكة المكرمة ضمن وفد رسمي باكستاني ولذلك تتجلى الجوانب السياسية في هذه الرحلة بوضوح، كما تتميز بأسلوب أدبي رفيع لأن نسيم حجازي أديب وروائي وصحافي له مكانة في الأدب الأردي. وقد حفلت الرحلة بمعلومات مهمة عن أسواق مكة والطرق والشوارع وبيت الضيافة الذي أهدته الحكومة السعودية للحكومة الباكستانية في المدينة والاقتصاد والتعليم وتطبيق الشريعة الإسلامية.
ويشير كذلك إلى كتاب الرحلة الحجازية «سفرنامه حجاز» لسلطان داود التي تلقي الضوء على مناسك الحج من منظور تاريخي واجتماعي وديني، وقد اهتمت رحلته بالحالة الاجتماعية للمجتمع المكي والمدني إذ يقول: «أهل مكة طيبون يتوكلون في كل أعمالهم على الله سبحانه وتعالى ولا يعرفون الطمع».
وقد كان للشعر نصيب وافر في رحلات الحج الهندية إلى مكة حيث فاضت قرائح شعراء شبه القارة الهندية بلواعج أشواقهم نحو أم القرى والمدينة المنورة وقبر الرسول والروضة الشريفة. وتعد رحلة الأديب الشاعر ماهر القادري «قافلة الحجاز» من رحلات الحج الشعرية المهمة وقد طبع عام 1955:
«صار الفكر قرينا للخيال
وصار القول مطابقا للعمل بإحسان
لم يعد بين القلب والنظر حجاب».
لقد ظلت مكة المكرمة، كما يضيف المترجم، من أهم مراكز جذب العلماء الهنود بشكل خاص وعلماء العالم الإسلامي من الشرق والغرب على السواء مما جعلها عاصمة للثقافة الإسلامية قديما وحديثا. وقد ضاعف من مكانة مكة الثقافية وريادتها العلمية الموجات المتتالية من الرحلات العلمية التي قام بها علماء من مختلف أنحاء العالم الإسلامي طلبا للعلم والمجاورة لبيت الله الحرام والتي كانت تستغرق سنوات وأحيانا مدى الحياة. وقد ساهم العلماء المجاورون في وجود مثل هذه الظاهرة الفريدة التي انفردت بها مكة دون غيرها من الحواضر الإسلامية حيث بدأت تستقبل أعدادا كبيرة من الهنود مهاجرين ومجاورين مع نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، وكان لهؤلاء دور بارز في الحركة العلمية في مكة عبر العصور بعد أن صاروا جزءا من النسيج الاجتماعي لسكانها من خلال إنشاء المدارس والكتاتيب والتدريس في الحرم وتأليف الكتب، كما أسس الهنود في مكة المكرمة عددا من الكتاتيب لتعليم الأولاد والبنات ومن أهمها كتاب الشيخ أحمد السوركتي الذي أسسه في مستهل القرن الرابع عشر الهجري.
- وقائع الرحلة
وفي الجزء الثاني من الكتاب، تبدأ وقائع «رحلة إلى الحجاز» كما رواها الرحالة المؤلف الأمير أحمد حسين خان عام 1903. يستهل خان روايته بعدد من الوصايا قائلا: «أيها الأصدقاء الأعزاء هذه الرحلة طويلة وغاية في البعد وقد طويت فيها أكثر من ست أو سبعة آلاف ميل ذهابا، وإيابا وتحملت أنواعا من الصعوبات الجمة برية وبحرية لذا عليك أن تؤدي مثل هذه الاستعدادات في الوقت الذي ترحل فيه عن بيتك وكأنك تودع بيتك نهائيا، وكأنك تحافظ على أموالك المنقولة وغير المنقولة بشكل كامل. وعليك أن تؤدي جميع الحقوق لأصحابها وأن تكتب وصيتك وفقا للقانون وتغلفها في مظروف مسجل عليه خاتم مثلما تفعل في الخطابات المسجلة وإيداعها في صندوق الأمانات لدى المسجل أي القاضي.
من المهم أن تثبت عليها توقيعات الورثة، وتكمن الفائدة المرجوة من هذا النوع من الوصية المكتوبة في مظروف ألا يفشي سرا من أسرارك وستجد المظروف كما هو على حاله يرجع إليك بمجرد عودتك. ولو قدر الله ولم تعد فإن الورثة يعملون بموجبها طبقا للتعليمات والأوامر».
وتكشف مذكرات «خان» عن طبيعة السفر وإجراءات حفظ الأمتعة قديما حيث يقول: «ولو ذهبت من جدة عن طريق رابغ مستقلا الباخرة فسوف تتحاشى التعرض للمخاطر وسيكون الوصول آمنا والحاج الذي يسافر بهذا الطريق يدخر نفقات كثيرة. لا تأخذ معك متاعا كثيرا، وضعه أمانة في مكة المكرمة عند حفاظ الأمانات المعروفين، حيث يستطيع هؤلاء السادة إعداد الترتيبات اللازمة للحفاظ عل أمتعتك في جدة والمدينة المنورة».
وتكشف المذكرات عن الاستعدادات الجيدة التي كانت تتخذها سلطات الحج لضمان راحة الحجيج منذ 117 عاما. يقول «خان»: «في يوم الجمعة 23 أكتوبر (تشرين الأول) 1903 وصلنا بأمان وسلام مع أمتعتنا إلى دار الضيافة حيث الغرف تحوي أسرة مريحة للغاية بها الوسائد والحشايا. وكان هناك رجلا أمن في غاية الحكمة والتروي وقد وجدنا جميع سبل الراحة متوفرة فدورات المياه نظيفة والمحلات أمام دار الضيافة تبيعنا ما نحتاجه بأسعار معقولة».


مقالات ذات صلة

السعودية: إيقاف «شركتَي عمرة» لمخالفة التزامات السكن للمعتمرين

الخليج وزارة الحج والعمرة السعودية أكدت أن حقوق ضيوف الرحمن أولوية قصوى وأن جودة الخدمات المقدمة تمثل خطاً أحمر لا يُسمح بتجاوزه (واس)

السعودية: إيقاف «شركتَي عمرة» لمخالفة التزامات السكن للمعتمرين

أعلنت وزارة الحج والعمرة السعودية، السبت، إيقاف شركتَي عمرة، بعد رصد مخالفة تمثلت في عدم الالتزام بتوفير خدمات السكن للمعتمرين وفق البرامج التعاقدية المعتمدة.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
الخليج مكة المكرمة (الشرق الأوسط)

السعودية: «الحج والعمرة» توقف التعاقد مع 1800 وكالة سفر خارجية لقصور الأداء

أعلنت وزارة الحج والعمرة السعودية إيقاف التعاقدات القائمة مع 1800 وكالة سفر خارجية تعمل في مجال العمرة، من أصل نحو 5800 وكالة، لقصور الأداء.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
رياضة سعودية يتضمن برنامج رحلة المشاعر المقدسة زيارات ميدانية إلى المشاعر المقدسة (الشرق الأوسط)

«رحلة المشاعر المقدسة»... مبادرة سعودية لتعريف الشباب بمنظومة خدمة ضيوف الرحمن

انطلق الثلاثاء برنامج «رحلة المشاعر المقدسة» في مكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة الذي تنظمه وزارة الرياضة ويستمر حتى 29 يناير الجاري

عبد الله الزهراني (جدة)
شمال افريقيا معتمرون مصريون يتأهبون لرحلة جوية لأداء المناسك (وزارة السياحة المصرية)

ملاحقة مصرية مستمرة لـ«شركات الحج الوهمية»

تلاحق الداخلية المصرية «شركات الحج والعمرة الوهمية» في حين أكدت وزارة السياحة على أهمية الالتزام الكامل بحصول حجاج السياحة على «شهادة الاستطاعة الصحية»

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
يوميات الشرق 6 حكايات متنوّعة من قلب المشاعر المقدَّسة (لقطة من الفيلم)

«المدّ البشري»... فيلم يُوثّق رحلة الحج عبر حكايات 6 عائلات من العالم

تتكشَّف قصص ممزوجة بالخوف، والشوق، والأمل، والفقد، ليظهر مفهوم الحج بأبعاد جديدة، في رحلة تتحرّك بالروح قبل القدم...

سعيد الأبيض (جدة)

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً