مكة... ملتقى الثقافات عبر العصور

كتاب عن تجليات الحج يتناول مكانتها في أدب الرحلة الهندي

مكة المكرمة كما بدت أمس (أ.ب)
مكة المكرمة كما بدت أمس (أ.ب)
TT

مكة... ملتقى الثقافات عبر العصور

مكة المكرمة كما بدت أمس (أ.ب)
مكة المكرمة كما بدت أمس (أ.ب)

لعبت مكة دورا مهما في أدب الرحلة على مر العصور، وشكلت بؤرة لالتقاء عديد من الثقافات شرقا وغربا، حتى أصبحت «أم القرى» مرفأ للطمأنينة والسلام. عن هذا الدور وأهميته وخصوصيته يأتي كتاب «رحلة إلى الحجاز ومصر» الصادر في القاهرة عن المركز القومي للترجمة للأمير أحمد حسين خان، وترجمه للعربية الباحث جلال السعيد الحفناوي.
يتكون الكتاب من جزأين، في الجزء الأول يقدم المترجم بحثا تاريخيا مسهبا، بينما تم تخصيص الجزء الثاني القصير لرصد وقائع رحلة الحج المقتضبة كما عاشها ورواها «خان» في بدايات القرن العشرين.
يشير الحفناوي إلى أن زيارة الحرم الشريف من العوامل المهمة التي مهدت الطريق لظهور رحلات الحج الهندية في الأدب الأردي في القرنين التاسع عشر والعشرين، وتعددت هذه الرحلات حتى بلغت المئات، وكتبت باللغتين الفارسية والأردية. وقد ظهرت دراسات عديدة في الآداب الإسلامية أكدت انفراد اللغة الأردية بهذا الكم الهائل من الرحلات إلى مكة المكرمة حيث كتب الرحالة الهنود رحلاتهم باللغة الأردية وعبروا فيها عن مشاعرهم الجارفة نحو هذه البقاع المقدسة واهتموا برواية التفاصيل الدقيقة عن تاريخ مكة المكرمة، والعادات والتقاليد والمناسك والطرق والجغرافيا والتركيبة السكانية، وكذلك الجوانب السياسية والاجتماعية والروحية، كما صوروا حلقات الدرس في الحرمين الشريفين والمهاجرين والمجاورين من العلماء من شتى بقاع العالم الإسلامي بشكل عام وعلماء الهند بشكل خاص.
ويوضح الكتاب أنه نتيجة لذلك ظهر في الأدب الأردي فرع خاص بالرحلة إلى الحرمين الشريفين يسمى «أدب الرحلات الحجازية»، ومنها رحلة الشيخ عبد الحق محدث الدهلوي المعروفة باسم «جذب القلوب إلى ديار المحبوب» عام 1589 والتي تعد من أقدم رحلات الحج الهندية التي كتبت باللغة الفارسية في شبه القارة الهندية وقام محمد شفيع مراد آبادي بترجمتها إلى الأردية بعنوان «ديار حبيب».
وبحسب المترجم، كُتبت رحلات الحج الأولى باللغة الفارسية لغة العلم والأدب آنذاك ولغة الحكام المسلمين في الهند، وكان العامة والخاصة يفهمونها بسهولة حيث ظلت اللغة الرسمية في الهند إلى أن سيطر الإنجليز على الحكم هناك فشجعوا اللغة الأردية خاصة عندما أنشأوا كلية «فورت وليم» في كلكتا عام 1800. وكانت أول رحلة باللغة الأردية هي رحلة «الصديق إلى بيت الله العتيق» وكتبها الأمير صديق حسن خان بهوبالي عام 1851. وقد ارتقى أسلوب رحلات الحج الهندية بالتدريج حتى وصل إلى مرحلة أبدع فيها الكاتب أدبا يستحق الاهتمام خاصة إذا كان المؤلف أديبا موهوبا مثل «مولانا عبد الماجد دريا بادي» الذي عبر عن مشاعره وأحاسيسه نحو مكة المكرمة والمدينة المنورة بطريقة تقطر عذوبة، وهو فقيه ومحدث ومفكر وأديب وسياسي.
- أشواق ومشاعر روحانية
ويذكر الكتاب أن «دريا بادي» عرض في رحلته مناسك الحج ووقائعه بالإضافة إلى ما ينتاب الإنسان من عواطف وأحاسيس كما شرح بعض القضايا الفقهية. يقول: «أقلعت الباخرة «أكبر» في الحادية عشرة مساء في يوم الخميس 1929 في شهر مارس (آذار) من ميناء بومباي فيا له من وقت بديع ومتعة حقة عندما تحركت الباخرة، فكيف أصف حركة دقات قلبي؟ إن الشوق إلى زيارة بيت الله يجعل كل مؤمن ومؤمنة سكارى بهذه النشوة ولا يعبأ بأي مشقة أو تعب في سبيل هذا الهدف». وعندما وصل «دريا بادي» إلى مكة المكرمة وبيت الله الحرام وقعت عيناه على الكعبة فيصف هذا المشهد المهيب الذي يراه لأول مرة قائلا: «وظهر لنا المسجد الحرام بحوائطه الأربعة وقد تجاوزنا عدة أبواب من أبوابه حتى وصلنا إلى باب السلام ودلفنا منه حيث يعتقد أنه أفضل أبواب بيت الله الحرام للدخول منه، فما إن يدخل المرء إلى هذه الأرض الطاهرة وهذه البقعة من النور حيث الصلاة الواحدة تعادل فيه مائة ألف صلاة أو على الأقل ألف صلاة. دخلت إليه وعندما وقعت عيناي على ذلك المبنى المغطى بستارة سوداء لم أصدق نفسي ولم تسع السماء فرحتي فهتفت من أعماقي وبصوت عال: بيتنا، فالعين البشرية والبصيرة الإنسانية لا تتحملان حرارة الأنوار والتجليات!».
ويوضح المترجم كيف ظهر عدد كبير من رحلات الحج الهندية بعد عام 1960 وتنوعت أساليبها وموضوعاتها واتجاهاتها، منها رحلة نسيم حجازي «باكستان سي ديار حرم تك» أي «من باكستان إلى ديار الحرم». وكان قد زار مكة المكرمة ضمن وفد رسمي باكستاني ولذلك تتجلى الجوانب السياسية في هذه الرحلة بوضوح، كما تتميز بأسلوب أدبي رفيع لأن نسيم حجازي أديب وروائي وصحافي له مكانة في الأدب الأردي. وقد حفلت الرحلة بمعلومات مهمة عن أسواق مكة والطرق والشوارع وبيت الضيافة الذي أهدته الحكومة السعودية للحكومة الباكستانية في المدينة والاقتصاد والتعليم وتطبيق الشريعة الإسلامية.
ويشير كذلك إلى كتاب الرحلة الحجازية «سفرنامه حجاز» لسلطان داود التي تلقي الضوء على مناسك الحج من منظور تاريخي واجتماعي وديني، وقد اهتمت رحلته بالحالة الاجتماعية للمجتمع المكي والمدني إذ يقول: «أهل مكة طيبون يتوكلون في كل أعمالهم على الله سبحانه وتعالى ولا يعرفون الطمع».
وقد كان للشعر نصيب وافر في رحلات الحج الهندية إلى مكة حيث فاضت قرائح شعراء شبه القارة الهندية بلواعج أشواقهم نحو أم القرى والمدينة المنورة وقبر الرسول والروضة الشريفة. وتعد رحلة الأديب الشاعر ماهر القادري «قافلة الحجاز» من رحلات الحج الشعرية المهمة وقد طبع عام 1955:
«صار الفكر قرينا للخيال
وصار القول مطابقا للعمل بإحسان
لم يعد بين القلب والنظر حجاب».
لقد ظلت مكة المكرمة، كما يضيف المترجم، من أهم مراكز جذب العلماء الهنود بشكل خاص وعلماء العالم الإسلامي من الشرق والغرب على السواء مما جعلها عاصمة للثقافة الإسلامية قديما وحديثا. وقد ضاعف من مكانة مكة الثقافية وريادتها العلمية الموجات المتتالية من الرحلات العلمية التي قام بها علماء من مختلف أنحاء العالم الإسلامي طلبا للعلم والمجاورة لبيت الله الحرام والتي كانت تستغرق سنوات وأحيانا مدى الحياة. وقد ساهم العلماء المجاورون في وجود مثل هذه الظاهرة الفريدة التي انفردت بها مكة دون غيرها من الحواضر الإسلامية حيث بدأت تستقبل أعدادا كبيرة من الهنود مهاجرين ومجاورين مع نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، وكان لهؤلاء دور بارز في الحركة العلمية في مكة عبر العصور بعد أن صاروا جزءا من النسيج الاجتماعي لسكانها من خلال إنشاء المدارس والكتاتيب والتدريس في الحرم وتأليف الكتب، كما أسس الهنود في مكة المكرمة عددا من الكتاتيب لتعليم الأولاد والبنات ومن أهمها كتاب الشيخ أحمد السوركتي الذي أسسه في مستهل القرن الرابع عشر الهجري.
- وقائع الرحلة
وفي الجزء الثاني من الكتاب، تبدأ وقائع «رحلة إلى الحجاز» كما رواها الرحالة المؤلف الأمير أحمد حسين خان عام 1903. يستهل خان روايته بعدد من الوصايا قائلا: «أيها الأصدقاء الأعزاء هذه الرحلة طويلة وغاية في البعد وقد طويت فيها أكثر من ست أو سبعة آلاف ميل ذهابا، وإيابا وتحملت أنواعا من الصعوبات الجمة برية وبحرية لذا عليك أن تؤدي مثل هذه الاستعدادات في الوقت الذي ترحل فيه عن بيتك وكأنك تودع بيتك نهائيا، وكأنك تحافظ على أموالك المنقولة وغير المنقولة بشكل كامل. وعليك أن تؤدي جميع الحقوق لأصحابها وأن تكتب وصيتك وفقا للقانون وتغلفها في مظروف مسجل عليه خاتم مثلما تفعل في الخطابات المسجلة وإيداعها في صندوق الأمانات لدى المسجل أي القاضي.
من المهم أن تثبت عليها توقيعات الورثة، وتكمن الفائدة المرجوة من هذا النوع من الوصية المكتوبة في مظروف ألا يفشي سرا من أسرارك وستجد المظروف كما هو على حاله يرجع إليك بمجرد عودتك. ولو قدر الله ولم تعد فإن الورثة يعملون بموجبها طبقا للتعليمات والأوامر».
وتكشف مذكرات «خان» عن طبيعة السفر وإجراءات حفظ الأمتعة قديما حيث يقول: «ولو ذهبت من جدة عن طريق رابغ مستقلا الباخرة فسوف تتحاشى التعرض للمخاطر وسيكون الوصول آمنا والحاج الذي يسافر بهذا الطريق يدخر نفقات كثيرة. لا تأخذ معك متاعا كثيرا، وضعه أمانة في مكة المكرمة عند حفاظ الأمانات المعروفين، حيث يستطيع هؤلاء السادة إعداد الترتيبات اللازمة للحفاظ عل أمتعتك في جدة والمدينة المنورة».
وتكشف المذكرات عن الاستعدادات الجيدة التي كانت تتخذها سلطات الحج لضمان راحة الحجيج منذ 117 عاما. يقول «خان»: «في يوم الجمعة 23 أكتوبر (تشرين الأول) 1903 وصلنا بأمان وسلام مع أمتعتنا إلى دار الضيافة حيث الغرف تحوي أسرة مريحة للغاية بها الوسائد والحشايا. وكان هناك رجلا أمن في غاية الحكمة والتروي وقد وجدنا جميع سبل الراحة متوفرة فدورات المياه نظيفة والمحلات أمام دار الضيافة تبيعنا ما نحتاجه بأسعار معقولة».


مقالات ذات صلة

السعودية تطلق «الباقة الشاملة» الإلكترونية لخدمة حجاج الخارج

الخليج إطلاق «الباقة الشاملة» يأتي ضمن الاستعدادات المبكرة لموسم الحج المقبل (واس)

السعودية تطلق «الباقة الشاملة» الإلكترونية لخدمة حجاج الخارج

أعلنت وزارة الحج والعمرة في السعودية، الاثنين، إطلاق «الباقة الشاملة» لحجاج الخارج لموسم (1448هـ).

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
الخليج يجمع المؤتمر القيادات وصناع القرار والمختصين لاستعراض الحلول والممارسات وتبادل الخبرات (واس)

خادم الحرمين يرعى «مؤتمر ومعرض الحج 6» نوفمبر المقبل في جدة

يرعى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، النسخة السادسة من «مؤتمر ومعرض الحج» الذي تستضيفه جدة خلال الفترة بين 8 و11 نوفمبر المقبل.

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج الأمير سعود بن مشعل مترئساً اجتماع اللجنة الدائمة للحج والعمرة (واس)

«لجنة الحج» السعودية تناقش المشروعات المستهدفة لخدمة ضيوف الرحمن

ناقشت «اللجنة الدائمة للحج والعمرة» السعودية، في اجتماع موسع، الثلاثاء، خطط وترتيبات الجهات لموسم حج هذا العام، والمشروعات والخدمات الجديدة المستهدف تنفيذها.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
الخليج تعزيز التكامل والتنسيق مع الجهات ذات العلاقة بما يمكّن الحجاج من أداء مناسكهم بيسر وطمأنينة (واس)

السعودية تبدأ التحضير المبكر مع 75 دولة لموسم الحج المقبل

بدأت وزارة الحج والعمرة في السعودية عقد سلسلة من الاجتماعات التحضيرية مع مكاتب شؤون الحجاج في أكثر من 75 دولة حول العالم؛ استعداداً لموسم الحج المقبل (1448هـ).

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
يوميات الشرق تهدف «البوابة» إلى تنظيم عمليات التكامل وتوحيد إجراءاتها ضمن إطار موحد (واس)

«الحج» السعودية تطلق «بوابة رقمية» للتكامل بين الجهات المحلية والدولية

أطلقت وزارة الحج والعمرة السعودية، الأربعاء، «بوابة التكاملات» لتكون حلاً رقمياً موحداً لإدارة وتنسيق التكامل مع الجهات الحكومية والخاصة محلياً ودولياً.

«الشرق الأوسط» (جدة)

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

أياد مدني
أياد مدني
TT

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

أياد مدني
أياد مدني

في كتابه «حكاية سعودية: قراءات ووقفات بحثاً عن الوعي»، لا ينشغل إياد أمين مدني، الصحافي والوزير السعودي السابق، بسرد محطات حياته، بقدر ما يحاول استكشاف الكيفية التي تشكل بها وعيه، والبحث عن معنى انتمائه السعودي والعربي والإسلامي، في عالم تتنازعه الهويات والأفكار ومراكز القوة. إنها سيرة فكرية تتخذ من التجربة الشخصية مدخلاً لمساءلة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية، ومن الذاكرة الفردية وسيلة لفهم أسئلة جيل سعودي عاصر تغيرات كبرى في بلاده والعالم.

الكتاب، الذي صدر أولاً بالإنجليزية بعنوان «A Saudi Tale: Readings and Encounters in Search for Consciousness»، وترجمه إلى العربية الدكتور وليد بليهش العمري، يمثل امتداداً لتجربة مؤلفه الذي تنقل بين الصحافة والعمل العام. فقد تولى رئاسة تحرير «سعودي جازيت»، والإدارة العامة لمؤسسة «عكاظ»، ثم عضوية مجلس الشورى، ووزارتي الحج والثقافة والإعلام، وصولاً إلى الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي.

غير أن هذه المواقع لا تشكل محور الكتاب، وإنما الخلفية التي أتاحت لصاحبه اختبار أفكاره عن المجتمع والدولة والعالم.

من السيرة إلى سؤال الوعي

يبدأ مدني من مفهوم الوعي، الذي لا يختزله في المعرفة أو المواقف الفكرية، بل يراه تكويناً شاملاً يحدد علاقة الإنسان بذاته ومحيطه. ويقول في مقدمته: «يُقال إن الوعي ليس مجرد آراء أو معلومات أو منظومة قيم، بل هو حالة شاملة، تكوين متكامل يصوغ إدراكنا للواقع ويمنحنا رؤية متكاملة للعالم».

ثم يقول: «هذه الصفحات جوهرها حوار مع الذات، عن معنى أن يكون المرء سعودياً، وأن يكون أيضاً عربياً ومسلماً».

ومن هذا المنطلق، يطرح السؤال الذي يحكم مشروعه: «هل بالإمكان أن تتصالح هذه الهويات مع معطيات الحداثة؟ ما الحداثة حقاً؟ وهل يمكن أن توجد حداثات متعددة؟ بل هل أصبحت الحداثة، في ذاتها، مفهوماً متقادماً؟».

ولا يدعي الكاتب امتلاك إجابات نهائية، بل يصف عمله بأنه «جولة تأملية في سيرة فكرية، تقف على منابع الوعي، ومجاريه».

يتوزع الكتاب على خمسة أقسام، تبدأ بـ«مكونات وأطر»، حيث يتناول نشأة الوعي وتجربته الصحافية وبروز النظام العالمي الجديد. ويناقش القسم الثاني: «منظومة مجتمعية مثلى» لقضايا الإرادة العامة والفرد والعلاقات الاجتماعية. ثم ينتقل في «الجنوب العالمي، في أثر الأصالة» إلى أسئلة التحرر والتمييز والهوية، قبل أن يبحث في «الآفاق اللصيقة» الرؤية الإسلامية للعالم ومعضلة العرب والسردية السعودية، وصولاً إلى قسم «الحصيلة».

المدينة المنورة... نقاش الحداثة

من أكثر صفحات الكتاب دلالة استعادة المؤلف أجواء المدينة المنورة في شبابه، حيث كانت النقاشات الفكرية والسياسية تتسع بين طلاب المدارس خلال الستينات ومطلع السبعينات. ويذكر أن مثل هذه النقاشات لم تكن أمراً مستهجناً أو نادراً، بل كانت «جزءاً من الحراك الفكري اليومي».

وهنا يستعيد أسماء مثل محمد حسن عواد وعبد الله القصيمي وأحمد السباعي وحمزة شحاتة وعبد الله عبد الجبار، بوصفهم من رموز ذلك الحراك. ويتوقف عند كتاب «خواطر مصرحة» للعواد، الذي يرى أنه أسهم في كسر الجمود وفتح الطريق أمام الحداثة، وعند التحولات الفكرية لعبد الله القصيمي، الذي انتقل من الدفاع عن التقليد إلى نقد الموروث والدعوة إلى التحرر من سلطة التاريخ والعقائد الجامدة.

ولم تتوقف اهتمامات الشباب عند الفكر العربي. فقد حضرت الوجودية من خلال جان بول سارتر، وألبير كامو، وسيمون دي بوفوار، إلى جانب دوستويفسكي، وآرثر ميلر، وإميلي برونتي، كما حضرت قضايا القومية والتحرر من الاستعمار والاشتراكية العلمية، وأفكار محمد إقبال، وعلي شريعتي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ومالك بن نبي.

ويستحضر المؤلف صورة من الحياة الثقافية في المدينة، حين كانت أم كلثوم تصل بصوتها عبر الإذاعة المصرية إلى تجمعات الشباب تحت النخيل، في مشهد تتداخل فيه الموسيقى مع القراءة والنقاش.

ولا يبالغ مدني في تصوير نضج تلك التجربة، إذ يعترف بأن النقاشات لم تكن دائماً عميقة، لكنها جاءت ضمن «محاولات دؤوبة لخلق شعور داخلي بفهم الذات، وفي الوقت نفسه الانتماء إلى عالم أوسع، تتقاطع فيه الأفكار والهويات وتتشابك الأسئلة».

وتقدم هذه الشهادة جانباً من تاريخ الثقافة السعودية، يكشف أن أسئلة الحرية والحداثة والهوية كانت حاضرة في أوساط شبابية قبل عقود.معنى أن تكون سعودياً

تحتل الهوية السعودية موقعاً محورياً في الكتاب. ويرفض مدني اختزال السعوديين في هويتهم العربية أو الإسلامية وحدها، داعياً إلى فهم خصوصية تجربتهم التاريخية والثقافية، «لا بوصف السعوديين مجرد مسلمين أو عرب، بل بوصفهم سعوديين بهويتهم المتفردة وتجربتهم الخاصة».

ويشير إلى أن السعوديين لم يخضعوا للاستعمار الغربي، لكنهم لم يكونوا بمعزل عن تأثيراته الثقافية والمعرفية. ولذلك لا يرى أن مواجهة الصور النمطية تتحقق بالرفض، وإنما بامتلاك المعرفة وأدوات البحث والتطوير، والقدرة على إنتاج تصور مستقل للتقدم.

يقول: «ليست الهُويّة السعودية محض قشرة تحمل قيماً دخيلة، كما أنّ السعوديين لم يخضعوا يوماً لاستعمار أو استعباد الرجل الأبيض. ومع هذا، لا ينكر وجود صراع، صراع مع غرب يُعد متفوقاً. وتفوقه هذا لا ينبع من الهيمنة العسكرية فحسب، بل من امتلاكه لأدوات المعرفة والتقنية والخبرة، ومن قدرته عبر البحث والتطوير والإعلام الجماهيري العابر للحدود، على فرض تصور معياري للنجاح، وتبني أنماطه الثقافية» (ص 39).

ويطرح سؤالاً: «وإذا لم يعِ السعوديون معنى (سعوديتهم)، فكيف يمكن لهم أن يعرّفوا شعورهم بالانتماء؟ وكيف يصيغون إدراكهم لهوية وطنية مدنية متفردة؟».

وهنا ينتقل الكتاب من نقد نظرة الآخرين إلى السعوديين، إلى مساءلة الطريقة التي يفهم بها السعوديون أنفسهم، ومدى قدرتهم على صياغة سرديتهم الوطنية.

سيرة فكرية تتخذ من التجربة الشخصية مدخلاً لمساءلة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية

الهوية والسرديات المهيمنة

يمتد البحث عن الهوية إلى الانتماءين الإسلامي والعربي. ففي الأول، يميز المؤلف بين الإسلام بوصفه تجربة إيمانية وحضارية، وبين توظيف الدين لتبرير الهيمنة والعنف. ويناقش ظاهرة «الإسلاموفوبيا»، التي اختزلت الإسلام في التطرف وأغفلت إسهاماته الفكرية والحضارية.

أما في هويته العربية، فيستحضر أثر الاستعمار والروايات الغربية عن التاريخ العربي، ويناقش الرواية الصهيونية للتاريخ الفلسطيني، بوصفها أحد مظاهر الصراع على الذاكرة والهوية.

ويضع مدني هذه الأسئلة ضمن نقد أوسع للسردية الغربية التي تجمع الليبرالية والديمقراطية والرأسمالية والفردانية في نموذج واحد للتقدم، متسائلاً عن قدرة المجتمعات خارج الغرب على إنتاج رؤيتها الخاصة دون الانغلاق أو التبعية.

الحصيلة... مراجعة المسلمات

في خاتمة الكتاب، يعود مدني إلى السؤال الذي انطلق منه: كيف يتشكل الوعي؟ وما علاقة الفرد بمجتمعه والعالم؟

ويؤكد أن الحقوق الإنسانية ليست امتيازاً ثقافياً غربياً، قائلاً: «كانت قناعة أساسية لا تبرحني بأن مبدأ امتلاك كل إنسان لحقوق أساسية ليست حكراً على الثقافة الغربية».

كما يرفض الانغلاق بوصفه وسيلة لحماية الهوية، مؤكداً أن المملكة «لا يمكن أن تغلق أبوابها وتكتفي على ذاتها أو أن تنعزل عن العالم الخارجي».

وتبدو خلاصة تجربته أقرب إلى الدعوة إلى هوية واعية بذاتها، لا تتخلى عن جذورها، ولا تجعل منها عائقاً أمام التقدم. هوية تقبل الحوار وتراجع المسلمات، وتمنح الفرد حق المشاركة في تشكيل مستقبله.

وتكمن أهمية «حكاية سعودية» في أنه لا يقدم الهوية بوصفها إجابة مكتملة، وإنما سؤالاً يستدعي المراجعة. كما يقدم شهادة عن جيل سعودي عاش التحولات الكبرى، وحاول أن يفهم موقعه فيها.

ومن هذه الزاوية، فإن الكتاب ليس حكاية رجل فحسب، بل قراءة في تشكل الوعي السعودي، وفي العلاقة بين الخصوصية الوطنية والانتماء الإنساني، وبين الذاكرة والحداثة، وبين ما ورثه الإنسان من أفكار وما يختار أن يكون عليه.


الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي
TT

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

هل يمكن لمكالمة هاتفية واحدة أن تريح قلباً محطماً يعتصره الألم، وتسحقه مشاعر الذنب؟... تطرح الكاتبة الكورية لي سو يون هذا التساؤل على قرائها في روايتها «هاتف الوداعات الأخيرة» التي تصدرت قوائم «الأكثر مبيعاً»، وصدرت ترجمتها إلى العربية عن دار «الكرمة» بالقاهرة، بتوقيع محمد نجيب.

تتمتع الرواية بلغة شديدة الرهافة، وحوارات مثيرة للشجن، ومشاهد تمزج بين الواقع والفانتازيا، وتدور درامياً حول الموت، والفقد، ولماذا لا نعرف قيمة من نحب إلا بعد أن يرحلوا عنا، وكيف نتعايش مع موجات الندم التي تلاحقنا بعد الرحيل، لكن النص يقطع شوطاً أبعد ليسأل: ماذا يمكن أن يقال إذا أتيحت لنا فرصة أخيرة لنلقاهم بعد رحيلهم؟

تدور الحبكة حول فكرة غريبة ومؤثرة تتمثل في مقصورة هاتف عمومي غامض يتيح للأحياء فرصة التواصل مع أحبائهم الذين رحلوا، والبداية تنطلق في الحكاية مع جي - آن، التي فقدت والدها في طفولتها، وظلت تحمل في داخلها أسئلة كثيرة عن رحيله.

وعندما تعثر على الهاتف، تتمكن للمرة الأولى من سماع صوته، في تجربة تهز عالمها، وتدفعها إلى البحث عن سر المقصورة، ومساعدة أشخاص آخرين يعيشون ألم الفقد، يساعدها في ذلك أنها تعمل بمركز متخصص في «التشريح النفسي»، حيث يسعى إلى فهم الظروف النفسية والاجتماعية التي أحاطت بأشخاص أنهوا حياتهم، خصوصاً حالات الانتحار.

ومن خلال عملها يتقاطع مصيرها مع ستة أشخاص، يحمل كل منهم قصة فقد مختلفة لشخص عزيز، وأسئلة لم يجدوا لها إجابات، ومشاعر من الذنب، والندم، والغضب، والحيرة، عبر مشاهد تجمع بين أجواء الأدب النفسي ودراما المشاعر المؤثرة، حتى تتحول المقصورة تدريجياً إلى رمز للوداع الأخير.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في زمن كانت أعمدة الإنارة لا تزال نادرة، بدا الحي في النهار مشرقاً بفضل الجداريات التي رُسمت بحجة تطوير المنطقة، ولكن حين يُسدل الليل ستاره كانت تلك الرسوم تتحول إلى أشكال باهتة تشبه سراباً، أو حيوانات غامضة، فتزيد المكان عزلة، ووحشة.

في هذا الحي كان جي - وو يربي طفليه، وكان قلقه يزداد، لأن ابنته جي - آن تصر على الخروج، وانتظاره في كل مساء، فتاة في الرابعة عشرة من عمرها أنهت لتوها المرحلة الابتدائية، ذات وجه شاحب، وابتسامتها تتسع كلما رأت ملامح والدها، فيتوهج وجهها أكثر من ضوء النهار، ولأجل تلك الابتسامة كانت خطوات جي - وو تتسارع كلما تأخر في العودة إلى المنزل.

أبي!

كانت جي - آن تنتظره دائماً في المكان نفسه أمام مقصورة هاتف عمومي يقع في زاوية زقاق مظلم يعلوه مصباح صغير نُصب خصيصاً لمستخدمي مقصورة الهاتف، وتحت الضوء الباهت كانت ابنته تبتسم ببراءة صافية كلما رأته يقترب. وحين اقترب أسرع الخطى حتى لم تعد تفصله عنها سوى لمسة يد، فخشي أن تفلت من بين يديه كما يفلت الحُلم».


الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع
TT

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

أصدر قسم النشر بالجامعة الأميركية بالقاهرة كتاباً جديداً باللغة الإنجليزية بعنوان «تجارة الأحلام: قرن من الإعلانات المطبوعة في مصر» للباحثة ومصممة الجرافيك الدكتورة بهية شهاب، مؤسسة برنامج التصميم الغرافيكي بالجامعة.

تقوم فكرة الكتاب على استخدام الإعلانات التجارية عبر 100 عام بوصفها أداة مسكوتاً عنها من أدوات كتابة التاريخ الشعبي، غير الرسمي، بما فيه من جوانب مجتمعية واقتصادية وسياسية وثقافية، فالإعلانات تقدم رؤية شيقة وغير تقليدية لتطور المجتمعات على مستويات مختلفة.

ويستند الكتاب إلى أكثر من 350 إعلاناً منشوراً في الصحف والمجلات المصرية في الفترة من 1880 إلى 1980، حيث يكشف عن كيف عكست الأفكار الترويجية ملامح مجتمع كان يتغير باستمرار، وفي الوقت نفسه أسهمت في تشكيل أفكاره وتطلعاته.

واعتمدت المؤلفة في إعداد العمل على بحث أرشيفي واسع شمل آلاف الإعلانات المحفوظة في مكتبة الكتب النادرة والمجموعات الخاصة بالجامعة، انطلاقاً من رغبتها في أن يفهم أبناء الجيل الجديد تطور مجتمعهم من زاوية تاريخية مختلفة تتسم بالحيوية والطرافة.

يرصد الكتاب رحلة الإعلان المصري عبر خمس مراحل رئيسية، تبدأ بما قبل عام 1920، حين لعبت الصحف والمطبوعات المختلفة دوراً في وضع الأسس الأولى لصناعة الإعلان في مصر، ثم ينتقل إلى عشرينات وثلاثينات القرن العشرين، وهي الفترة التي شهدت ازدهاراً ملحوظاً في حركة النشر، وانعكس ذلك بصورة واضحة على شكل الإعلانات ومضامينها.

وفي أربعينات القرن العشرين، توقفت المؤلفة أمام مرحلة «التمصير»، وما صاحبها من تغير في الطريقة التي قدمت بها الإعلانات، وشيوع مفاهيم مثل الرفاهية والترفيه والصحة والنظافة، ثم تأتي ثورة 1952 لتحدث تحولاً عميقاً في المشهد الاقتصادي والصناعي، خاصة مع سياسات التأميم والتوسع في الصناعات المملوكة للدولة، وهو ما ترك أثره بدوره على سوق الإعلان والرسائل التي يقدمها.

ومع السبعينات، دخلت مصر مرحلة مختلفة مع الاتجاه نحو اقتصاد السوق والانفتاح، فتبدلت طبيعة المنتجات المطروحة في السوق، وظهرت معها تطلعات ورغبات جديدة لدى الناس وأنماط مختلفة للحياة والاستهلاك، قبل أن يصل البحث إلى الثمانينات، متابعاً التحول الذي أحدثه انتشار الإعلان التلفزيوني، وكيف بدأ هذا الوافد الجديد في تغيير موقع الإعلان المطبوع وطريقة حضوره وتأثيره.

واللافت أن قراءة الإعلانات المصرية على امتداد مائة عام لم تكن وسيلة للتعرف على المنتجات التي كانت رائجة في كل فترة زمنية فحسب، وإنما كشفت أيضاً عن الكثير من ملامح الحياة السياسية والاجتماعية في تلك الفترات.

وعلى سبيل المثال، في الخمسينات والستينات حضر جمال عبد الناصر بقوة في الإعلانات، سواء من خلال إعلانات التهنئة والدعم، أو تلك التي روجت لأفكار المرحلة وتوجهاتها، إلى جانب الإعلان عن المنتجات نفسها، كما برز في الوقت ذاته الاهتمام المتزايد بالصناعات الوطنية، مع انتشار الإعلانات التي تروج للمنتجات المصرية.

ومع تغير المرحلة السياسية، ظهر أنور السادات أيضاً في سياقات إعلانية تعكس طبيعة الحقبة وتوجهاتها الجديدة من حيث الانفتاح على الغرب والولايات المتحدة، كما سبق أن ظهرت صور زعماء سياسيين مثل سعد زغلول ومصطفى النحاس باشا في إعلانات لبعض المنتجات الوطنية في مرحلة ما قبل عبد الناصر وثورة يوليو (تموز).