مكة... ملتقى الثقافات عبر العصور

كتاب عن تجليات الحج يتناول مكانتها في أدب الرحلة الهندي

مكة المكرمة كما بدت أمس (أ.ب)
مكة المكرمة كما بدت أمس (أ.ب)
TT

مكة... ملتقى الثقافات عبر العصور

مكة المكرمة كما بدت أمس (أ.ب)
مكة المكرمة كما بدت أمس (أ.ب)

لعبت مكة دورا مهما في أدب الرحلة على مر العصور، وشكلت بؤرة لالتقاء عديد من الثقافات شرقا وغربا، حتى أصبحت «أم القرى» مرفأ للطمأنينة والسلام. عن هذا الدور وأهميته وخصوصيته يأتي كتاب «رحلة إلى الحجاز ومصر» الصادر في القاهرة عن المركز القومي للترجمة للأمير أحمد حسين خان، وترجمه للعربية الباحث جلال السعيد الحفناوي.
يتكون الكتاب من جزأين، في الجزء الأول يقدم المترجم بحثا تاريخيا مسهبا، بينما تم تخصيص الجزء الثاني القصير لرصد وقائع رحلة الحج المقتضبة كما عاشها ورواها «خان» في بدايات القرن العشرين.
يشير الحفناوي إلى أن زيارة الحرم الشريف من العوامل المهمة التي مهدت الطريق لظهور رحلات الحج الهندية في الأدب الأردي في القرنين التاسع عشر والعشرين، وتعددت هذه الرحلات حتى بلغت المئات، وكتبت باللغتين الفارسية والأردية. وقد ظهرت دراسات عديدة في الآداب الإسلامية أكدت انفراد اللغة الأردية بهذا الكم الهائل من الرحلات إلى مكة المكرمة حيث كتب الرحالة الهنود رحلاتهم باللغة الأردية وعبروا فيها عن مشاعرهم الجارفة نحو هذه البقاع المقدسة واهتموا برواية التفاصيل الدقيقة عن تاريخ مكة المكرمة، والعادات والتقاليد والمناسك والطرق والجغرافيا والتركيبة السكانية، وكذلك الجوانب السياسية والاجتماعية والروحية، كما صوروا حلقات الدرس في الحرمين الشريفين والمهاجرين والمجاورين من العلماء من شتى بقاع العالم الإسلامي بشكل عام وعلماء الهند بشكل خاص.
ويوضح الكتاب أنه نتيجة لذلك ظهر في الأدب الأردي فرع خاص بالرحلة إلى الحرمين الشريفين يسمى «أدب الرحلات الحجازية»، ومنها رحلة الشيخ عبد الحق محدث الدهلوي المعروفة باسم «جذب القلوب إلى ديار المحبوب» عام 1589 والتي تعد من أقدم رحلات الحج الهندية التي كتبت باللغة الفارسية في شبه القارة الهندية وقام محمد شفيع مراد آبادي بترجمتها إلى الأردية بعنوان «ديار حبيب».
وبحسب المترجم، كُتبت رحلات الحج الأولى باللغة الفارسية لغة العلم والأدب آنذاك ولغة الحكام المسلمين في الهند، وكان العامة والخاصة يفهمونها بسهولة حيث ظلت اللغة الرسمية في الهند إلى أن سيطر الإنجليز على الحكم هناك فشجعوا اللغة الأردية خاصة عندما أنشأوا كلية «فورت وليم» في كلكتا عام 1800. وكانت أول رحلة باللغة الأردية هي رحلة «الصديق إلى بيت الله العتيق» وكتبها الأمير صديق حسن خان بهوبالي عام 1851. وقد ارتقى أسلوب رحلات الحج الهندية بالتدريج حتى وصل إلى مرحلة أبدع فيها الكاتب أدبا يستحق الاهتمام خاصة إذا كان المؤلف أديبا موهوبا مثل «مولانا عبد الماجد دريا بادي» الذي عبر عن مشاعره وأحاسيسه نحو مكة المكرمة والمدينة المنورة بطريقة تقطر عذوبة، وهو فقيه ومحدث ومفكر وأديب وسياسي.
- أشواق ومشاعر روحانية
ويذكر الكتاب أن «دريا بادي» عرض في رحلته مناسك الحج ووقائعه بالإضافة إلى ما ينتاب الإنسان من عواطف وأحاسيس كما شرح بعض القضايا الفقهية. يقول: «أقلعت الباخرة «أكبر» في الحادية عشرة مساء في يوم الخميس 1929 في شهر مارس (آذار) من ميناء بومباي فيا له من وقت بديع ومتعة حقة عندما تحركت الباخرة، فكيف أصف حركة دقات قلبي؟ إن الشوق إلى زيارة بيت الله يجعل كل مؤمن ومؤمنة سكارى بهذه النشوة ولا يعبأ بأي مشقة أو تعب في سبيل هذا الهدف». وعندما وصل «دريا بادي» إلى مكة المكرمة وبيت الله الحرام وقعت عيناه على الكعبة فيصف هذا المشهد المهيب الذي يراه لأول مرة قائلا: «وظهر لنا المسجد الحرام بحوائطه الأربعة وقد تجاوزنا عدة أبواب من أبوابه حتى وصلنا إلى باب السلام ودلفنا منه حيث يعتقد أنه أفضل أبواب بيت الله الحرام للدخول منه، فما إن يدخل المرء إلى هذه الأرض الطاهرة وهذه البقعة من النور حيث الصلاة الواحدة تعادل فيه مائة ألف صلاة أو على الأقل ألف صلاة. دخلت إليه وعندما وقعت عيناي على ذلك المبنى المغطى بستارة سوداء لم أصدق نفسي ولم تسع السماء فرحتي فهتفت من أعماقي وبصوت عال: بيتنا، فالعين البشرية والبصيرة الإنسانية لا تتحملان حرارة الأنوار والتجليات!».
ويوضح المترجم كيف ظهر عدد كبير من رحلات الحج الهندية بعد عام 1960 وتنوعت أساليبها وموضوعاتها واتجاهاتها، منها رحلة نسيم حجازي «باكستان سي ديار حرم تك» أي «من باكستان إلى ديار الحرم». وكان قد زار مكة المكرمة ضمن وفد رسمي باكستاني ولذلك تتجلى الجوانب السياسية في هذه الرحلة بوضوح، كما تتميز بأسلوب أدبي رفيع لأن نسيم حجازي أديب وروائي وصحافي له مكانة في الأدب الأردي. وقد حفلت الرحلة بمعلومات مهمة عن أسواق مكة والطرق والشوارع وبيت الضيافة الذي أهدته الحكومة السعودية للحكومة الباكستانية في المدينة والاقتصاد والتعليم وتطبيق الشريعة الإسلامية.
ويشير كذلك إلى كتاب الرحلة الحجازية «سفرنامه حجاز» لسلطان داود التي تلقي الضوء على مناسك الحج من منظور تاريخي واجتماعي وديني، وقد اهتمت رحلته بالحالة الاجتماعية للمجتمع المكي والمدني إذ يقول: «أهل مكة طيبون يتوكلون في كل أعمالهم على الله سبحانه وتعالى ولا يعرفون الطمع».
وقد كان للشعر نصيب وافر في رحلات الحج الهندية إلى مكة حيث فاضت قرائح شعراء شبه القارة الهندية بلواعج أشواقهم نحو أم القرى والمدينة المنورة وقبر الرسول والروضة الشريفة. وتعد رحلة الأديب الشاعر ماهر القادري «قافلة الحجاز» من رحلات الحج الشعرية المهمة وقد طبع عام 1955:
«صار الفكر قرينا للخيال
وصار القول مطابقا للعمل بإحسان
لم يعد بين القلب والنظر حجاب».
لقد ظلت مكة المكرمة، كما يضيف المترجم، من أهم مراكز جذب العلماء الهنود بشكل خاص وعلماء العالم الإسلامي من الشرق والغرب على السواء مما جعلها عاصمة للثقافة الإسلامية قديما وحديثا. وقد ضاعف من مكانة مكة الثقافية وريادتها العلمية الموجات المتتالية من الرحلات العلمية التي قام بها علماء من مختلف أنحاء العالم الإسلامي طلبا للعلم والمجاورة لبيت الله الحرام والتي كانت تستغرق سنوات وأحيانا مدى الحياة. وقد ساهم العلماء المجاورون في وجود مثل هذه الظاهرة الفريدة التي انفردت بها مكة دون غيرها من الحواضر الإسلامية حيث بدأت تستقبل أعدادا كبيرة من الهنود مهاجرين ومجاورين مع نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، وكان لهؤلاء دور بارز في الحركة العلمية في مكة عبر العصور بعد أن صاروا جزءا من النسيج الاجتماعي لسكانها من خلال إنشاء المدارس والكتاتيب والتدريس في الحرم وتأليف الكتب، كما أسس الهنود في مكة المكرمة عددا من الكتاتيب لتعليم الأولاد والبنات ومن أهمها كتاب الشيخ أحمد السوركتي الذي أسسه في مستهل القرن الرابع عشر الهجري.
- وقائع الرحلة
وفي الجزء الثاني من الكتاب، تبدأ وقائع «رحلة إلى الحجاز» كما رواها الرحالة المؤلف الأمير أحمد حسين خان عام 1903. يستهل خان روايته بعدد من الوصايا قائلا: «أيها الأصدقاء الأعزاء هذه الرحلة طويلة وغاية في البعد وقد طويت فيها أكثر من ست أو سبعة آلاف ميل ذهابا، وإيابا وتحملت أنواعا من الصعوبات الجمة برية وبحرية لذا عليك أن تؤدي مثل هذه الاستعدادات في الوقت الذي ترحل فيه عن بيتك وكأنك تودع بيتك نهائيا، وكأنك تحافظ على أموالك المنقولة وغير المنقولة بشكل كامل. وعليك أن تؤدي جميع الحقوق لأصحابها وأن تكتب وصيتك وفقا للقانون وتغلفها في مظروف مسجل عليه خاتم مثلما تفعل في الخطابات المسجلة وإيداعها في صندوق الأمانات لدى المسجل أي القاضي.
من المهم أن تثبت عليها توقيعات الورثة، وتكمن الفائدة المرجوة من هذا النوع من الوصية المكتوبة في مظروف ألا يفشي سرا من أسرارك وستجد المظروف كما هو على حاله يرجع إليك بمجرد عودتك. ولو قدر الله ولم تعد فإن الورثة يعملون بموجبها طبقا للتعليمات والأوامر».
وتكشف مذكرات «خان» عن طبيعة السفر وإجراءات حفظ الأمتعة قديما حيث يقول: «ولو ذهبت من جدة عن طريق رابغ مستقلا الباخرة فسوف تتحاشى التعرض للمخاطر وسيكون الوصول آمنا والحاج الذي يسافر بهذا الطريق يدخر نفقات كثيرة. لا تأخذ معك متاعا كثيرا، وضعه أمانة في مكة المكرمة عند حفاظ الأمانات المعروفين، حيث يستطيع هؤلاء السادة إعداد الترتيبات اللازمة للحفاظ عل أمتعتك في جدة والمدينة المنورة».
وتكشف المذكرات عن الاستعدادات الجيدة التي كانت تتخذها سلطات الحج لضمان راحة الحجيج منذ 117 عاما. يقول «خان»: «في يوم الجمعة 23 أكتوبر (تشرين الأول) 1903 وصلنا بأمان وسلام مع أمتعتنا إلى دار الضيافة حيث الغرف تحوي أسرة مريحة للغاية بها الوسائد والحشايا. وكان هناك رجلا أمن في غاية الحكمة والتروي وقد وجدنا جميع سبل الراحة متوفرة فدورات المياه نظيفة والمحلات أمام دار الضيافة تبيعنا ما نحتاجه بأسعار معقولة».


مقالات ذات صلة

ملاحقة مصرية مستمرة لـ«شركات الحج الوهمية»

شمال افريقيا معتمرون مصريون يتأهبون لرحلة جوية لأداء المناسك (وزارة السياحة المصرية)

ملاحقة مصرية مستمرة لـ«شركات الحج الوهمية»

تلاحق الداخلية المصرية «شركات الحج والعمرة الوهمية» في حين أكدت وزارة السياحة على أهمية الالتزام الكامل بحصول حجاج السياحة على «شهادة الاستطاعة الصحية»

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
يوميات الشرق 6 حكايات متنوّعة من قلب المشاعر المقدَّسة (لقطة من الفيلم)

«المدّ البشري»... فيلم يُوثّق رحلة الحج عبر حكايات 6 عائلات من العالم

تتكشَّف قصص ممزوجة بالخوف، والشوق، والأمل، والفقد، ليظهر مفهوم الحج بأبعاد جديدة، في رحلة تتحرّك بالروح قبل القدم...

سعيد الأبيض (جدة)
يوميات الشرق هيثم مساوا يُقدّم ورشة عمل بعنوان «التحدّيات الصحية في المنافذ الجوّية» (الشرق الأوسط)

جدة تحتضن «هاكاثون الابتكار الصحي» للارتقاء بخدمات ضيوف الرحمن

يستعرض الهاكاثون 4 مسارات رئيسية. تشمل المنتجات الصحية، والخدمات الصحية، وتجربة المريض، والإعلام الصحي...

أسماء الغابري (جدة)
الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (واس)

ولي العهد السعودي يتلقى رسالة من الرئيس الإيراني

تلقى الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، رسالة خطية، من الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق 
قبو زمزم يظهر في صحن المطاف عام 1970 (دارة الملك عبد العزيز)

تطوّر الحج في معرض بـ«دارة الملك عبد العزيز»

يروي معرض «100 عام من العناية بالحرمين»، في دارة الملك عبد العزيز، تطور رحلة الحج منذ عام 1925 حتى اليوم، مِن وقت المشقة إلى تجربة آمنة وروحانية، عبر سرد بصري.

أسماء الغابري (جدة)

هل مات الناقد الأدبي؟

هل مات الناقد الأدبي؟
TT

هل مات الناقد الأدبي؟

هل مات الناقد الأدبي؟

قرأنا كثيراً عن ميتات متعدّدة في تاريخ الفكر، وبالتخصيص في تاريخ الممارسة الأدبيّة؛ لكنّي أحسبُ أنّ موت الناقد الأدبي هي الميتة الأكثر تحقّقاً في عصرنا. هذه الميتة الناجزة تملك مسوّغاتها الكاملة، وليست محض تمنّيات منشودة أو رغبات متفلّتة. ربّما الكياسةُ وحدها هي التي دفعتني لأن أجعل العنوان بصيغة تساؤل يحتملُ التشكيك. أنا من جانبي لا أميلُ للتشكيك، بل لتعضيد فكرة موت الناقد الأدبي.

ربّما في دوائر صناعة الأدب الغربية بات واضحاً أنّ الناقد الأدبي مات، وإن لم يُصرّحْ بهذه الحقيقة، مثلما جرى التصريح بموت المؤلّف. المعضلة تكمنُ فينا؛ فالنقد الأدبي، كما يُمارَسُ في شكله التقليدي، ما زال يقاتِلُ من أجل الاحتفاظ بهالته السلطوية، كأنّما الزمن لم يتزحزحْ عن ستينات وسبعينات القرن الماضي، وكأنّما القرّاء لم يصبحوا شركاء كاملين في إنتاج المعنى، وكأنّما النصوص لم تتفلّتْ منذ زمن بعيد من يد الكاهن الذي يحتكرُ قراءتها وتفسيرها.

تقوم فكرةُ مداخلتي هذه على دحض القناعة الراسخة بأنّ الناقد الأدبي يمتلك سلطة مرجعية تُخوّلُهُ تحديد ما يُعدّ أدباً جيداً وما ليس كذلك. تلقّى القارئ العربيُّ، لعقود طويلة، خطاباً نقدياً يجعل من الناقد الأدبي حارساً للهيبة الأدبية، يستدعي معايير قديمة، ويُصدِرُ الأحكام، ويتصرّف كما لو أنّ ذائقته محمولةٌ على يقين معرفي لا يتزعزع. هذا الخطاب، إذا ما تعهّدناه بما يكفي من المُدارسة والتنقيب المعرفي، سننتهي إلى وضع اليد على هشاشته المؤكّدة؛ إذ يقوم على افتراضٍ غير معلن جوهرُهُ أنّ الناقد يمتلك موقعاً معرفياً أرفع من موقع القارئ العادي. هذا الافتراض ربما كان له شيءٌ من مقبولية في أزمان سابقة؛ لكنّه لم يَعُد اليوم مقبولاً في زمن انفجرت فيه سلطة المعنى، وتنوعّت فيه أشكال القراءة بذات المقادير التي تباينت فيها هذه الأشكال، وتراجع فيه مركز النص لصالح محيطه الذي غُيّبَ طويلاً.

يمكنُ عدّ الناقد الأدبي قارئاً بصوتٍ أعلى من القارئ العادي، وهذا الصوت العالي جاء من تمكين وسائل النشر وسلطة الذيوع الأكاديمي أو الصحافي. سيكون أمراً مشروعاً أن نتساءل: ما الذي يميّز الناقد الأدبي ويمنحُهُ عُلْوية ثقافية فوق القارئ؟ هل يمتلك أدوات قراءة تتمنّعُ عن أيُّ قارئ شغوف لا يحيدُ عن موارد الرصانة الفكرية؟ هل يحتكر الناقد الأدبيُّ مسافة من الفهم لا تُنالُ إلّا عبر طقسٍ سري؟ الجواب ببساطة: لا. الناقد الأدبيّ، مهما امتلك من معرفة، ليس سوى قارئ يشكّلُ رأيه تبعاً لمرجعياته الثقافية، وتربيته الجمالية، وميوله الشخصية، ومواقفه الآيديولوجية. رأيُ الناقد الأدبيّ ليس «حقيقة مكتشفة» بل «موقف مُنتَج أو مصنوع»، وإذا كان كذلك فلماذا نمنحه سلطة غير مسوّغة ليكون رقيباً ومبشّراً ونذيراً؟

القراءةُ ليست حقلاً يمكن لأحد أن يحتكر فيه «الصواب»، وكلّ محاولة لإضفاء صفة المرجعية المطلقة على الناقد الأدبيّ ليست سوى محاولة لإعادة إنتاج سلطة المثقف التقليدي، ذلك الذي كان يتكلّم باسم الآخرين، ويُفكّر نيابة عنهم، ويصادرُ الحقّ الطبيعي للقُرّاء في أن يفهموا النصوص برُؤاهم الخاصة.

*****

يموت الناقد الأدبي اليوم لأنّ شروط وجوده القديمة تفسّخت: تغيّرت الوسائط، وتغيّرت طرق تلقّي الأدب، وتحوّلت القراءة من نشاط نخبوي ضيّق إلى ممارسة يومية واسعة. منصّات التواصل الاجتماعي وحدها كفيلةٌ بخلخلة سلطة ناقد أدبي كان يُحسَبُ كلامُهُ كأنّه «القول الفصل». اليوم، منشورٌ على منصّة تواصل اجتماعي قد يوجّهُ دفّة الاهتمام الأدبي أكثر مما يفعله مقالٌ نقدي مطوّل في مجلة ثقافية. هذه حقيقة لا يصحّ، ولن نستطيع، أن نتغافلها.

يموت الناقد الأدبي أيضاً لأنّ النصوص ذاتها تغيّرت: لم تعُدْ تُنتَجُ لتُقرأ بعينٍ واحدة بل بعيون كلّ قارئ. الأدب المعاصر -وبخاصّة في عصر السرد المتشظّي إلى ألوان أدائية عصية على التوصيف الدقيق- لم يَعُدْ يحتمل قارئاً واحداً يقرّر معناه تحت سلطة النقد الأدبي؛ بل يفرض تعدّدَ القراءات، وتفكّكَ سلطة المؤلّف، و«ديمقراطية التأويل». لك -إنْ شئت- أن تنفر من هذا الوضع وأن لا تطيقه؛ لكن لن يفيدك نفورُك في تغيير مسار العجلة.

من المثير تاريخياً أن نشير إلى حقيقة مغيّبة: حين أعلن رولان بارت موت المؤلف، كان يُشير إلى تفكّك سلطة المؤلّف المركزية داخل النص: سلطة المعنى. الجيل النقدي القديم قاوم هذه الفكرة بشراسة، لا لأنّه كان متيّماً بعشق المؤلّف؛ بل لأنّه أدرك -وإنْ من غير تصريح- أنّ موت المؤلف يعني أيضاً تخلخل أساس سلطته؛ فالناقد الأدبي الذي كان يستند في قراءته إلى سلطة المؤلف واعتباره خالقاً مركزياً للنص، وجد نفسه (أعني الناقد الأدبي) ليس أكثر من قارئ آخر، لا يحقّ له ادعاءُ امتلاك الحقيقة، بل تقديم قراءة من بين أعداد هائلة من القراءات الممكنة. هنا صار الناقد الأدبي أسير مساءلة مُرْهِقَة: كيف يمكن للناقد الأدبي أن يمضي في تعزيز سلطته وهو يفقد الموقع الاعتباري الذي يُشرعنُ وجودَهُ؟ وإذا كان المؤلف -بهيبته ورمزيته- قد مات؛ فكيف يظلُّ حيّاً مَن كان يتحدّث باسمه أو يتربّع على عرش تأويله أو يدور في مدارات صنائعه الإبداعيّة؟

موتُ الناقد الأدبيّ ليس ظاهرة منفردة مستقلّة؛ بل هو الوجه الآخر المتعشّقُ عضوياً مع موت المؤلّف، وكلاهما جزء من حركة ثقافية واسعة تُعيدُ تعريف السلطة داخل النص الأدبي. النصّ لم يَعُدْ «موقعاً يُدارُ من الأعلى»، بل «فضاءٌ مفتوحٌ يشارك في تشكيله القرّاء».

هل يعني موت الناقد الأدبي انتصار الرثاثة؟ سيدافع كثيرٌ من النُقّاد عن حصونهم، وهذا أمر متوقّع. سيدبّجون المقالات، ويُحاضرون، ويُسفّهون فكرة موتهم، وسيعتبرونها جزءاً من «انحطاط الذائقة العامّة». أعرف هذا تماماً. سيتحدّثون عن الفوضى، والانهيار، وسقوط المعايير؛ لكنّما العجلة دارت، وما مِنْ سبيلٍ لإيقافها. يبدو أمراً محتّماً أنّ الناقد الأدبيّ التقليدي يشرع في مقاربته الدفاعية من مواضعة، يراها راسخة، مفادُها أنّه كان دوماً المدافع الشرس عن الجودة الأدبية. التاريخ الأدبيّ مليء بالنقّاد الذين احتفوا بأعمال متواضعة وحاربوا نصوصاً عظيمة. هل آتي بأمثلة: الرفض النقدي الطويل لكافكا، واستقبال بودلير العاصف، والهجوم العنيف على نيتشه، والسخرية من شعراء الحداثة العرب في بداياتهم. ثمّ دارت الأيام دورتها وأعيد تقييمُ كلّ شيء.

لم يكن الناقد حارساً للجودة الأدبيّة، بقدر ما كان حارساً لذائقته الخاصة ولذيوع سطوته في الحلقات الثقافية. موت الناقد الأدبي لا يعني موت الذائقة، بل تحريرها. لا يعني سقوط معايير الجودة، بل تعدّدها. لا يعني شيوع الرثاثة، بل إزاحة الحاجز الذي كان يشكّلُ حائط صدّ أمام القرّاء يردعهم عن إثبات جدارتهم.

في هذا السياق، يمكن الإشارة إلى كتاب «The Death of the Critic» للكاتب البريطاني رونان ماكدونالد (Ronan McDonald)، وهو عمل حديث نسبيّاً، نُشِر عام 2007، وتُرجِمَ إلى العربية عام 2014. هذا الكتاب أعاد بقوة طرح السؤال حول جدوى النقد الأدبي التقليدي.

يرى ماكدونالد أنّ سلطة الناقد تتآكل في ظلّ تعدّد الأصوات الثقافية وتحوّل القرّاء إلى مستهلكين/ منتجين للمعنى، وهو ما ينسجم تماماً مع واقعنا العربي والعالمي اليوم.

فضلاً عن ذلك يقدّمُ ماكدونالد في كتابه هذا قراءة عميقة لتحوّلات المؤسسة النقدية الأدبية في العصر الحديث، موضحاً كيف تراجعت سلطة الناقد التقليدي لصالح أصوات القرّاء، ووسائط الإعلام الجديدة، والمنصّات الرقمية التي منحت الجميع حقّ التعبير عن رأيهم في النصوص الأدبية. يرى ماكدونالد أنّ النقد لم يَمُتْ بوصفه ممارسة فكرية؛ بل ماتت سلطته القديمة التي كانت تجعل منه مرجعية أولى للحُكْم على القيمة الأدبية. الكتاب يكشف تعاظم «ديمقراطية القراءة»، ويرصد صعود أشكال جديدة من التلقّي تُقصي الناقد الأدبي الكلاسيكي من موقعه الكهنوتي.

*****

المُشْتَغِل الثقافي (Cultural Worker) هو العنوان الأكثر مقبولية وملاءمة لعصرنا من عنوان الناقد الأدبي، ويبدو أكثر تلاؤماً مع تاريخ التطوّر الطبيعي والثقافي. المشتغل الثقافي يتحرّكُ في فضاء أوسع من حدود النص ومرجعياته الجمالية الكلاسيكية، ويمتدُّ في وسائله التشريحية إلى قراءة سياق إنتاج العمل الثقافي، لا الأدبي فحسب، وأنماط تلقّيه، وصِلاتِهِ بالبنى الاجتماعية والسياسية والمعرفية. فضلاً عن ذلك في استطاعة «المشتغل الثقافي» تقديمُ قراءة مركّبة، بعيداً عن مرجعيات سلطوية مفترضة أو متوقّعة، تعيدُ إطلاق حيوية الأدب كتيّار في الثقافة البشرية هو أبعد ما يمكن عن نمط التمارين الأكاديمية المعزولة عن الحراك العالمي في كلّ ألوانه.

ما الذي يبقى بعد موت الناقد الأدبي؟ يبقى القارئ الشغوف، ويبقى النصّ الخلّاق، ويبقى الاشتغال الثقافي الحيوي، ويبقى الحوار المفتوح الذي لا يحتاج رمزيّة كهنوتية سلطوية مغلقة كي تُشَرْعِنَهُ.


لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟

لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟
TT

لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟

لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟

يكشف كتاب «20 خرافة عن التلوث البيئي» الصادر عن دار «العربي» بالقاهرة لثلاثة من علماء الاجتماع والباحثين الكنديين، كيف أن قضية التلوث البيئي هي في جوهرها معركة ثقافية تتعلق بتزييف الوعي العام وخداع الجماهير العريضة عبر «شعارات زائفة وأفكار مغلوطة» تبثها دوائر رأسمالية تستهدف تحقيق أرباح خرافية على حساب سلامة كوكب الأرض وموارده، دون أن تبدو هى في الصورة نهائياً.

ويقول أرنو توريا كلوتييه وفردريك لوغو وآلان سافار في الكتاب، الذي ترجمته أماني مصطفى، إن جميع من في العالم أصبحوا من أصحاب «التوجه الأخضر» بما في ذلك شركتا «كوكاكولا» و«توتال» على نحو يوحي أن البيئة هي «الفطرة السليمة الجديدة» وأننا يجب أن نسعد بهذا، لكن الحقيقة على عكس ذلك.

إن لديهم أسباباً وجيهة للقلق؛ فإذا كان الجميع ذوي توجه أخضر، فكيف نبرر الكارثة البيئية وتوابعها حيث تعاني الإنسانية بالفعل من عنف الاضطرابات المناخية، مثل موجات الحر والجفاف والفيضانات وحرائق الغابات والأعاصير المدمرة؟ البيئة هي ساحة معركة ثقافية بالأساس، ففيها نجد حلفاء حقيقيين ولكننا نجد أيضاً أعداء شرسين، والمدهش أنه حتى المرتزقة، عديمو الرحمة، يتخفون وراء شعارات نبيلة يأتي في مقدمتها اللون الأخضر.

ويوضح العلماء الثلاثة أن البيئة ليست مسألة بسيطة تتعلق بقناعات أخلاقية أو سياسية، كما أنها وقبل كل شيء نتاج القيود الاقتصادية تلك المفروضة على معظمنا للعمل لمصلحة شركة كبيرة ملوثة للبيئة، أو استخدام سيارة للذهاب إلى العمل أو شراء أغذية غير عضوية لأنها أرخص، أو المعاناة من التلوث الناتج عن منجم أو ازدحام السيارات أو الإسراف في استخدام الطاقة لتدفئة المساكن السيئة العزل، بل أيضاً القيود المفروضة على معظم الشركات لخفض التكاليف عن طريق زيادة التلوث وتحقيق الأرباح، والتميز في المنافسة من خلال إغفال هذه القيود وكيفية تطبيقها بلا مساواة، ومن ثم قد ينتهي بنا الأمر إلى الاعتقاد بأننا جميعاً في القارب نفسه. هذا الوهم جميل بقدر ما هو خطير.

إن المصدر الرئيس للأزمة البيئية هو أننا نستهلك كثيراً، فإذا تمكنا من استهلاك ما هو ضروري فقط لتلبية احتياجاتنا واستهلكنا بطريقة أكثر ذكاء فسوف نتمكن من حل الأزمة البيئية. يجري هذا الكلام على لسان الجميع إلى درجة أنه يصعب علينا أحياناً التخلص من الشعور بالذنب إزاء إقدامنا على شراء ملابس جديدة، فهم يودون أن يضعوا كل ثقل خيارات الاستهلاك على عاتق المستهلكين وحدهم كأفراد يتمتعون بسلطة شرائية معينة وليس لكونهم مواطنات ومواطنين يتمتعون أيضاً بسلطة اجتماعية.

ويلفت العلماء إلى أنه في جوهر هذه الحجة تكمن فكرة تفترض أن المستهلك ستكون لديه السلطة والسيادة أو حتى السيطرة الكاملة على الاقتصاد، حيث يقال لنا إن الشراء اختيار، فالشركات بعد كل شيء تخدم فقط احتياجات المستهلكين، أليس كذلك؟

من وجهة نظر أخلاقية يمكن أن تمتد مسؤولية المستهلك قدر الإمكان إلى المعلومات والسلطة الشرائية التي يمتلكها، لكن من المغالطة والتضليل تحميلنا نحن المستهلكين العاديين مسؤولية انبعاثات الغازات الدفيئة المرتبطة بإنتاج القلم الذي نشتريه لأمر مضلل لأنه من المستحيل في أغلب الأحيان معرفة الانبعاثات الناتجة عن إنتاجه، فضلاً عن الظروف البيئية والاجتماعية التي أنتج فيها. وقبل كل شيء فإنه من المستحيل أيضاً ممارسة سيطرة حقيقية على هذا الإنتاج فتظل هذه المعلومات وهذه السلطة في الأساس ملكاً للشركة، إذ يكون الزبون بعيداً جداً عن أن يكون المالك.

والمؤكد أن الاستهلاك ليس بالضرورة عملاً من أعمال الحرية، ففي أميركا الشمالية أصبح شراء سيارة ضرورة في بيئة تهيمن عليها الطرق السريعة والضواحي دون وجود شبكة نقل عام كبيرة، ففي ثلاثينات القرن العشرين قلصت شركات «ستاندرد أويل» و«جنرال موتورز» و«فايرستون» للإطارات خيارات النقل بشدة بعد شراء شبكة النقل العام للترام الكهربائي وتفكيكها في 45 مدينة بالولايات المتحدة. وهو ما يثبت أن الخضوع لقرارات عدد قليل من الشركات الكبرى ليس بالأمر النادر بل إنه اتجاه قوي في السوق يفضل تركيز رؤوس الأموال ومركزيتها من خلال السباق المستمر لتحقيق الأرباح.

كما أن جزءاً لا بأس به من انبعاثات الغازات الدفيئة المرتبطة باستهلاكنا غير مرغوب فيها بقدر ما هي مقيدة، خاصة بالنسبة للفئات الأشد فقراً، حيث يفرض تنظيم الساحات والنقل على أعضائه استخدام السيارة للوصول إلى أعمالهم خاصة إذا كانوا يعيشون خارج المراكز الرئيسة، كما أن الدخل المحدود يجبر هذه الأسرة الفقيرة أو تلك على اختيار طراز سيارة اقتصادي وهي ليست بالضرورة الأكثر صداقة للبيئة.

وخلافاً للفرد الثري الذي يسافر عدة مرات في السنة بالطائرة، فإن الانبعاثات الصادرة عن الأشخاص الأقل حظاً ليست من باب الرفاهية، لكنها في كثير من الأحيان ضرورة في الواقع، فمن يستطيع شراء سيارة كهربائية اليوم حيث تتطلب نفقات مرتفعة للغاية؟ لا يمكننا أيضاً إلقاء اللوم على أفراد هذه الأسرة لعدم شراء المنتجات العضوية عندما تكون خارج ميزانيتهم في ظل خضوع المواد الغذائية لديناميكيات السوق التي تهيمن عليها الشركات الكبرى.

ويخلص العلماء الثلاثة إلى أنه بالطريقة نفسها فإن الأسر ذات الدخل المنخفض التي تكون من فئة المستأجرين عموماً نادراً ما تتحكم في تدفئة منازلها وتضطر أحياناً إلى التعاون مع أنظمة التدفئة الملوثة التي تعمل بالمازوت أو الغاز.

وفي كثير من الأحيان تكون مبانيها معزولة عزلاً سيئاً، فضلاً عن أنه نادراً ما يكون من الممكن لها اختيار شركة الكهرباء التي قد تعمل بالفحم أو الغاز، كما يمكن أن تؤدي معايير البناء المطبقة حالياً أيضاً إلى ارتفاع استهلاك الطاقة.


شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى

شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى
TT

شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى

شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى

عبر 21 نصاً مشحوناً بالمشاعر والمفارقات الإنسانية، ترسم الكاتبة المصرية نرمين دميس عالماً من الأسى أبطاله أبطال مهزومون، ومصائر عنوانها العريض العزلة والدموع الصامتة، وذلك في مجموعتها القصصية «صندوق أرابيسك» الصادرة أخيراً في القاهرة عن دار «الأدهم».

فضلاً عن أن النصوص تطمح في مجملها لأن تكون لسان حال الشخصيات الصامتة، معبرةً عن أحلامها وصدماتها الدفينة التي يبدو أنها استقرت في «صندوق» مغلق لم يعد بإمكان أحد أن يطلع عليه، وما يزيد الأمر صعوبة وتعقيداً هو أن تلك الشخصيات أدمنت السكوت واعتادت التجاهل من الآخرين، حتى أصبحت العزلة خيارها المفضل على طريقة «مجبر أخاك لا بطل».

على هذه الخلفية، تتعدد النماذج المثيرة للتأمل بين دفتي المجموعة مثل العجوز البسيطة ذات الملابس المهترئة التي تريد أن تصبح واحدة من «حفيدات السندريلا»، والأب الذي يشعر بالعجز وهو يطالع عبر واجهات المحال أسعار الملابس الضرورية لابنته، فضلاً عن البيت الذي يتحول إلى سجن، والمطر الذي يطلق طاقة تحرر داخلية والخوف الذي يصبح إدماناً والدموع التي تصدر عن شخص يحترف مهنة إسعاد الآخرين.

تتعدد التقنيات السردية في المجموعة ومنها «الأنسنة»، أي خلع صفات إنسانية على الأشياء والجمادات، واعتماد المراسلات كأداة لعرض الحدث، فضلاً عن اللجوء إلى التصوير الفانتازي الذي يتجاوز حدود العقل والمنطق ليسبح في حالة شعورية من الانطلاق.

ويبدو أن اسم المجموعة «صندوق أرابيسك» يكتسب دلالته ورمزيته من حالة التعقيد والتشابك، كما في فن الأرابيسك، التي تعكس واحدة من تجليات النفس البشرية والقصص المتداخلة داخل المجموعة، وكذلك حالة التكتم والسرية لهواجس الإنسان المؤلمة التي لا تظهر لنا لأنها استقرت داخل صناديق مزخرفة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«وسط ظلام ليلة عاصفة تنازل فيها القمر عن عرش السماء، وقفت وحيدة مذعورة يلفها الصقيع ويتسلل إلى داخلها، يزلزلها، يكاد يقتلعها من مكانها، تحاول التشبث بالفراغ من حولها فلا يغيثها، تخور قواها وتخمد مقاومتها وتتساءل... كيف تبدل حالها هكذا ما بين عشية وضحاها؟ بالأمس القريب، كانت تستيقظ على زقزقة العصافير وعبير الأزهار، تؤنسها ضحكات الأطفال، تتردد أصداؤها في الفضاء الفسيح، يعانقونها ويختبئون خلف جسدها فتبادلهم العناق كأم حنون. كم من أسرار حفظتها وأطبقت عليها بين الضلوع، لطالما لاذ بها المتعب حتى يستريح، الجائع حتى يشبع، والظمآن حتى يرتوي، شاركت الأحباب أوج الغرام ودمعت معهم لحظة الفراق.

كانت جميلة فتية، لا تكسرها ريح ولا يسكن قلبها برد، تتدثر بردائها الأخضر النضر وأنفاس ساكنيه الدافئة في أعشاشها، تستمتع بزخات السماء، تمنحها سر الحياة. أما اليوم فزال عنها الرداء، وهجرها الأحباب، صارت قاحلة المحيا بذراعين مصلوبتين تستميتان من أجل البقاء، يمزق نياط قلبها إعراض الناس عنها حتى أصبحت كيتيمة تفتقد السكن والونس، تقتلها نظرات التجاهل تلك، يكاد صراخها المكتوم يشق عنان السماء هاتفاً:

- ما زلت على قيد الحياة، لم أمت بعد!».