النموذج الصيني يأتي من المستقبل

النموذج الصيني يأتي من المستقبل

الأربعاء - 1 ذو الحجة 1441 هـ - 22 يوليو 2020 مـ رقم العدد [15212]

قرأت مقالة الصديق سليمان جودة المنشورة في هذه الجريدة الغراء بالتاريخ 16 يوليو (تموز)، فوجدتني أختلف مع بعض ما ورد فيها، خصوصاً النتيجة التي توصل إليها واختصرها في عنوان المقالة: «بكين ليست مؤهلة للفوز في سباق النموذجين»، في إشارة إلى النموذج الشرقي الصيني والنموذج الغربي الأميركي. وفي رأيي أن فكرة المقالة ليست إلا تنويعاً أو تكراراً لما عبّر عنه الفيلسوف الأميركي فرانسيس فوكوياما في بحثه الشهير بعنوان «نهاية التاريخ» المنشور في مجلة «ناشونال إنترست»، وخلص فيه إلى أن التاريخ يوشك أن يصلَ إلى نهايته بانتصار النظام الغربي الليبرالي الديمقراطي على أنظمة سياسية أخرى خصوصاً النظام الشمولي للمعسكر الشيوعي.
نشر فوكوياما بحثه في صيف عام 1989. فهل صدق تنبؤه اليوم؟ ويمكن طرح السؤال بصيغة أخرى: ماذا حدث في السنوات الثلاثين الماضية؟ وللإجابة عن السؤال أشير إلى الحقائق التالية:
أولاً، لم يسقط النظام الصيني (الاشتراكي أو الشيوعي كما تحلو تسميته لمن يشاء) بل حقق نجاحاً باهراً يلفت أنظار الجميع. إذ تحولت الصين من دولة فقيرة كان نصيب الفرد من إجمالي ناتجها المحلي (GDP) 310 دولارات عام 1989 (مقابل نصيب الفرد الهندي في نفس العام 346 دولاراً)، إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم بلغ نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي في العام الماضي 10261 دولاراً (مقابل نصيب الفرد الهندي 2104 دولارات). والأرقام كلها صادرة عن البنك العالمي. وحسب تقرير نشره «مركز آش (ASH) للحوكمة الديمقراطية والإبداع» في جامعة هارفارد قبل أيام تحت عنوان «فهم ثبات الحزب الشيوعي الصيني (Understanding CCP Resilience)»، أعده ثلاثة باحثين أميركان بعد ثمانية استفتاءات أُجريت على عشرة آلاف مواطن صيني في مدن الصين وأريافها بين عامي 2003 و2016، بلغت نسبة رضا الشعب الصيني عن أداء الحكومة المركزية إلى 93.1% عام 2016 (مقابل 86.1% عام 2003)، وعن أداء الحكومات المحلية على مستوى المقاطعات إلى 81.7% عام 2016 (مقابل 75.0% عام 2003). وأظن أن هذه الأرقام ستكون مفيدة لمن يريد تقييم الوضع الراهن في الصين والتنبؤ بمستقبلها.
ثانياً، فشل النموذج الغربي المفروض بالقوة أو بإغراءات مادية على دول عديدة في العالم، منها بعض الدول العربية، ومثال على ذلك الوضعُ المأساوي للعراق، «النموذج الديمقراطي للشرق الأوسط الكبير» على حد تعبير الإدارة الأميركية في أيام بوش الابن. كما أنَّ الأنظمة العربية الديمقراطية التي أوصلها الربيع العربي إلى سدة الحكم لم تحقق النجاح المرجوّ من الشعوب العربية. وهي حقيقة قد يوافق عليها الجميع في العالم العربي وخارجه.
ثالثاً، تعالت أصوات داخل المجتمعات الغربية في السنوات الأخيرة لمساءلة سلبيات النموذج السياسي الغربي، وانتشر الشعور بعدم الرضا في كثير من دولها، الأمر الذي جعل فوكوياما نفسه يَعدل عن رأيه في كتابه الذي صدر عام 2014 بعنوان «النظام السياسي والانحطاط السياسي من الثورة الصناعية إلى عولمة الديمقراطية»، حيث أضاف «قدرة الدولة على الحوكمة» كعنصر أساسي ثالث للدولة الناجحة، بعد عنصرين أكّدهما في كتاباته السابقة وهما الحكم بالقانون والانتخاب الديمقراطي، مشيراً إلى أنَّ بعض الدول الغربية الديمقراطية تفتقر إلى القدرة الجيدة على الحوكمة، التي تمتاز بها الصين. وقد بلغ انتقاد فوكوياما للسياسة الأميركية ذروته في ظل الفشل الذريع للإدارة الأميركية الحالية في مواجهة جائحة «كورونا المستجد»، إذ نشر أكثر من مقالة، وأرجع فيها هذا الفشل إلى انعدام القدرة لإدارة الرئيس ترمب وتآكل ثقة الشعب الأميركي بها.
وأذكر هذه الحقائق من دون أن أزعم أنَّ الصين ستفوز في «سباق النموذجين»، بل أشك في صحة تعبير «النموذج الصيني»، وأفضّل أن أستخدم بدلاً منه تعبيراً آخر «التجربة الصينية»، وسأذكر سبب ذلك في نهاية المقالة. كما أحب إبداء ملاحظات تالية تحت تصرف الصديق سليمان جودة وغيره ممن يرغبون في معرفة ماهية التجربة الصينية.
الملاحظة الأولى، أن التجربة الصينية ليست نقيضاً للنموذج الغربي، إنما تحتوي على مكونات مستمَدة من الغرب، وخصوصاً ما يتعلق بطرق إدارة الأعمال والتجارة والآلية الاقتصادية، وقد يغيب عن إدراك كثير من الناس أنَّ الحكومة الصينية ترسل سنوياً عدداً كبيراً من الكوادر على مستويات مختلفة إلى الدول الغربية، بالإضافة إلى اليابان وسنغافورة، للمشاركة في دورات تدريبية تتفاوت مدتها للاستفادة من التجارب الناجحة في هذه الدول في إدارة المجتمع والاقتصاد، إلخ...
والملاحظة الثانية، أنَّ الصين لم تنوِ أصلاً التنافس مع أميركا على زعامة العالم، أو التغلب على النموذج الأميركي الغربي، أو التقليل من قيمته، ولم تسعَ وراء تصدير «النموذج الصيني» أو التجربة الصينية إلى العالم –وإن كان الإعلام المؤدلج في الصين يعطي انطباعاً بغير ذلك في بعض الأحيان. فكان وما زال وسيظلُّ العالم متنوعاً بثقافاته ومجتمعاته وعقليات شعوبه، مما يتطلَّب أنماطاً مختلفة في الحكم تناسب هذا التنوع الكبير. ولا شك أنَّ المبادئ الكبرى في النظام الديمقراطي الليبرالي عظيمة وملهمة لجميع البشرية، ولكنه ليس دواءً سحرياً يصلح لعلاج كل أمراض العالم السياسية والاجتماعية، ولا حجر المحك للتمييز بين الدول الناجحة والفاشلة، ذلك أنَّ تطبيقه على أرض الواقع يستلزم شروطاً قد لا تتوفر في بعض الشعوب. وعبر تاريخ الإنسان لم يكن هناك نموذجٌ مثالي للحكم يمكن تطبيقه في كل بقاع الأرض، ولم يُستثنَ من هذه القاعدة مقولة «نهاية التاريخ» التي صارت منبوذة حتى من قبل صاحبها نفسه. لذا، يحق لكل شعب أن يستكشف النمط التنموي المناسب لظروفه وخصوصياته. كما أنَّ نجاح نموذج ما لا يعني بالضرورة فشل نموذج آخر. وإذا سلَّمنا بأن جوهر الديمقراطية يكمن في احترام الغير المختلف، فلماذا لا نسمح بوجود أنماط تنموية مختلفة بطريقة تحترم التعايش السلمي والتنافس الإيجابي والتعلم المتبادل؟
الملاحظة الثالثة، أن التجربة الصينية لا تعني النجاح والإنجاز فقط، بل تعني دروساً ومشكلات أيضاً، إذ إنَّها كانت ولا تزال بعيدة عن الكمال. فأذكر مثلاً، أنَّ التقرير السالف الذكر الصادر عن مركز «آش» في جامعة هارفارد أشار إلى ظاهرة مهمة، هي أنَّ نسبة رضا الشعب الصيني عن أداء الحكومة لدى الفئات الأعلى دخلاً والأحسن تعليماً، تكون أقل من الفئات الأفقر والأقل تعليماً، ومعنى ذلك أن الفئات الأولى من الشعب الصيني لا ترتضي بتحسن المستوى المعيشي المادي فقط، بل تطمح إلى التقدم في النواحي غير المادية أيضاً. فينبغي للحكومة الصينية الاهتمام بهذه الرسالة إذا كانت تحرص على الحفاظ على رضا الشعب بل زيادته. والنقطة الأخرى في هذه الملاحظة أنَّ صلاحية التجربة الصينية للصين اليوم لا تعني صلاحيتها للصين المستقبلة من دون الحاجة إلى أي تعديل عليها، ولا تعني أبداً إمكانية نقلها إلى أي بلد آخر. وباختصار، إنَّ التجربة الصينية هي وليدة واقع الظروف الصينية وقابلة للإصلاح والتعديل وتحترم التجارب الأخرى للغير.
هناك تعريفات عديدة وتفاصيل كثيرة للتجربة الصينية، وأحب أنْ ألخّصَ صفاتها الرئيسية بإيجاز شديد يناسب مساحة هذه المقالة: الصفة الأولى هي المحاولة دائماً لاستكشاف طريق خاص بالصين يناسب خصوصياتها مع التعلم من الخبرات الناجحة للآخرين. والصفة الثانية هي تحقيق التوازن بين الاستقرار والإصلاح والتنمية مما أوجد مجتمعاً مستقراً مفعماً بالحيوية يحافظ على النمو السريع. والصفة الثالثة هي إجراء إصلاحات بشكل مستمر وفقاً للمستجدات الطارئة في الداخل والخارج.
ويبقى أن أشرح سبب استخدامي تعبير «التجربة الصينية» بدلاً من «النموذج الصيني»: ليس هناك نموذج صيني جاهز، فالنموذج الصيني لا يزال في طريق التشكّل والتكوين. إنه بالأحرى يأتي من المستقبل.
* دبلوماسي سابق وبروفسور في جامعة الدراسات الأجنبية ببكين


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة