عن أكلاف ترك لبنان «وحيداً»: هل تذكرون سياسة النأي بالنفس؟

عن أكلاف ترك لبنان «وحيداً»: هل تذكرون سياسة النأي بالنفس؟

الثلاثاء - 23 ذو القعدة 1441 هـ - 14 يوليو 2020 مـ رقم العدد [15204]

على الطريقة اللبنانية، ابتدعت القيادات السياسية في عهد الرئيس السابق ميشال سليمان (2008 - 2014) سياسة اصطلح على تسميتها «النأي بالنفس» وتقوم فكرتها الأساسية على أن يبتعد لبنان عن صراعات المحاور الإقليمية كي لا يدفع، كما حصل في العديد من الحقبات التاريخية السابقة، الأثمان الباهظة لتلك الصراعات وأن يتحوّل مرة جديدة إلى ساحة لتصفية النزاعات بالوكالة، وهو لعب هذا الدور مراراً منذ نيله استقلاله الوطني سنة 1943 وكان أصعبها في حقبة الحرب الأهلية الطويلة (1975 - 1990).

لقد ساعدت هذه السياسة مرحلياً في حماية الاستقرار الداخلي والحفاظ على علاقات لبنان الخارجية، سواءً مع العالم العربي أو مع سائر مكونات المنظومة الدوليّة، كما أسهمت الجلسات الحوارية التي عقدت في القصر الرئاسي اللبناني آنذاك في التوصل إلى تفاهم أطلق عليه اسم «إعلان بعبدا» الذي أقر في 11 يونيو (حزيران) 2012، وتضمن في أحد بنوده «تحييد لبنان عن سياسة المحاور والصراعات الإقليمية»، فضلاً عن التمسك بالقرارات الدولية بما في ذلك القرار 1701 واستكمال تنفيذ البنود غير المنفذة من اتفاق الطائف ووضع الآليات المناسبة لتنفيذ مقررات الحوار الوطني التي كانت عُقدت سابقاً بدعوة من رئيس مجلس النواب نبيه بري في 2 مارس (آذار) 2006، وشاركت فيها كل الشخصيات السياسية من دون استثناء واتفقت على المحكمة الدولية الخاصة باغتيال رئيس وزراء لبنان رفيق الحريري وجمع السلاح الفلسطيني خارج المخيمات وتنظيمه داخلها، وترسيم الحدود اللبنانية - السورية، وإثبات لبنانيّة مزارع شبعا بتزويد الأمم المتحدة الوثائق المطلوبة لذلك.

طبعاً، باستثناء المحكمة الدوليّة الخاصة بلبنان التي سارت بمسارها القضائي والمؤسساتي تنفيذاً لقرار دولي كبير لم يكن ممكناً إيقافه بالإمكانات اللبنانيّة المحليّة، لم يُنفّذ أي من البنود اللاحقة. النظام السوري تمنّع عن التعاون مع لبنان لإثبات لبنانيّة مزارع شبعا التي كانت موضع نزاع تاريخي وهي لا تزال تخضع للاحتلال الإسرائيلي، ورفض ترسيم الحدود (أو تحديدها كما كان «حزب الله» يفضّل تسميتها)، كما أن ملف السلاح الفلسطيني بقي على حاله من دون علاج.

لقد تنصّل «حزب الله» لاحقاً من «إعلان بعبدا» ورفض الالتزام بمضامينه. وبعد انتهاء ولاية الرئيس سليمان وانتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية سنة 2016، أزيلت اللوحة التي تؤرّخ لإعلان بعبدا من باحة القصر الجمهوري (وقيل إنها احترقت!). وصار لبنان اليوم يعيش حالة غير مسبوقة من العزلة العربية والدولية، وهو ما يناقض انفتاحه التاريخي على الشرق والغرب والتزامه بالانتماء العربي، وهو - للتذكير - كان عضواً مؤسساً في جامعة الدول العربية سنة 1945 وبقي متفاعلاً مع القضايا العربية في مختلف المحطات.

الواقع أن سياسة النأي بالنفس، بمعزل عن عناصر تكوينها سياسياً ودبلوماسياً، شكلّت متنفساً للبنان «الرسمي» وتركت هامشاً للتمايز بين مواقف «حزب الله» ومواقف الدولة. فبينما كان الأول يفاخر بانتمائه إلى إيران والتزامه سياسات مرشدها الأعلى وتوجيهاته، كان لبنان يواصل حضوره العربي والدولي ويسعى للحفاظ على موقعه الطبيعي بين العرب، تاركاً خطوط الاتصال مفتوحة مع أوروبا وواشنطن وموسكو على حد سواء.

إلا أنه مع انتخاب العماد عون رئيساً للجمهورية اللبنانية في 31 أكتوبر (تشرين الأول) 2016، صار الهامش إياه يضيق رويداً رويداً، وأصبح الالتصاق بين الخطاب الرسمي اللبناني وخطاب «حزب الله» التصاقاً تاماً، حتى أن الرئيس عون الذي كان وعد اللبنانيين بإعادة فتح النقاش بعد إنجاز الانتخابات النيابية سنة 2018 حول الخطة الدفاعية (تسمية ملطفة، أيضاً على الطريقة اللبنانية، لمناقشة قضية سلاح «حزب الله») تراجع عن وعده وقال إنه لم يعد هناك داعٍ لهذا الأمر!

لقد كان واضحاً أن التفاهمات السياسية الجانبية التي عقدها التيار الوطني الحر لإيصال رئيسه إلى كرسي الرئاسة الأولى (لا سيما التفاهم مع رئيس تيار المستقبل سعد الحريري ومع رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع) لم ترمِ إلى وضع أسس متينة لسنوات العهد الست، بل كانت ترتكز حصراً على تحقيق الهدف الأوحد منذ إنشاء التيار، أي وصول عون إلى رئاسة الجمهورية. فبعد تحقيق الهدف، صار الالتزام بمضامين هذه التفاهمات من الماضي، وسرعان ما انهارت التحالفات.

المهم اليوم أن لبنان أصبح يقع بين فكي كماشة؛ فهو أسير موازين القوى السياسية الداخلية التي تعرضت لاختلالات كبيرة جرّاء تصاعد قوة «حزب الله» السياسية والعسكرية، من جهة، وهو أيضاً أسير الضغط العربي والدولي عليه للانفكاك عن هذه المنظومة، من جهة ثانية.

قد تكون إعادة الاعتبار لسياسة النأي بالنفس أحد العناوين المطروحة أو المخارج الممكنة، أقله مرحلياً، بما يتيح للبنان استعادة التنفس من رئته العربية، وذلك يتطلّب انضباط جميع الأطراف السياسية، وفي مقدمها «حزب الله»، تحت سقف هذه المنظومة وهي مسألة بالغة الصعوبة، ما لم تلامس الاستحالة، نظراً للارتباط الوثيق للحزب بطهران التي تعتمد سياسة تقوية «الأذرع» التنفيذية لها في العديد من العواصم العربية، مثل بيروت وبغداد ودمشق وصنعاء وسواها.

إزاء هذا الواقع المؤلم والقاتم، ثمة سؤال مهم موجه إلى المجتمع السياسي العربي: ألا يشكل ترك لبنان وحيداً لمواجهة قدره، كلفة سياسية باهظة على المنطقة العربية بأكملها؟ ماذا عن الهوية العربية واضمحلالها وتلاشيها أمام المشاريع الإقليمية الأخرى، التركية تارة والإيرانية تارة أخرى؟ أين المشروع العربي البديل في سوريا وفلسطين ولبنان والعراق وسواها من المواقع الأخرى التي تعرّضت وتتعرّض لتغيير جذري في طبيعة تكوينها وتركيبتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية؟

حتماً، الكلفة السياسية لدعم لبنان للحيلولة دون التحاقه بمحاور معينة أقل بكثير من كلفة الاستغناء عنه وتركه يقفز من المجهول وحيداً!


* صحافي لبناني


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة