القذافي و«الإخوان»... الحليف المحتقر

القذافي و«الإخوان»... الحليف المحتقر

الخميس - 11 ذو القعدة 1441 هـ - 02 يوليو 2020 مـ رقم العدد [15192]
فهد سليمان الشقيران
كاتب وباحث سعودي

منذ تأسيس السعودية ورموز تنظيم «الإخوان» يرون فيها الهدف الاستراتيجي، والجغرافيا النوعية للتمدد والتأثير. يطمعون بما فيها من ثقل ديني، ومدد وجداني، ولما تختزنه من خيرات وثروات طائلة.
إن تاريخ «الإخوان» في السعودية المتراوح بين النفوذ والانكسار بات معروفاً، والأهم رصد ما يطفو على السطح من خطط ومؤامرات جنونية دبرت بليل وفهمه.
التسريبات المزلزلة لم تقل كل الحقيقة، وإنما بعضها. منذ ظهور أول الصور لوفود «الإخوان» في الخليج إلى ليبيا والقصة فيها شبهة؛ لقاءات جمعتهم بالقذافي، وتصريحات ودودة، وثناء على «الإصلاحات السياسية»، كلها أساليب تنم عن وجود تحالف يتشكل بين الطرفين.
والتحالف بين القذافي و«الإخوان» ليس استراتيجياً، وإنما تكتيكي، لم يكن يودهم وإنما يحتقرهم، لكنه أراد استخدامهم، وجد الطريق معبدة بسبب العلاقة الوثيقة مع حمد بن خليفة، استفاد من صلة القطريين بـ«الإخوان»، وحدد القذافي هدفه عبر عددٍ من النقاط، منها:
* توظيف «الإخوان» المسلمين بالخليج تحديداً لأهدافه السياسية، والأهم منها الإرهابية، كانت أفكاره عن السعودية غاية في السذاجة، لا يعرف تفاصيلها الدقيقة ولا يفهم عدتها وعتادها. لم يستمل القذافي سوى «الإخوان المسلمين» بالخليج بسبب عداوته الأولى للسعودية. اطمأن له «الإخوان»، لكنه لم يطمئن لهم، وجدهم أفضل من يصلونه ببقية التيارات الأصولية الأخرى، ففتح لهم المجالات وأغدق عليهم الدعم المطلق.
* علاوة على دعمه للمعارضين في لندن، وجد القذافي من إطلاق سجناء «الإخوان» فرصة لإثبات حسن النية لدى التنظيم. ما إن أطلقهم من السجن حتى وجّه بإدماجهم في التعليم ليدرّسوا الطلبة بالجامعات. يروي لي سياسي ومفكر ليبي عمل مع سيف الإسلام القذافي أنه تجرأ ورد بأن «عينهم، إذا رأيت، وزراء أو مسؤولين بالحكومة، ولكن أن تضعهم أساتذة بالجامعات فهذه مغامرة». ومما رواه عن سيف الإسلام قوله: «هل تصدّق أن شيخاً قطرياً (ذكر اسمه) قال لي بالحرف الواحد إنه عضو بالتنظيم الدولي لـ(الإخوان المسلمين)»؟!
* وجد القذافي في اليمن خاصرة رخوة، يمكنها أن تشكل إزعاجاً للسعوديين، فوسّط عبد الله منصور بينه وبين المكونات اليمنية لدعم أي تحرك ضد السعوديين، وقد تمكن وسيطه من تمويل ودعم مناوئين كثر ومنهم الحوثيون، أمل منهم تكوين خلايا إرهابية، والدخول في عراك يمكنه أن يضعف الحكومة السعودية أو يقضي على النظام. بهذه البساطة والسذاجة كان يفكر القذافي.
* نصيحة القطريين للقذافي أن يلوذ بـ«الإخوان» استحسنها. تملقهم وتملقوه؛ ولذا أصر عليهم في لقاءاته أن حافظوا على «الغطاء الإسلامي الدعوي»، هذه المظلة تمر على الحكومات، وتدغدغ مشاعر الجماهير. حثهم على إيقاظ غريزتين: القبليّة، والإسلامية، تلك كانت وسيلة التخادم الأبرز بين الطرفين، وربما تكشف التسجيلات اللاحقة عن استراتيجياتٍ أخرى.
الصراع الآن بين معسكرين لا ثالث لهما، بين الرؤى المدنية، ومشاريع التنمية والنهضة، ومسارات التنوير، وبين محور الشر، وفي مقدمتهم تنظيم «الإخوان المسلمين» وتيارات الأصولية المدمرة.
لحسن الحظ أن التسريبات كشفت لحكوماتٍ خليجية ربما وصفت بـ«المتراخية» في إجراءاتها تجاه المد الأصولي العنيف، الآن وقد حصحص الحق على العقلاء، إدراك الخطر الحقيقي، وأن المسألة تمس أمن الدول ومستقبلها وقابليتها للحياة.
لا بد من حملة تمشيط مشتركة بالخليج لتنظيف التعليم ومناهجه، والمؤسسات وكوادرها والقائمين عليها، والأحزاب وبرامجها، والخطابات وآيديولوجيتها، من أوضار الأصوليات والإرهاب. لقد قطعت دول مثل السعودية والإمارات والبحرين أشواطاً مذهلة في الحرب على «الإخوان».
هذه مرحلة فصل لا تحتمل الهزل، من لم يجرّم تنظيم «الإخوان» ويضعه على لائحة الإرهاب سيمسه من نارهم اللظى، وما كانوا يوماً حزباً سياسياً، وحين كُشفت مشاريعهم مبكراً في مصر أصدروا مكتباتٍ كاملة تتحدث عن التشويه والظلم والجور من قبل النظام المصري آنذاك، زعموا أن الدول لا تفهم مقصدهم السياسي، ولا مغزاهم الفكري.
أتمنى من كل مسؤول لم يجرّم «الإخوان» قراءة ولو مقتطفاتٍ من رسائل حسن البنا، و«في ظلال القرآن» و«معالم في الطريق» لسيد قطب، و«واقعنا المعاصر» لمحمد قطب، والسياسة والحكم» لحسن الترابي، و«الحريات العامة في الدولة الإسلامية» للغنوشي، وكتيبات فتحي يكن، والصاوي، وليس انتهاءً بأشرطة وكاسيتات رموز «الإخوان» والصحوة الزاعقين على المجتمعات بالخليج طوال ثلاثين عاماً، ليروا هل هؤلاء يمكن وصفهم بالتيار السياسي؟!
إن إعطاء الحق لـ«الإخوان» بالخليج لتشكيل أحزاب سياسية، وكتل برلمانية لا يختلف أبداً عن فتح المجال لـ«القاعدة» و«داعش» و«بوكو حرام» أن تشكل أحزابها وكتلها البرلمانية، لا فرق، بل إن جماعة «الإخوان» أخطر من تنظيمَي «القاعدة» و«داعش»؛ لأنها المحتوى الفكري والنظري والتنظيمي لكل جماعات العنف والإرهاب الأصولي بالعالم. والسعيد من وعظ بغيره.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة