عندما تتداعى الدولة

عندما تتداعى الدولة

الخميس - 11 ذو القعدة 1441 هـ - 02 يوليو 2020 مـ رقم العدد [15192]
حنا صالح
كاتب لبناني

«ثمة شيء فاسد في مملكة الدنمارك»! ماذا كان سيكتب شكسبير عن لبنان؟
كان التمني أن يكون شيئاً ما فاسد في بلد «الأرز والبخور»! لكانت الأمور قابلة للعلاج! لكن الفساد بكلِّ صوره وأشكاله خصوصاً الأخلاقي تحوّل إلى وباء مع ما يتناسل عنه من ارتهان وتبعية، بات عاماً وشاملاً كل نواحي الحياة، كأنه القاعدة وأقله العُرف وربما المنطلق لبعضهم للتسلق الوظيفي!
في أسبوع واحد تتالت ثلاثة أحداث كبيرة جعلت البطريرك الراعي يقرع ناقوس الخطر عن «فقدان الثقة» السائد في البلد الذي «ينسحب على جميع القيمين على شؤون الدولة»! الحدث الأول كان قراراً سياسياً همايونياً اتخذه قاضي العجلة في مدينة صور جنوب لبنان واستهدف السفيرة الأميركية دوروثي شيا، وأراد من خلال استهدافها إخراس الإعلام! والحدث الآخر قرار استقالة آلان بيفاني المدير العام للمالية، صاحب التوقيع الرابع في الدولة، الذي قرر القفز من مركب متهاوٍ أدرك أنه آيل للغرق! وبينهما يعلن الوزير محمد فهمي في حوار متلفز: «قتلت شخصين» مقدماً نفسه بأنه «وفيّ» ويكشف عن الأمور بـ«صدقٍ وعفوية»!
في مشهد سوريالي وفي يوم عطلة أصدر القاضي محمد مازح، قاضي العجلة في صور، قراراً على خلفية تصريحات للسفيرة الأميركية، يمنع بموجبه وسائل الإعلام من إجراء أي مقابلة معها لمدة سنة، كما يحظر نقل مواقفها، مع التهديد بعقوبات! ببساطة تضمن القرار تعدياً على صلاحيات السلطة التنفيذية وتجاوز كل المقاييس والمبادئ القانونية، خصوصاً اتفاقية فيينا التي تمنح حصانة كاملة للدبلوماسيين، ليصدر كقرار سياسي في مضمونه جاء تلبيةً لرغبات «حزب الله» الذي قرر وضع لبنان على منصة المواجهة مع «قيصر» والعقوبات الأميركية دفاعاً عن محور الممانعة! يقول القانوني د. إبرهيم نجار إنه «يستوجب الإبطال لأنه صادر بتجاوز حدِّ السلطة». والخطير في الموضوع أنه شكّل تدخلاً في قدسية وحرية العمل الإعلامي، عندما استهدف الإعلام كجزءٍ من مخطط تقييد الحريات، وهذا وجه من وجوه السعي لاستتباع البلد إلى محور الممانعة! وبالتأكيد متجاوزاً الحرية التي يصونها الدستور وتحميها القوانين.
كبيرة كانت تداعيات القرار؛ مستشار رئيس الجمهورية الوزير السابق جريصاتي يتصل بالسفيرة معتذراً ومؤكداً أنْ لا علاقة للرئيس بالموضوع. لكنّ الضغوط أدت إلى تماهٍ حكومي مع القرار عبّر عنه ما نُقل عن رئيس الحكومة: «لا أريد التدخل، لا من قريب ولا من بعيد، ما تدخلوني بهالورطة... ويجب سحب الاعتذار»! لكنّ وزير الخارجية الذي استدعى السفيرة ذهب في منحى مغاير لـ«حزب الله» معتبراً قرار القاضي مازح «كأنه لم يكن»، وأن «الخارجية» لن تكون طرفاً في المواجهة التي تريدها سوريا وإيران مع أميركا! وفيما استدعى مجلس القضاء الأعلى القاضي مازح وحوّله إلى التفتيش سارع الأخير إلى الاستقالة بعدما اكتشف انتهاء دوره. في المحصلة القرار الهمايوني فتح مواجهة داخلية أكدت أنه يمكن التصدي للترهيب الذي يمارسه «حزب الله»!
آلان بيفاني، الصندوق الأسود لأسرار المالية اللبنانية طيلة 20 سنة، يستقيل لأنه رفض «أن يكون شريكاً أو شاهداً على ما يجري»، ويضيف: «كان يجب أن نكون منكبّين على التوزيع العادل للخسائر لكن قوى الظلمة والظلم تكاتفت ومارست أكبر عملية تضليل على حساب مصلحة المجتمع بأكمله». الرمز المدلل لدى فريق رئاسة الجمهورية وجد نفسه وحيداً فاستقال. قال عنه جميل السيد: «عُين في أيامنا عام 2000 رغم اعتراض السنيورة والحريري»، مضيفاً: «هاجمه الزعران... وخسرت الدولة آدمياً». طبعاً شهادة رجل النظام الأمني اللبناني - السوري بأن بيفاني كان من عيون هذا النظام في مالية الدولة غير ذي فائدة للمستقيل، الذي مهر بتوقيعه على كل قرش ونفقة، وهو الشاهد – الشريك، على كل خفايا «الهبات» و«الإعفاءات» وأسرار الدوائر العقارية والجمارك.... إلخ، وطبعاً الانهيارات والإفلاسات التي اتخذت منحى تصاعدياً منذ عقدٍ من الزمن ولم يحرك ساكناً. لكن ما يستدعي وقفة متأنية ما كشفه من أن الخطة البديلة التي توحدت حولها الطبقة السياسية والكارتل المصرفي ستؤدي إلى «الاستيلاء على أصول اللبنانيين وسحق الطبقة غير الميسورة وتحميل بعض الفئات التكاليف الباهظة، إضافةً إلى تدهور العملة مع غياب أي برنامج إصلاحي»!
هذا لا يعني أن الخطة التي تم التخلي عنها كانت كلها إيجابيات، فهي تلتقي مع الطرح الجديد على استبعاد الجانب الاجتماعي وهو أساسي جداً للاستقرار، كما لم ترسم أي منحى لنهوض اقتصادي من شأنه أن يوفر فرص عمل في وقت تجاوزت فيه البطالة نسبة الـ50%، كما أن لبنان بات يحتل المرتبة الثالثة عالمياً في معدلات التضخم بعد فنزويلا وزيمبابوي مع نسبة 363% عند سعر صرف الدولار 7000 ليرة واليوم تجاوز سعر الصرف 9000! وتبقى الاستقالة أمراً محسوساً على تسارع الانهيار المخيف!
المشهد السوريالي الذي سيَرسخ في ذاكرة الناس يتمثل في الحديث المتلفز لوزير الداخلية العميد محمد فهمي عندما أفاض في الحديث عن سر «الوفاء» الذي يحمله للرئيس ميشال عون. قال عضو حكومة «الاختصاصيين»: «قتلت شخصين في عام 1981. يومها قال لي قائد اللواء: ليك يا محمد، طول ما فيي نفس ما حدا بيدقك بشوكة»... هكذا ببساطة؛ لا علة قتل، ولا أسماء لضحايا، ولا مبررات! لكن التداعيات لن تتأخر رغم الصمت الحكومي والرسمي، فالكثير من الضباط المتقاعدين طالبوا باستقالته.
وتتلاحق الأحداث ويبرز على السطح مزيد من العفن، لكن النظام الطائفي المسؤول عن نهب البلد وتجويع أهله ما زال قوياً جداً، رغم تراجع نسبي في الحال الزبائنية ارتباطاً بتجفيف المال الخارجي وإمكانات الدولة التي تتم محاصصتها. ما يعني أن إخراج البلد من خطر الانهيار والتفكك، يحتّم بلورة مشروع إنقاذي ينهض بالوضع الداخلي، يرسم معالم ميزان القوى الحقيقي القادر أيضاً على الإفادة من متغيرات في الإقليم آتية ولن تتأخر. نعم «ثورة تشرين» صدّعت منظومة الفساد، وعمّقت التباينات فيما بين أطرافها، لكنها لم تتمكن من فرض بدائل، وإن نجحت في الحجْر على الكثير من الرموز. أما التغيير، ووحده ما يضمن استعادة الحقوق والكرامات، فله مسار مغاير عن الراهن؛ مسار بلورة أطر تنظيمية قادرة على التفاعل مع الكتل البشرية واستعادتها إلى الساحات، ومسار تحريك المتضررين لإقامة شبكة أمان وطني لإنقاذ لبنان ومواطنيه.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة